من هو الشيوعي اليوم؟

من هو الشيوعي اليوم؟

سلامة كيلة

 

خاص الأفق الاشتراكي- الشيوعية مشروع مجتمعي ينطلق من تغيير ما هو قائم. والشيوعي هو من يعمل على التغيير وليس من يتكيف مع ما هو قائم، أو يعتقد بأنه يمكن تجاوز ما هو قائم عبر خطوات تدرجية تطورية بطيئة. إنه هنا لا يكون قد استوعب قانون التناقض الذي هو أساس في الجدل المادي، حيث يكون النفي ضرورة من أجل الصيرورة، او من أجل الانتقال إلى الأمام. فالماركسية ليست نظرية تطورية وإن كانت تهدف إلى تحقيق التطور،

ولهذا فهي ليست إصلاحية بل ثورية، جذرية، تؤسس لتغيير ما هو قائم وليس إلى إصلاحه على أمل تحقيق خطوات تدرجية تقود في المآل الأخير إلى الاشتراكية. فهذا الأمل يتنافى مع الصيرورة، مع تناقضات الواقع، ولهذا يتنافى مع الماركسية ذاتها، التي تنطلق من مفهوم الصيرورة القائمة على مبدأ التناقض، وفي تطوير التناقض عبر التراكم الكمي من أجل تحقيق التغير النوعي الذي يفرض تحقيق النفي، لكي تكتمل الصيرورة وتتقدم إلى أمام.

الواقع يفرض التناقضات، ومهمة الشيوعي أن يعمل على تطوير الصراع استناداً إلى العمال والفلاحين الفقراء من أجل حسم التناقض الرئيسي. وليس من مهمته أن يموّه على التناقضات أو يتجاهل ضرورة أن يشحنها بدفقة وعي وتنظيم تفضي إلى تطور فعل الطبقة المضطهَدة، وانتصارها. إذن، لسنا من يخترع التناقضات بل أن ميل طبقة إلى الاستغلال والنهب، وبالتالي الاضطهاد والاحتلال، هو الذي يؤسس لوجودها. هذه بديهية في الماركسية لا يجب أن تخفى على ماركسي، وهي أولية في فهم الواقع، ومن ثم تحديد “الموقع الطبقي” للماركسي، وللدور الطبقي الذي يجب أن يلعبه. لهذا ليس ماركسياً من لا يسعى إلى تطوير الصراع الطبقي من أجل انتصار العمال والفلاحين الفقراء، وليس ماركسياً من لا يعمل على استلام السلطة أو طرد الاحتلال.

ورغم أن الحزب الماركسي لا يتجاهل الإصلاحات، فيناضل مع الطبقات المفقرة من أجل مطالبها وحقوقها، ومن أجل الديمقراطية، ومن أجل تحسينات هامشية حتى، فإنه يؤسس على أن مصالحة العمال والفلاحين الفقراء، ومصلحة التطور المجتمعي، لا تتحقق إلا بأن يفرض التغيير عبر تطوير صراعات الطبقات المفقرة، وأن يمكنها من أن تكون هي السلطة، وأن تفرض برنامجها. فالإصلاحات هنا هي مرحلة تدريبية لتطوير فعل هذه الطبقات وليست من أجل التوهم بإمكانية تحققها في ظل السيطرة الطبقية التي تفرضها الرأسمالية، أو توقع أن بعض الإصلاحات يمكن أن تهدئ من تناقض العمال والفلاحين الفقراء، وتجعلهم يقبلون ما هو قائم. المطالب الإصلاحية هي تكتيك من أجل كشف زيف الرأسمالية، وإقناع الطبقات المفقرة بأن ليس من خيار أمامها سوى حسم التناقض واستلام السلطة. أما أن يتحوّل إلى إستراتيجية فهو ما يعني أن “النخب” تجرّ هؤلاء إلى “مستنقع” الرأسمالية، وتكيف وضعهم بما يجعلهم يقبلون الاستغلال والاضطهاد،و… يتأوهون. إنه تنفيس للصراع الطبقي، وتأخير لنضج وعي العمال والفلاحين الفقراء، وتدعيم للطبقة الرأسمالية المسيطرة.

كيف يمكن أن يكون شيوعياً من يعتقد بأن “دوره لم يحن بعد”، وأن التاريخ قد وضعه خلف الرأسمالية، وعليه أن يلتزم منطق التاريخ؟ كيف يمكن أن يكون شيوعياً، بالتالي، وهو يلهث من أجل التحالف مع الرأسمالية، أو يقبل بفتاتها، أو يظن بأنه يقدّم بطولة وهو بالكاد يطالب بالديمقراطية أو تحسين الأجور، أو دعوة البرجوازية لتلطيف استلالها؟ كيف يمكن أن يكون شيوعياً وهو يرتعب من التفكير في تحقيق التغيير وباستلام السلطة؟ أي شيوعية هي تلك “الرعديدة” إلى هذا الحد؟ وأي وهم هو ذاك الذي يجعل الشيوعي يرى بأن عليه الانتظار إلى أن يحين دوره؟ هل من قدرية أكثر من ذلك؟ وهل من جبرية أفظع من ذلك؟ بالتالي لماذا قال ماركس بأن الفلاسفة جهدوا من أجل تفسير العالم بينما المهمة تكمن في تغييره؟ لماذا مسكت الماركسية عنق الصيرورة التي تنطلق من التغير القائم على النفي ونفي النفي، وليس على التراكم الكمي وحده، من أجل حسم التناقض الرئيسي؟

الواقع هو من يحتوي التناقضات لأنها من صلبه، واكتشاف ماركس كان هنا، ومن هنا كانت ماديته. ولهذا قال بضرورة الانتقال من التفسير إلى التغيير انطلاقاً من قوانين الصيرورة الواقعية وليس من خلال أوهام المثقف، أو نزعات البرجوازي الصغير. والواقع لا يقبل الانتظار، ولا يخضع لنزق برجوازي صغير، أو لمطامحه الضيقة، لهذا حين ينفجر الصراع تنفرض الضرورة لتحقيق التغيير، دون إذن منه، أو دون انتظار لحين تجاوزه غفوته. ومنذ أن تبلورت الماركسية كمنهجية ومنطق تفكير كانت أداة من أجل فهم الواقع وتحديد آليات تغييره. هذا ما حدث زمن ماركس، رغم أنه وإنجلز توصلا إلى أن الوضع لم يكن قد تبلور بما يحقق التغيير. وهو ما التقطه لينين حينما قال الآن، ليس أمس ولا الغد، لكن الذي كان يعمل من أجل التغيير منذ أن أصبح الفاعل في الحزب، بعكس بليخانوف أبو الماركسية الروسية وكل زعماء الحزب الكبار، الذين كانوا يتوهمون بأن دورهم لم يحن بعد، وأن الرأسمالية هي التي يجب أن تستلم السلطة من أجل تحقيق برنامجها وتطوير الصناعة لكي تصبح الطبقة العاملة أغلبية تصل حينها إلى السلطة عبر الانتخاب. لكن تفجر التناقض فرض انتصار اللينينية وليس المنشفية ومنطق الأممية الثانية، هذا المنطق الذي تسرّب إلينا من خلال الماركسية السوفيتية.

إذن، من يصبح ماركسياً عليه أن يعي بأنه قد أصبح ضرورةً في موقع العمال والفلاحين الفقراء، وأصبحت مهمته تطوير صراعها من أجل الانتصار، وليس أي شيء آخر. وكل هروب من ذلك هو ابتلاء على الماركسية، ومسخ لها. فالماركسية ليست نظرية إصلاحات بل نظرية ثورة، وليست نظرية “نضال سلمي” بل نظرية مقاومة، وليست نظرية تطور أو انتظار بل نظرية تغيير، وإن كانت تمارس خلال سعيها إلى الانتصار كل أشكال النضال.

الشيوعي من يكون التغيير أصيلاً في وعيه، وأن يكون تحقيق أهداف العمال والفلاحين الفقراء هو الأساس الذي يبني رؤيته عليه. وأن يخوض النضال الطبقي من أجل حسم الصراع ضد الرأسمال والإمبريالية، ومن أجل التطور والحداثة والاشتراكية.

إنه الذي يمتلك الوعي الذي يسمح بفهم الصيرورة الواقعية، وفهم الآليات التي تفضي إلى التغيير. وهو المناضل العمالي، او المناضل في صفوف العمال والفلاحين الفقراء. المدافع عن التحرر والتطور والحداثة. وعن مصالح المفقرين من أجل بديل يحقق إنسانيتهم. وعن التحرر الإنساني الذي يفرض التحرر النسائي، لكي يكن في مساواة كاملة، وعلاقات متكاملة، ووحدة مستمرة.

الشيوعي من ينطلق من مقولة ماركس الهادفة إلى تفسير العالم وتغييره.

الآن، من هو الشيوعي في الوضع العالمي الراهن؟

أي شيوعي هو ذاك الذي لا يستطيع أن يرى بأن الرأسمالية قد تعفنت، وأنها نتيجة ذلك، باتت تمارس كل أشكال الفاشية، عبر تعميم الحروب الإجرامية، التي تهدف ليس إلى السيطرة فقط، والنهب فحسب، بل والى تدمير الشعوب أساساً؟ وبالتالي لا يستطيع أن يقتنع بأن دوره يتمثل في تجاوزها؟

لقد باتت الرأسمالية هي الطغم المالية، نشاطها الأساس هو المضاربة وأسواق الأسهم والمشتقات المالية والتوظيف في الديون، من أجل تحقيق الربح الأعلى في معادلة نقد/ نقد، دون إنتاج فائض القيمة من خلال قوى الإنتاج، اليس ذلك تعفن؟ لقد أصبح المال هو الذي يهيمن على الرأسمال، وبات الربح هو ليس نتيجة أخذ فائض القيمة التي يحققها العامل، بل نتيجة كل أشكال التوظيف المالي التي أشرنا إليها للتو، وهو ربح أعلى ويتضخم بشكل تصاعدي مريع. لكنه في هذه العملية يزيد الضغط على الاقتصاد الحقيقي، ويقود إلى انكماش ضروري، وبالتالي إلى كساد جديد. أليس ذلك هو تعفن؟

ونتيجة ذلك باتت الرأسمالية قوة تدمير. للعلم، حيث تضع في الأدراج جزءاً كبيراً من المكتشفات العلمية، ولا تستخدم سوى ما يخدم مراكمة أرباحها فقط. وهي هنا باتت تكبح كل تطور علمي، وبالتالي مجتمعي في هذا المستوى، باتت معيقاً إذن للتطور المجتمعي. وهي قوة تدمير مباشر من خلال الحروب التي باتت تخوضها كل يوم، والتي تمارس فيها أبشع أشكال القتل وتستخدم أخطر الأسلحة، وتؤسس “الشركات الأمنية” التي مهمتها القتل دون أن يطالها القانون، وتمعن في تشكيل “فرق الموت”، وتدفع المجتمعات إلى التفكك والتدمير الذاتي من خلال الحروب الطائفية والدينية والإثنية والقبلية، وكل أشكال الحروب الممكنة.

وهي تمركز الرأسمال والمال في أيدي حفنة قليلة من البشر، وتدفع بباقي البشرية إلى البطالة والجوع والتشرد والهامشية، والى المجاعات. وتسطو حتى على الحقوق التي تحصلت عليها الطبقات العاملة في البلدان الرأسمالية ذاتها. وبالتالي فهي توجد عالماً من الهمجية والبؤس والدمار، حيث تعمم الفوضى والنهب والاستغلال المريع.

هل من شيوعي يمكنه أن يظل يحمل “الصورة الوردية” لرأسمالية في عنفوان صعودها؟ حتى آنئذ كانت تمارس القتل والنهب والاضطهاد والاستغلال، فكيف بها الآن؟ هل من شيوعي، بالتالي، يمكنه أن يظل يراهن على “تطور الرأسمالية”؟ إن هذا الوهم هو الذي جعل الكثير من الشيوعيين يتجاهلون بشاعة الرأسمال، ويتكيفون مع ممارساته الفظيعة، أو يغضون النظر عنها تحت وهم “الضرورة التاريخية” لانتصار الرأسمالية. وهو الوهم الذي أفضى إلى كل هذا الانهيار الليبرالي الذي طاول الكثير ممن كان يعتقد بأنه شيوعي، والذي جعل حتى اللذين لازالوا يحملون “راية الشيوعية” لا يطرحون أكثر من تعديل وضع أو تحسين ظرف أو تحقيق مطلب بسيط، وبالتالي البقاء في ظل الرأسمالية بكل بشاعتها.

لقد فشل ماركس في تحقيق التغيير لأن الرأسمالية كانت لا تزال صاعدة، تتطور وتتوسع، وتقدم ما يشعر العمال بأنها تخدمهم. ولقد نجح لينين لأنه مسك في التناقض الرئيسي، وتوصل بأن التغيير يتحقق في “الحلقة الضعيفة في السلسلة الرأسمالية”، أي في الأطراف، ولقد باتت روسيا دولة صناعية حديثة رغم انهيار النظم الاشتراكية. ولقد نجح ماو تسي تونغ، والفيتنام وكوبا لأن شيوعيوها عملوا على تجاوز الرأسمالية، والأهم على تجاوز البنية ما قبل صناعية التي كانت تفرضها الإمبريالية على هذه الأمم وعلى كل الأطراف. ولقد فشل شيوعيونا لأنهم ساروا خلف الأممية الثانية والمناشفة في خط ينطلق من حتمية تجاوز الإقطاع نحو الرأسمالية في عالم بات يخضع لهيمنة الرأسمالية، ويتكيف مع آلياتها، وبالتالي يتشكل في ظل سيطرة علاقات “رأسمالية” يفرضها المركز. لهذا لم يكونوا شيوعيين سوى بالاسم، ولقد نجحوا في تأخير انتصار العمال والفلاحين الفقراء نصف قرن من الزمان. وباتوا “خيال مآتى” يوهم بأنه يمكن للشيوعي أن ينتظم معهم من أجل التغيير، لكن يكون المآل هو الترويض على عدم التغيير، أو الطرد، أو الهرب.

الرأسمالية تعيش أزمة عميقة، هي ليست أزمة ديون وبنوك فقط، هي أزمة نمط وصل إلى قمة تطوره، وبالتالي إلى قمة تعفنه. وهو لن ينهار هكذا بلا فعل، ولن تأتي الاشتراكية هكذا دون نضال. وربما يبقى عقوداً وهو يمارس القتل والتدمير والخراب. لهذا فإن الشيوعي هو من يتقدم من أجل تطوير صراع العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين من أجل هزم الرأسمالية. لكي تتفتح كل ممكنات الأمم، ويوضع العلم في خدمة البشر بدل خدمة الرأسمال، وتنهض المجتمعات المخلّفة من بؤسها وتفككها، ولكي تشطب تريليونات القلة الضئيلة التي تملكها وتتعمم الصناعة في كل الأمم، ليصبح الإنتاج ليس فيضاً يؤدي إلى الكساد والأزمات المستمرة، والى تراكم مالي هائل يصبح عبئاً على المجتمع والاقتصاد والبشر، بل ليكون في متناول كل البشر عبر عملية تشريك عالمية تقود إلى التحكم في ساعات العمل وفي الاستيعاب الكامل للعمالة، ولإنتاج ما يلبي حاجات كل البشر. ولاشك في أن التطور العلمي وتعميم الصناعة سوف يسمحان بتحقيق كل ذلك ما داما قد أصبحا ملكاً عاماً.

أزمة الرأسمالية توضح الحاجة الماسة إلى تجاوز الرأسمالية ذاتها وتحقيق الاشتراكية، فليس من حل الآن لأزماتها سوى في تحقيق هذا التجاوز، وأساساً التخلي عن مبدأ الربح الأعلى. وبالتالي هل يمكن أن يكون شيوعياً من لا يعمل من أجل ذلك، والآن؟ وعبر الثورة؟

الثورة التي ليست اختياراً ذاتياً بل يفرضها الظرف الموضوعي، يفرضها الإفقار والنهب والاضطهاد والاستغلال، يفرضها القتل والتدمير الرأسمالي، وتفرضها الحروب الإمبريالية التي باتت تعم العالم، أطراف العالم من أميركا اللاتينية إلى المغرب العربي، مروراً بآسيا وأفريقيا. الثورة التي هي آليات تطوير الصراع الطبقي من أشكاله البسيطة، الاحتجاج والتظاهر والاضراب، إلى التمرد العام والانتفاضة، والى الثورة. فالرأسمال لا يتنازل، أو يتراجع، تحت ضغط فقط، أو عبر مطالبة وأشكال احتجاج أولية، ولا يقبل التخلي عن السيطرة والاحتلال دون مقاومة. لهذا يجب اسقاط الرأسمال بالثورة، ومن خلال استخدام كل أشكال الاعتراض والاحتجاج، وكل أشكال النضال.

لقد بتنا في لحظة ثورية، حيث تعمقت أزمة الرأسمال، وباتت النظم في الأطراف هشة رغم كل الجبروت التي تظهره. لقد ضعفت اليد الإمبريالية رغم كل القوة التي تظهرها والحروب التي تخوضها. وبات الكومبرادور الطرفي “حلقة ضعيفة”، وبنية مأزومة، وبالتالي نظماً عاجزة عن الحكم في وضع باتت الشعوب عاجزة عن تحمل الوضع القائم.

لهذا فإن الشيوعي هو الذي يتقدم، يتقدم من أجل التغيير. أن يتقدم لكي يطوّر نضال العمال والفلاحين الفقراء الذين ياتوا في وضع يعجزون عن الاستمرار فيه، ويدفعهم إلى التمرد والثورة. إن الحس السليم لدى هؤلاء يفرض عليهم خوض الصراع ضد الرأسمال، ويدفعهم إلى خوض كل أشكال الاعتراض والاحتجاج والإضراب والتظاهر والاعتصام، وسيدفعهم إلى الانتفاض. والشيوعي هو الذي يجعل كل هذا الصراع ممكن الانتصار، من خلال تحديد الهدف، وبلورة الرؤية والبرنامج، ولكن أيضاً واساساً من خلال تنظيم نضال هؤلاء وتطويره، ودفعه إلى حالة الثورة.

كما أن الشيوعي هو الذي يقاوم الاحتلال، ويواجه الحروب التي تخوضها البلدان الإمبريالية، الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية واليابان، هذا الثلاثي الإمبريالي الذي يجهد من أجل تضمان استمرار سيطرته العالمية، وتعزيز نهبه، وحصوله الرخيص على المواد الأولية. والحلف الأطلسي بصفته “شرطي العالم”: الذي ينفذ سياساتها في حرب طويلة ومستمرة واستباقية. ولقد باتت تتوزع على كل اسقاع الأرض، وتتمركز في شمال أفريقيا، كما في اليمن، بعد الخليج والعراق ومصر. وتتوسع في بحر العرب، وأفغانستان وآسيا الوسطى، والبلقان. إذن، كيف لا يكون من يعمل من أجل السلم، ويناضل من أجل التحرر، ويرفض الاضطهاد والنهب والقتل، في طليعة المقاومة من أجل التحرر والاستقلال، واختيار طريق التطور؟ كيف يمكن أن يظن بأن كل هذه الأساليب الإمبريالية هي من أجل التحرر ومناهضة الاستبداد والحداثة؟ وبالتالي كيف يتجاهل أن هذا هو الخطر الرئيسي، وهذه هي القوى المدمرة، وأن عليه القتال من أجل التحرر والتطور؟

الشيوعي هو المقاتل من أجل التحرر والتطور والحداثة، هو الذي يعمل من أجل أن ينتصر بديل يخدم الشعوب والطبقات الشعبية. ويخدم تحقيق التكافؤ والمساواة، ويعمم العلم والرفاه، وبالتالي يسقط الرأسمال، ويزيل النظم التي يقيمها، ويحرر الشعوب.

ومن هو الشيوعي في الوضع العربي؟

والآن، هل يمكن لشيوعي أن يقبل التنازل عن وطن؟ وأن يقبل الاحتلال؟ ويتجاهل الشعور “القومي” الذي يسكن الوعي الشعبي؟ والذي هو عنصر فعل في صيرورة الواقع من أجل التطور والحداثة وانتصار الاشتراكية؟ ويبقى يطالب ويناشد، ويرتضي أن يكون “مستشاراً”، أو ينطلق في تفكيره من أنه “مستشار” لطبقة مسيطرة هي التابعة للرأسمال الإمبريالي؟ ويعمل على تسكين الصراع الطبقي، وتحويله إلى “نضال مطلبي” على الأكثر، رغم أن هذا الطموح بات بعيداً عن قطاع كبير من الشيوعيين السابقين أو الذين لازالوا يعتقدون أنهم كذلك؟ يركز على شكل السلطة ويرفض البحث في جوهرها، وبالتالي طرح الصراع ضد الطبقة الحاكمة؟

الشيوعي في الوطن العربي يجب أن يحمل مشروع التطور والحداثة، وبالتالي مشروع الاستقلال والوحدة وإقرار حق الأقليات القومية. إنه المعني أولاً وأساساً بالتطور والحداثة والوحدة والتحرر، لقد تخلت البرجوازية منذ زمن بعيد عن “حلمها” بتحقيق هذه الأهداف التي حققتها “مثيلتها” في أوروبا، بالضبط لأن “مثيلتها” فرض على العالم نمطاً واحداً تحت هيمنتها، وحصرت الصناعة في يدها، وحاربت انتشار العلم والفكر الحديث، مكرسة الأصولية والوعي القروسطي. ولهذا لم تعد المسألة هي مسألة اختيار بين اختيارات بل بات دوره هو الخيار الوحيد لتحقيق التطور والحداثة والوحدة، أو تعميم واستمرار تعميم البربرية.

اقد حاول الشيوعيون الأوائل ذلك، لكن انتكاسة أصابتهم، وتكيّف أسلافهم مع “التعايش السلمي”، والخضوع للتوازن العالمي، والتكتيك الذي يحدده قادة التحرر والاشتراكية، “بلد الاشتراكية الأول”، الذي خضع لموازين القوى ولحسابات الدولة الفتية، ثم العملاقة. ولقد حاول آخرون استنهاض السياسة الأولى أواسط ستينات القرن العشرين دون جدوى، حيث كان الوضع قد اختلف كثيراً، وقوى أخرى تصدرت المشهد. لهذا يجب أن يكون الشيوعي هو الحامل لمشروع التطور والحداثة والوحدة، لأنه الطريق الضروري للانتقال إلى الاشتراكية، حيث ليس من اشتراكية ممكنة في تكوين مجتمعي سابق للصناعة والحداثة. فالشيوعي هو من سيحقق مشروع النهضة بمجمله، إنه وريث البرجوازية في كل إرثها الثوري، وهو حامل المشروع الذي أنجزته لكن في سياق طبقي مختلف، لأنه يخدم العمال والفلاحين الفقراء بقدر ما يخدم الأمة بمجملها، لأنه المحقق لتطورها وتوحدها وحداثتها.

وهو بالتالي معني في كل قضايا الأمة من منظوره الطبقي، ووفق مصالح الطبقة التي يناضل في صفوفها. ولهذا يجب أن يقاتل من أجل تحررها وتطورها وتوحدها. يجب أن يطوّر الصراع الطبقي ضد النظم الكومبرادورية التابعة، والملحقة بالمشروع الإمبريالي، من أجل سلطة العمال والفلاحين الفقراء، كما من أجل تحقيق التحرر والوحدة والتطور الاقتصادي والحداثة المجتمعية. إنه يسقط النظم من أجل مشروع أوسع، حيث لا تطور في بلد دون تحقق المشروع “القومي” في الوطن العربي، فهذه هي الأرضية التي تسمح بتحقيق التطور الصناعي، والدفاع عن الوطن، وتحرر كل أجزائه. وهي الأرضية التي تجعله جزءاً من عالم ينزع نحو الاشتراكية.

ليست “القومية” هنا، لا برجوازية ولا مثالية، بل هي التعبير عن الميل الطبيعي لتشكل الدولة/ الأمة كنتاج لتطور تاريخي طويل بلور مجموعة بشرية تترابط باللغة والثقافة، وتمتلك الشعور الجامع الذي هو إرث التاريخ التقدمي. وحيث ليس من تطور في هذا العصر الإمبريالي إلا في إطار الدولة/ الأمة. والشيوعي هو الذي يؤسس أمميته على هذا الأساس، فهي اتحاد الأمم وتحالفها من أجل التحرر والتطور والتكافؤ وتحقيق الاشتراكية. و”القومية” بالنسبة للشيوعي لا تعني تجاهل أو هضم حقوق الأقليات القومية، بل تعني إضفاء الطابع العام على دولة، وتحقيق حقوق الأمة دون انتقاص من حقوق الأقليات الأخرى. لكن أيضاً ليس من الممكن الانتقاص من حق الأمة ذاتها.

الشيوعي هنا يجب أن يحمل مهمات التحرر والوحدة والتطور لمجمل الأمة، أن ينطلق من أنه يمثّل الأمة، ويسعى الى بناء وطن محرر، وشعب ينعم بالرفاه والحرية. إنه المحرر والموحد ومحقق التطور في أفق الانتقال الى الاشتراكية. وهو هنا يوحد العمال والفلاحين الفقراء من القومية الأكبر ومن الأقليات القومية لأنه ينطلق من الأساس الطبقي، لكنه لا يتجاهل أن المسألة القومية بحاجة إلى حل، وأنه معني بحلها. لهذا فهو مع الوحدة القومية، وهو كذلك من حقوق الأقليات التي تقيم معاً في وطن واحدة. وهو مدافع عن حقوق الأقليات كما هو مدافع عن الحق في الوحدة.

لهذا فإن الشيوعي في فلسطين هو المقاتل من أجل تحريرها، والذي يقدّم خياراً يسمح بتفكيك الكيان الصهيوني، من أجل دولة ديمقراطية علمانية، هي الطابع العام الذي يجب أن ينتصر في كل البلدان العربية. لا أن يقبل بقرار التقسيم أو بالدولة الصهيونية على حدود سنة 1948، أو على أي حدود. أو أن يصبح داعية “سلام” مع المحتل. أو يتخلى عن 80% من الأرض الوطنية. أو لا يقود الصراع المسلح والشعبي ضد الاحتلال من أجل الاستقلال والتحرر.

وليس شيوعياً من لا يلمس العلاقة العضوية بين هذا الكيان والإمبريالية، وكون الكيان هذا كان نتاج سياسة إمبريالية تهدف إلى السيطرة على الوطن العربي، لهذا عمدت إلى تعزيز الانقسامات السابقة وتقسيم ما بقي موحداً، ومن ثم وضع الكيان في مركزه من أجل أن يكون مرتكزاً عسكرياً بالأساس يلف حوله كقاعدة عسكرية “مجتمعاً” يموه وجوده، ويوجد “المبررات” لهذا الوجود، عبر استعادة أساطير قروسطية، وبالاعتماد على دين محدَّد. وبالتالي لن يكون ممكناً رؤية هذا الكيان دون رؤية ارتباطه العميق بالمشروع الإمبريالي. وهل يمكن لشيوعي ألا يقاتل الإمبريالية والمشروع الإمبريالي؟

الشيوعي هنا لا يتوه في تلمس ما هو موجود واقعياً دون أن يعرف ترابطه وارتباطه، والمصالح التي يمثلها. ولا يشك للحظة أن هذا الكيان هو حل لـ “المسألة اليهودية” التي قال ماركس أن حلها يقوم على أن يندمج اليهود المضطهدين في أوروبا في مجتمعاتهم، لا أن يتحولوا إلى جيش مرتزق في خدمة الرأسمال. وأن ينطلق من أن اليهودية دين وليست قومية، وأن اليهود هم مجموعات بشرية من أمم متعددة، ومنهم عرب. لهذا فإن صراعه هنا هو صراع ضد الإمبريالية، وضد كل تمظهراتها، والأشكال “الوهمية” التي توجدها. وحين يطرح حل لا يتقدم للتنازل عن الحق الأصلي ببساطة، وسذاجة، مما يجعله يصبّ في خدمة الرأسمال الإمبريالي. لكن أيضاً دون أن يتجاهل مشكلة تشكلت على أرض فلسطين، تتمثل في استيطان ملايين خمسة من الأوروبيين، والأفارقة والعرب، الذين يدينون كلهم بالديانة اليهودية، وانطلاقاً من هذا الانتماء الديني. فهو ربما الوحيد الذي تعلو انسانيته على كل اعتبار، لكنها لا تعني التخلي عن الوطن، بل تعني أن يقدّم حلاً لهؤلاء ينطلق من التخلي عن المشروع الصهيوني، وعن خدمة الإمبريالية والرأسمال، من أجل عيش متساوٍ في وطن عربي موحد، وتحت سلطة العمال والفلاحين الفقراء، واشتراكي.

إذن، الشيوعي هو الذي يجب أن يقود الصراع من أجل التحرير وتفكيك الكيان الصهيوني. وأن يعيد طرح المسألة الفلسطينية انطلاقاً من طابعها الحقيقي، وترابطاً مع تداخلها العربي، ما دام المشروع الصهيوني هو جزء من المشروع الإمبريالي الأساس. وكون فلسطين جزء من الوطن العربي، واحتلالها هو من أجل السيطرة على هذا الوطن، ةتكريس تخلفه، لضمان استمرار نهبه. بالتاليعليه أن يطوّر الصراع العربي ضد هذا الكيان في إطار الصراع مع السيطرة الإمبريالية بمجملها.

والشيوعي في العراق المحتل يجب أن يكون ضد الاحتلال. ليس فقط بل أن يخوض الصراع ضد الاحتلال. أن يقاتل الاحتلال. من أجل تحرر العراق. الشيوعي في العراق يجب أن يتبع سياسة الرفيق فهد الذي وضع طرد الاحتلال الإنجليزي كهدف أول، وناضل لاسقاط السلطة العميلة، النظام الملكي. وسنلحظ بأن الاحتلال الأميركي اليوم أعاد إنتاج الصيغة ذاتها التي كانت زمن الاحتلال الإنجليزي، حيث يحكم عبر سلطة عميلة ومافياوية، من خلال وجود قواته في قواعد متعددة. ولهذا فإن الشيوعي هو من يقايل الاحتلال، ومن يعمل على الاطاحة بالسلطة العميلة التي تتشكل من مافيات تسهم في نهب العراق، وتغطي على النهب الإمبريالي لثرواته.

لهذا فالشيوعي يجب أن يعمل على طرد الاحتلال واسقاط السلطة التي انتجتها “العملية السياسية” كواجهة لاستمرار الاحتلال تحت مسميات متعددة. وبالتالي ليس شيوعياً من لا يقاتل الاحتلال، ولا يمكنه أن يخدم وطنه أو يطوّر شعبه من لا يكون في قيادة المقاومة. وهو حين إذ يستطيع أن يكشف كل المتطفلين على المقاومة، أو الذين يستخدمون اسمها من أجل القتل والتدمير خدمة للاحتلال. ويستطيع أن يفرض تجاوز طابعها “الديني” والطائفي دون مقاومة وطنية حقيقية، تترابط مع كل أشكال النشاط الشعبي ضد الاحتلال ونظامه العميل من أجل اسقاطه.

الشيوعي هو المقاتل من أجل التحرر، ومن أجل الاستقلال، ومن أجل تجاوز كل اشكال الوعي القروسطي الذي يفكك المجتمعات انطلاقاً من التمييز الديني أو الطائفي أو الإثني. لهذا فالشيوعي يقاتل ضد الأيديولوجية الماضوية التي تفكك ولا تحرر، ولكنه لا يخلط بين الشكل الأيديولوجي للصراع والشكل الثوري ضد الاحتلال، أو الطبقي ضد السلطة العميلة. فالتناقض الرئيسي هو مع الاحتلال وسلطته، وكل تناقض آخر يجب أن يحل عبر الصراع من أجل كسب الطبقات الشعبية وتطوير وعيها لكي لا تخضع لابتزاز القوى الأصولية. دون أن يعني ذلك تجاهل كل الصراعات الثانوية، أو اهمال إيلائها الأهمية الضرورية. فالصراع الأيديولوجي مهم من أجل دحض الأفكار الماضوية والاستسلامية، الطائفية والرجعية، كما من أجل تطوير الوعي المجتمعي، وتأسيسه على أساسه الصحيح: الطبقي و”القومي”، ومن أجل نشر الحداثة.

إذن، مقاومة الاحتلالات، وتطوير الصراع ضد الرأسماليات التابعة الحاكمة، بتصعيد الصراع الطبقي، وتطوير الصراع الأيديولوجي ضد كل الميول الأصولية، وضد الطائفية، هي ما يجب أن يقوم به كل شيوعي. الصراع من أجل دحر الدكتاتوريات وكسب الديمقراطية، تكريس حق المواطنة وتحقيق العلمنة هي من مهمة الشيوعي. فهذه النظم الدكتاتورية هي الشكل الذي تفرض الرأسماليات التابعة مصالحها ومصالح الرأسمال الإمبريالي من خلاله. إن اسقاط هذه الرأسماليات هو المدخل لبناء نظم علمانية ديمقراطية، كما تمثّل مصالح العمال والفلاحين الفقراء وكل الطبقات الشعبية، لكن أساساً بقيادة العمال والفلاحين الفقراء. الشيوعي هو المناضل،إذن، من أجل العلمنة والدمقرطة، حيث يحقق العمال والفلاحون الفقراء سلطة الأغلبية، سلطة الشعب، وليس سلطة أقلية أياً تكن.

الشيوعي اليوم هو ذاك الذي ينزرع بين العمال والفلاحين الفقراء، لكي يمدهم بوعيه ويستمد منهم نضاليتهم. يدافع عن مصالحهم ويقاتل من أجل مطالبهم، لكن الذي يقودهم نحو التغيير. فمطالبهم لا تتحقق إلا بأن يصبحوا هم السلطة. والذي ينهضهم من أجل تحرر بلادهم واستقلالها، لأن تلك هي الخطوة المهمة من أجل تحقيق التطور والحداثة والانتقال الى الاشتراكية. الشيوعي هو المقاتل الطبقي، والمنظم الثوري، و”العقل” الموجه، لكن الذي يخوض نضال الطبقات من أجل أن ينتظم العمال والفلاحون الفقراء في نضال طبقي يفضي الى التغيير، الى استلامهم السلطة. والذي يحسب كيف سيواجه السيطرة الإمبريالية بجيوشها الممتدة من المشرق الى المغرب، ومنها طبعاً الجيش الصهيوني؟ كيف يواجه قوة السيطرة الأميركية والأطلسية؟ كل ذلك من أجل التحرر والاستقلال، لفتح أفق التطور الصناعي والمجتمعي على طريق الاشتراكية.

ليست الشيوعية اسماً بل هي نضال. وليست موضة بل أنها مقاومة وصراع من أجل التغيير. وليست إرث ماضٍ بل أفق مستقبل. والمستقبل هو النضال والصراع من أجل التغيير الثوري، وليس الركون إلى “النضال السلمي” والرهان على النشاط البرلماني، والى انتظار إصلاح النظم، النظم الكومبرادورية هذه، أو انتظار تطور “موضوعي” يأتي عفو الخاطر الديمقراطية والحداثة. وإن كان لا يتجاهل ذلك في ظرف محدَّد، هو على كل حال ليس هذا الظرف الذي يلفنا اليوم، حيث ينهض العمال والفلاحون الفقراء وكل الطبقات الشعبية دفاعاً عن حياتها بعد أن وصلت حدّ الإملاق.

الشيوعي هو من يعمل على تطوير الصراع الطبقي اليوم، على تنظيم العمال والفلاحين الفقراء وتصعيد نضالاتهم. وعلى تحديد السياسات التي تفضي إلى تصاعد النضال الطبقي، على انتقاله من المطالب، والاحتجاجات السلبية، إلى صراع من أجل استلام السلطة، وتحقيق برنامج هؤلاء. فلن يجري التحرر والاستقلال الحقيقي، ولن تنهزم الإمبريالية في العراق وفلسطين وكل الوطن العربي، دون التغيير، تغيير النظم الكومبرادورية التابعة، النظم المافياوية التي باتت تتبع الطغم المالية الإمبريالية التي لا تفعل سوى المضاربة والنهب بشكله الأولي، عن طريق الحروب والسيطرة والفوضى.

الشيوعي إذن، هو فعل تغيير. لأنه فعل صراع ومقاومة. من أجل الاشتراكية.

من هو الشيوعي اليوم؟- سلامة كيلة

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s