تعمق الفقر في زمن الامبريالية

تعمق الفقر في زمن الامبريالية

 

أديب عبد السلام

 

انتهت باحثتان من أكسفورد، صابرينا ألكير وماريا إيما سانطوس، من وضع مؤشر الفقر متعدد الأبعاد.

ويعتمد مؤشر الفقر متعدد الأبعاد على تركيبة عوامل الحرمان الذي تعاني منه الأسر. وتعتبر الأسرة فقيرة متعددة الأبعاد إذا ما بلغت نسبة الحرمان التي تعاني منه 30 في المائة محسوبة انطلاقا من عشرة مؤشرات ترتكز على ثلاثة أبعاد هي الصحة والتعليم ومستوى المعيشة:

 

أ – في مجال الصحة: نسبة وفيات الرضّع، وسوء التغذية.

 

ب – في مجال التعليم: عدد سنوات الدراسة، والخروج من المدرسة قبل سن الثامنة.

 

ج – في مجال مستوى المعيشة: مدى توافر الكهرباء، ومدى توافر الماء الصالح للشرب، وتوافر بنيات التطهير، وتوافر أراضي السكن، وتوافر الحريرات الغذائية، وتوافر بعض الملكيات المنقولة: الراديو، التلفزة، الهاتف، الدراجة، الدراجة النارية.

 

وقد درست البحاثتان الوضع في 104 دولة من دول العالم الثالث التي تضم 5,2 مليارات انسان. فمن بين هؤلاء هناك 1,659 مليار انسان فقير. وقد وصفت الباحثتان هؤلاء الفقراء بأنهم أفقر الفقراء في العالم الثالث.

 

إن الدول الأكثر فقراً توجد في افريقيا، النيجر، اثيوبيا، مالي، وسط افريقيا، بوروندي، حيث تشكل هذه الدول أسفل السلم. لكن أخذاً بعين الاعتبار عدد السكان، يظهر أن آسيا الجنوبية يتركز فيها الفقر أكثر. فالفقراء يمثلون 29,5 % من مجموع السكان الذين تمت دراستهم، لكنها تضم في الواقع 51 % من السكان الفقراء. وقد أكدت الدراسة على أن أفقر ولاية في الهند وهي بيهار، تضم 95 مليون انسان فقير. وتؤكد الباحثتان بأن مؤشر الفقر متعدد الأبعاد يركز على الشعوب بدلاً من الأمم.

 

وقد تناول تقرير آخر لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية والجامعة العربية تحت عنوان “تحديات التنمية في البلدان العربية: من أجل تنمية بشرية” وضعية الفقر في العالم العربي، حيث أشار إلى أن 40 % من سكان الدول العربية (140 مليون انسان)، يعيشون تحت عتبة الفقر. ويشير التقرير إلى أنه لم يحدث أي تقلص للفقر في الدول العربية خلال العشرين سنة الأخيرة.

 

نسبة السكان الذين يعيشون فقط بدولارين أو أقل في اليوم هو بنسبة 19 %. ويرتفع هذا المعدل الى 41 % أخذاً بعين الاعتبار أنه في العديد من الدول يوجد الفقر مع وجود مداخيل مرتفعة. هذه الاحصائيات تتخد أوضاعا مختلفة وبمعدلات فقر تتراوح بين 27 و30 % من السكان في سوريا ولبنان، وبنسبة 39 % في مصر و58 % في اليمن و28 % في المغرب.

 

ويؤكد التقرير أيضا على أهمية بطالة الشباب، الذين يمثلون أكثر من 50 في المائة من السكان بدون عمل في معظم الدول العربية. وظهر أن العالم العربي يوجد في مقدمة مناطق العالم في ما يتعلق بتفاقم بطالة الشباب.

 

ويؤكد التقرير أيضا على ضرورة الزيادة في مستوى الاكتفاء الذاتي الغذائي للمنطقة، وهو الهدف الذي يبقى بعيداً عن الادراك رغم التقدم الحاصل في السودان وسوريا في مجال قطاع الحبوب. ويحاول التقرير مطالبة الدول العربية بإبرام نوع من التعاقد الاجتماعي أو ميثاق للتنمية فيما بين الغنية منها المنتجة للنفط والدول التي توجد في وضعية اقتصادية صعبة، وذلك من اجل أن تتاح لهذه الأخيرة تجاوز تأخرها. ويطالب التقرير الدول العربية أيضا بالمرور من نموذج التنمية التي تميز المحروقات والمواد الأولية الى تنمية تركز على تقليص الفقر وخلق مناصب الشغل. ويشير التقرير أيضا الى ضعف مؤسسات الدول العربية، مع النتائج السلبية التي تبرزفي مجال التدخل الحكومي والنهوض بدولة الحق والقانون ومحاربة الرشوة.

 

لكن التقرير الذي يؤكد من جهة أولى على فظاعة وضع الفقر والبطالة في العالم العربي، وعلى أن الدول العربية قد أهملت هذا الجانب لمدى عشرين سنة أي حتى قبل اعتماد أهداف الألفية مما جعلها “حبراً على ورق”، يفضح الطابع الطبقي لهذه الدول وخدمتها لمصالح البرجوازية المحلية التي حققت تراكمها البدائي من خلال استغلال شعوبها، وحيث يؤدي هذا الاستغلال المفرط بطبيعة الحال الى الفقر والبطالة. ثم ان اقتراح التقرير من جهة ثانية لبعض الحلول لمعالجة ظاهرة تفاقم الفقر والبطالة في العالم العربي تفضح سطحية تحليل أسباب تفاقم الفقر في العالم العربي كما هو الشأن في العالم، فلا يمكنك أن تطلب من البرجوازيات الكومبرادورية المتحكمة في هذه الدول ومن خلفها القوى الامبريالية أن تتوقف عن استغلالها للشعوب وأن تحرم نفسها من الأرباح التي تجنيها جراء هذا الاستغلال خصوصاً في ظل تفاقم تناقضات النظام الرأسمالي العالمي وتوالي ازماته وتوحش أساليب تدبيره لهذه الأزمة.

 

إننا لن ننتظر من هذا النظام الرأسمالي الذي لم يصل بعد مستوى احتضاره النهائي، سوى المزيد من الاستغلال والحروب والافقار واللجوء الى الأساليب البربرية للحفاظ على ذاته. بل إن الأنظمة وفي مواجهة الطبقة العاملة التي بدأت تتحرك تحت وطأة الفقر والأزمة والبطالة، تحاول تخديرها بالوعود الفارغة وتعمل على تلميع صورتها واخفاء نتائج استغلالها لشعوبها، لذلك تكون أغلب الاحصائيات المتعلقة بالبطالة والفقر مقولبة حتى تخفف من آثارها وتقلص من أهميتها. وقد رأينا في المغرب كيف يحاول محمد لحليمي المندوب السامي للإحصاء منذ سنتين التشكيك في مصداقية تقرير التنمية البشرية حول المغرب، وكذا في مصداقية المعايير المعتمدة ومنها مؤشر الفقر متعدد الأبعاد. ومحاولة تأكيده على بذل مجهودات وهمية في هذا المجال بينما المجهود الوحيد المبذول هو تعميق استغلال الطبقة الكادحة وزيادة معاناة العاطلين ومنهم على الخصوص الشباب حاملو الشهادات.

 

ان تشديد البرجوازيات الكرمبرادورية لاستغلال العمال والفلاحين لن يتوقف عن انتاج الفقر والبطالة إلاّ إذا نهضت البروليتاريا من أجل القيام بمهامها التاريخية من خلال حسم الصراع الطبقي لصالحها واقامة الاشتراكية الخالية من الطبقات والخالية من الملكية الخاصة ومن العمل المأجور وإرجاع الإنسانية للإنسان.

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في نظريات وحركات يسارية وثورية وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s