رأسمالية الدولة

 

رأسمالية الدولة

 

 

أنور نجم الدين

 

 

تمهيد:

 

إن التمركز في رأس المال، وتجميع الملكية المتفرقة للمنتجين المبعثرين، يؤدي -ولا مفر من ذلك- إلى تجميع الوسائل الإنتاجية في أيدي أفراد قلائل أو في يد الدولة، ولكن في أي حال من الأحوال، فالدولة في آخر المطاف هي الممثل الرسمي للرأسمال الوطني، بمعنى أن الدولة هي التي تقوم بتنظيم الإنتاج الوطني والسوق المحلية، وأن القانون يوجد لا لحماية رأس المال الوطني فحسب، بل ولأجل تنظيم العلاقة بين العمل ورأس المال وطنيًّا وعالميًّا أيضًا.

 

وابتداء من النصف الأول من القرن التاسع عشر، بدأ الناس يتحدثون عن ملكية الدولة بوصفها رأس مال الدولة، وسيطرة الدولة على السوق الوطنية، فالدولة هي منظم الإنتاج الاجتماعي وسوق العمل، والبرجوازي الذي يتمتع بالسلطة، يتقاسم الغنيمة مع زملاءه دون الحاجة إلى التمليك الخاص للوسائل الأنتاجية، وعلى سبيل المثال يقول ماركس:

 

“ان تحويل الملكية الخاصة إلى ملكية الدولة يرتد في آخر تحليل إلى فكرة ان البرجوازي لا يملك إلا بوصفه نموذجًا للنوع البرجوازي الذي تسمى خلاصته الدولة” (ماركس، الأيديولوجية الألمانية).

 

فالدولة تعبر عن المصحلة القومية والسلطة الخاصة للرأسماليين:

 

“بيد ان هذه الدولة ليست شيئًا آخر سوى الشكل التنظيمي الذي يتخذه البرجوازيون بالضرورة كي يضمنوا بصورة متبادلة ملكيتهم في الخارج والداخل على حد سواء” (ماركس، نفس المرجع).

 

أو كما يقول إنجلس:

 

“مهما يكن من أمر، فبتروستات أو بدون تروستات لا بد للممثل الرسمي للمجتمع الرأسمالي -الدولة- من أن تأخذ أخيرًا أمر توحيد الإنتاج على عاتقها” (إنجلس، أنتي دوهرنغ، ص 335).

 

رأسمالية الدولة:

 

مهما كان من شكل الدولة، فهي في الواقع آلة لتنظيم أمور رأس المال، فهي دولة الرأسماليين، وتقوم بتوجيه القوى الإنتاجية، وملكيتها ليست سوى ملكية خاصة رأسمالية، أي أنها ليست ملكية المجتمع على الإطلاق، فالدولة في آخر الأمر منظم سياسي للمجتمع الرأسمالي.

 

أما لرأسمالية الدولة -أي لملكية الدولة- معانٍ متنوعة في الأدب البرجوازي، ولكن أكثرية الاقتصاديين متفقون بأن رأسمالية الدولة تعني توجيه القوى الإنتاجية من قبل الدولة، وأن ملكية الدولة، هي رأسمالية الدولة بحد ذاتها، حتى لو كان مثل هذا المجتمع يطلق على نفسه اسم مجتمع اشتراكي، مثل المجتمع السوفييتي السابق.

 

وهكذا، فمع ملكية الدولة أم ملكية خاصة للبرجوازيين، فالدولة مضطرة أن تتصرف ككيان سياسي موحد، يعبر عن إرادة المجتمع الموحدة، فالدولة تمثل مجمل رأس المال الوطني، وهي مضطرة أن تتصرف كشركة رأسمالية واحدة، تمثل الوحدة الوطنية داخليًّا، والأمة خارجيًّا.

 

“ان البرجوازية ملزمة، لمجرد كونها طبقة، بأن تنتظم على الصعيد القومي لا على الصعيد المحلي، وبأن تمنح مصالحها المشتركة شكلا عموميًا” (ماركس، نفس المرجع السابق).

 

فالدولة هي حامية الحق الرأسمالي العام، فهي تمثل جميع أعضاء المجتمع الرأسمالي، ويحدد طابع السوق –اقتصاد السوق أم الاحتكاري، فمن يقرر مثلا أجرة الموظفين؟ الدولة أم الموظفون أنفسهم؟ ومن يقرر نسبة القوى العاملة المتعلمة إلى رأس المال المعروض في السوق؟ من يقرر احتكار الجزء الأعظم من الثروات الوطنية إلى حشرات الدولة الطفيليين، وأجهزتهم القمعية، والبوليسية، والصناعات الحربية؟ من يتصرف بالإنتاج والتوزيع؟ من يقرر تجنيد الأفراد في الجيش؛ وجرهم إلى ساحات الحرب ضد العمال في البلدان الأخرى مثل الحرب العالمية الثانية التي مات فيها أكثر من 50 مليون إنسان تحت قيادة هتلر وستالين وكبار رأسماليي الدول الأخرى في العالم؟

 

في المعنى الحديث لرأسمالية الدولة، فإنها مصطلح يستخدم لوصف نظام تكون فيه الدولة تتدخل في الأسواق لحماية وتعزيز مصالح الشركات التجارية الكبرى.

 

مفهوم رأسمالية الدولة:

 

باكونين:

 

على الأرجح فإن استخدام مفهوم رأسمالية الدولة يعود إلى ميخائيل باكونين في غضون المؤتمر الدولي للأممية الأولى، في تعريفه لملكية الدولة.

 

ليبكنخت:

 

يقول ويلهلم ليبكنخت في عام 1896: “إن الدولة الاشتراكية هي حقا رأسمالية الدولة!”

المصدر: Liebknecht, Wilhelm (1896). “Our Recent Congress”

 

لينين:

 

بعد انقلاب أكتوبر عام 1917م بدأ لينين يستخدم هذه الكلمة على مدى واسع وبطريقة إيجابية جدًّا. وسياسة لينين الاقتصادية الجديدة المعروفة بالنيب، مشروع خاص بتطوير رأسمالية الدولة وادخال نظام العمل التايلوري في الإنتاج، وباعتبار ان رأسمالية الدولة تقع تحت سيطرة دكتاتورية البروليتاريا، وفي جدله مع الشيوعيين اليساريين الروس، يقول لينين: إن رأسمالية الدولة ستكون خطوة إلى الأمام.

ولقد تبنت رأسمالية الدولة اللينينية فكرة تايلور الانضباطي في العمل بوصفها عاملا فعالا في الازدياد في إنتاجية العمل، فالمكافآت الفردية للعمال على طريقة تايلور، أصبحت تقليدًا لينينيًّا في رأسمالية الدولة اللينينية. وحسب لينين فهذا الانضباط التايلوري في العمل، هو طريقة شيوعية لإسهام كل عامل في تنظيم الإنتاج الاشتراكي.

المصدر: Lenin Collected Works Vol. 27, p. 293

 

بوخارين:

 

حسب نيكولاي بوخارين، سوف توضع جميع قطاعات الإنتاج الوطني والمؤسسات الاجتماعية الهامة تحت إدارة الدولة، تسمى رأسمالية الدولة. وحول سياسة الاقتصادية الجديدة للينين (نيب)، يبدي بوخارين رأيه بأن روسيا أصبحت مجتمع تقوده رأسمالية الدولة التي يحكمها طبقة بيروقراطية.

المصدر: Imperialism and World Economy

 

تروتسكي:

 

رفض تروتسكي هذا الوصف للجمهوريات السوفييتية حتى في عهد ستالين، وزعم تروتسكي بأن الدولة السوفييتية (دولة عمالية مشوهة). ولكن رغم ذلك، فهنالك تيارات تروتسكية تنتقدون السوفييت، والصين، وكوبا باعتبارها رأسمالية الدولة.

 

المناشفة:

 

بعد عام 1929، وصل (فيودور دان) في المنفى، وهو منشفي قديم، إلى أن مجتمع روسيا الستالين يشكل رأسمالية الدولة.

 

أنطون بانيكوك:

 

حسب أنطون بانيكوك: إن رأسمالية الدولة السوفييتية تهيمن على الصناعة، ويجري التخطيط، وتعتبر الأرباح دخلا للدولة (المصدر: رأسمالية الدولة الدكتاتورية).

وإن البيروقراطية كطبقة حاكمة في روسيا هي سيدة الإنتاج ونتاجه، والعمال الروس هم طبقة مستغَلة (المصدر: الملكية العامة والملكية الجماعية).

 

ماوتسي تونغ:

 

في صراعاته مع السوفييت في عهد خروتشوف، بدأ ماوتسي تونغ أيضًا بتعريف الدولة السوفييتية بوصفها رأسمالية الدولة.

ولكن لم يتأخر الوقت قبل تعريف دولة الصين نفسها أيضًا برأسمالية الدولة بعد وفاة ماوتسي تونغ، وانتقد أنور خواجا الصين بوصفها قد اتبعت سياسات الاقتصادية لرأسمالية الدولة.

 

في الغرب:

 

أما في الغرب فيستخدم مفهوم رأسمالية الدولة باعتبارها شراكة بين الدولة والشركات الكبرى، والتعريف البديل هو أن رأسمالية الدولة تعني العلاقة بين الرأسمالية الحكومية والرأسمالية الخاصة للإنتاج للأسواق المضمونة.

 

وفي الدراسات الأوروبية يظهر المفهوم بصفته التعبير عن السوق وإدارتها، والحديث هنا يتعلق بالتنسيق العالي بين الدولة والشركات الكبيرة والنقابات العمالية لضمان النمو الاقتصادي الناتج من الخطط الاقتصادية.

 

التخطيط الاقتصادي:

 

إن تنظيم النشاط الاقتصادي من قبل الدولة هو في الواقع محاولة لتحقيق نتائج محددة اقتصادية أو سياسية. والتخطيط هو آلية فعالة لتخصيص الموارد البشرية والمالية والتكنيكية، واتخاذ القرارات بصدد سوق العمل. فالوزارات والهيئات المختصة مسؤولة عن التخطيط من خلال التحقق عن السوق المحلية والعالمية، والإنتاج، والاستثمارات المحددة. فالولايات المتحدة الأمريكية مثلا هي أحدى الدول التي تعتمد على انشاء وكالات لتوجيه القطاعات الاقتصادية، وإدارة الوقود، والأغذية، وصناعات الحرب، وتمويل الأبحاث التنموية على الأخص.

 

المنشأ التاريخي لرأسمالية الدولة:

 

الدولة الرأسمالية صاحبة الثروات الاجتماعية، فالكل يعمل لأجلها، والكل يخضع لجبروتها، فهي نتيجة مباشرة لتطور رأس المال، ونشؤ مصلحة وطنية خاصة تعبر عن مصلحة البرجوازية، أي رأس المال الوطني، فمن خلال تراكم رأس المال، لا بد أن تنشأ قوة اجتماعية تعبر عن مصحلة الأمة من خلال توحيد المصالح المتفرقة والملكية المبعثرة في ملكية اجتماعية كبيرة تمثلها الدولة، فمنشأ رأسمالية الدولة هي إذًا: تمركز رأس المال، والأزمات الاقتصادية، والصراعات الاجتماعية الناتجة منها، والنزعات التزاحمية في السوق العاملية، فالدول الكبيرة أو الصغيرة، متطورة أو متخلفة، مضطرة في تكوين نفسها بوصفها وحدة وطنية تعبر عن الإرادة العامة للوطن في القانون والحق العام.

 

أما رأسمالية الدولة فنشأت بشكل متكامل في الدول المتخلفة، فالتخلف الاقتصادي هو الذي دفع هذه الدول لتجميع الوسائل الإنتاجية في يدها في شكل ملكية الدولة لتقوية موقعها التنافسية في السوق العالمية، فروسيا القرن العشرين مثلا -والصين أيضًا- لم يكن بمستطاعها النضج الاقتصادي بالمعنى الحديث للرأسمالية، ومجابهة الصراعات الاجتماعية الداخلية، ومقاومة المزاحمة في السوق العالمية دون تمركز الوسائل الإنتاجية في أيدي الدولة، وبناء أضخم جيش، والقوات المسلحة، والصناعات الحربية المتطورة على حساب فائض العمل، فكان من غير الممكن الاستمرار في الحكم دون تحويل كل المنتجين إلى مأجوري الدولة.

 

وهكذا، فيتوجه أكثرية الانتقادات لرأسمالية الدولة إلى دولة الاشتراكيين – الديمقراطيين المتمثلين بالبلشفية في روسيا. والسؤال الذي لا يزال يُطْرح بخصوص المجتمع السوفييتي هو: هل كانت العلاقات الإنتاجية في السوفييت علاقات رأسمالية أم لا؟

لا ينكر لينين وهو مؤسس رأسمالية الدولة الروسية أن الدولة السوفييتية كانت رأسمالية الدولة بالمعنى العصري للكلمة. والسؤال إذًا هو: هل من الممكن أن نحصل على علاقات إنتاجية اشتراكية في ظل رأسمالية الدولة؟

لا يمكن البحث عن جواب هذا السؤال، أو الوصول إلى نتائج إيجابية، دون الانطلاق من لينين نفسه وخلافاته الفكرية مع اليسار الشيوعي داخل الحزب البلشفيين نفسه حول رأسمالية الدولة الروسية التي خطوة إلى الأمام لدى لينين، ثم مقارنتها باتجاه التطور والتمركز الطبيعي لرأس المال في المستوى الأممي.

 

ويجب الإشارة في النهاية إلى أن الأرضية التي نشأت عليها رأسمالية الدولة بصورة متكاملة، تعود إلى عصر تاريخي معين من التطور العالمي لرأس المال، فليس من الضروري إطلاقًا نشوء نفس النموذج الروسي والصيني والهنغاري والكوبي والكوري لرأسمالية الدولة في كل عصر تاريخي، فرأسمالية الدولة هي في آخر الأمر ملكية خاصة للدولة لا ملكية جماعية.

ومع تركيز الوسائل الإنتاجية في أيدي الدولة، لا بُدَّ وأنْ یولد أرستقراطيون من المدراء والحزبيين، يتصرفون برأس المال الدولة -ثروات المجتمع- مثل النوع البرجوازي الذي يتمتع بالثروات والامتيازات ضمن شركة مساهمة، فالدولة المالكة للوسائل الإنتاجية تتخذ شكل رأس مال أفراد يشاركون في مشروعًا رأسماليًا ضخمًا، يتمتع كل فرد فيه بحصته من خلال الأسهم المحددة له، فهؤلاء البيروقراطيين يملكون العمل الزائد من خلال الدولة مثل ما يملكون الرأسماليين الماليين العمل الزائد من خلال شركاتهم المساهمة ودون التمليك الخاص للوسائل الإنتاجية.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في نظريات وحركات يسارية وثورية وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s