في تونس… أشباح الثورة تعود من جديد

في تونس… أشباح الثورة تعود من جديد

 

 

أيوب أيوب

 

 

 

في صيف 2008 أرسل إرهاب الدولة مرتزقته إلى منطقة الحوض المنجمي الثائرة. فقاموا بكل الجرائم من قتل وتشريد واعتقال وتكسير المحلات ليعلنوا انتصار الرجعية على الحوض المنجمي. وعاد الأثرياء والحكام إلى قصورهم معتقدين أن سحابة صيف قد مرت في سماء سلمهم الاجتماعي وأنهم بكتمهم لصوت الحوض المنجمي قد كتموا صوت الفقراء نهائيا والى الأبد.

في نهاية سنة 2010 عادت أشباح الحوض المنجمي للظهور تبث الهلع والرعب في صفوف القتلة والمستكرشين. لكن مسرح الأحداث لم يعد الحوض المنجمي فقط بل إن الانتفاضة المجيدة قد أعلنت بنفسها أن مسرحها الطبيعي هو البلاد كلها. فبعد انطلاق الشرارة الأولى في سيدي بوزيد نشهد اليوم انتقال الحركة الاحتجاجية إلى عديد المناطق الأخرى خاصة في الشمال الغربي من البلاد حيث شهدت بلدة تالة خاصة مصادمات عنيفة قام خلالها المحتجون بإحراق العديد من رموز النظام (مقرات الحزب الحاكم، مقرات الشرطة والمعتمدية والنصب التذكارية..الخ) ولقد اضطرت قوات القمع إلى الانسحاب إلى خارج البلدة لتحل محلها قوات الجيش. كما شهدت مدينة مكثر إحراق بعض مقرات السيادة والقباضة المالية وفرع أحد البنوك. وعرفت مدينة القصرين مصادمات عنيفة سقط على إثرها العديد من القتلى والجرحى. وفي نفس الوقت عرفت معظم المعاهد والجامعات في مختلف المناطق سلسلة من التحركات المتنوعة من الإضرابات إلى المسيرات والمصادمات مع البوليس. وما فتئت هذه الحركة تجد المزيد من التضامن سواء عبر الجهات أو ضمن قطاعات شعبية جديدة حيث تسربت عدوى الاحتجاجات إلى قطاع المحاماة والأساتذة والمعلمين.

في صيف 2008 صاحت الرجعية: يحيا النظام

في شتاء 2010 صاحت الجماهير: يحيا الحوض المنجمي

لكن وان كانت الانتفاضة الحالية لا تمثل سوى صدى وتتمة لانتفاضة الحوض المنجمي، فإنها في الواقع قد تجاوزتها بكثير. فإذا كانت انتفاضة 2008 قد تميزت بخجلها في طرح مطالبها والروح السلمية التي غلبت عليها، فان انتفاضة 2010 تبدو أكثر جرأة وصراحة.

فهذه الأخيرة قد تجاوزت فعلا المطالب المباشرة (حق الشغل..) نحو وضع النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي نفسه موضع السؤال. حيث كانت غالبية الشعارات التي رفعها المحتجون متوجهة مباشرة وبلا مواربة ضد الحكم وأصحاب الثروة. فكانت شعارات (التشغيل استحقاق يا عصابة السراق) و (لا لا للاستبداد يا حكومة الفساد) و(يسقط حزب الدستور. يسقط جلاد الشعب)، والتي برغم غموضها من حيث قدرة المعارضة السياسية على استغلالها لصالح مشاريعها الإصلاحية، فإنها كانت بمثابة كلمة السر التي وحّّّّدت كل التحركات وجمّعتها في مضمون واحد هو وضع التفاوت الطبقي وحيازة أقلية متنفذة للحصة الأعظم من الإنتاج الاجتماعي موضع الاتهام.

وفيما اتسمت انتفاضة 2008 بطابعها المحلي وغياب التضامن الشعبي معها في بقية المناطق، حيث بقيت هذه الانتفاضة لأكثر من ستة أشهر بدون أن يرافقها أي تحرك مساند ذو قيمة يفك عنها العزلة ويدفعها إلى الأمام، فان انتفاضة 2010 قد لاقت تجاوبا منقطع النظير، بل إن مركز الأحداث قد أصبح متنقلا ومتحولا من جهة إلى أخرى. وفيما كانت الانتفاضة الأولى ميّالة إلى التفاوض والروح الدفاعية فان الانتفاضة الحالية قد جنحت إلى الهجوم، وبرغم الوعود والتضليلات ومحاولات السياسيين لوقف عنفوانها عند عتبة الإصلاحات السياسية أو المطالب الفضفاضة من نوع (الحق في تنمية عادلة) و(التنمية الجهوية)..الخ (وكأن هناك تنمية رأسمالية عادلة ومتوازنة، فالتراكم الرأسمالي هو بطبيعته غير عادل وغير متوازن ويقود حتما إلى الإختلالات والأزمات ورمي جزء متعاظم من القوة الإنتاجية خارج دائرة الإنتاج) فإن هذه الانتفاضة تزداد تجذرا وعمقا ورفضا لكل مساومة. فإذا كان أطراف المعركة في السابق يغلفون حقيقة أهدافهم، فإنهم هذه المرة يقفون وجها لوجه بلا أقنعة. حيث فيما يقف الأغنياء صراحة إلى جانب حكومتهم وجهازهم القمعي، إذ هرع الأعراف إلى إطلاق الوعود بانتداب العاطلين وتنفيذ مشاريع كبيرة في المدن الداخلية، فان الفقراء قد أعلنوا صراحة ليس تمردهم على هذا الوجه أو ذاك من الظلم، ليس على هذا الشكل أو ذاك من القمع والاستبداد، ليس على هذا النموذج الاقتصادي أو ذاك، كما وليس على هذا الإجراء أو ذاك، بل إنهم قد تمرّدوا على طبيعة النظام نفسه. وفيما وقف الأسياد صراحة في صف الدولة راعية سيادتهم، فان العبيد المعاصرين من الكادحين بكل شرائحهم قد أعلنوا هم أيضا وبصراحة وقوفهم ليس ضد الدولة فقط، بما هي راعية السيادة والأسياد ومصالح الأسياد، بل ضد نظام السيادة نفسه. ضد نظام اقتصادي لا يجلب لهم سوى البؤس والفقر والبطالة والغبن. فهاهي المعجزة الاقتصادية التونسية تكشف عن جنتها الموعودة: آلاف مؤلفة من المتحصلين على شهائد بعد سنوات من العذاب يجدون أنفسهم خارج دائرة اهتمام رأس المال واستثماراته. عمال يعيشون كل يوم على وقع انهيار مقدرتهم الشرائية بمفعول التضخم والغلاء الفظيع في الأسعار. موظفون وأساتذة ومعلمين يجدون أنفسهم يغرقون في الديون وينحدر وضعهم الاجتماعي شيئا فشيئا إلى قاع الخصاصة والفقر إضافة لوطأة اشتداد وتيرة العمل والمشاريع الحكومية التي تستهدف بعض المكاسب القليلة التي حصلوا عليها في السابق. فبعد الانقضاض على مجانية الصحة والتعليم ها أن الحكومة تعدّ مشروعا للانقضاض على التقاعد وتغلق باب الزيادة الفعلية في الأجور حيث تكتفي، بمساندة ومشاركة النقابة، بزيادات شكلية كل ثلاث سنوات يتم الاتفاق حولها بطريقة فوقية لا تستجيب لأبسط متطلبات الحياة المتزايدة. وفي المقابل أصبح الناس يتناقلون أخبار الثروات التي يديرها أصحاب السلطة، ويرون بأم أعينهم مظاهر الثراء الفاحش والفساد والمحسوبية. ولقد بيّنت الدولة بنفسها أنها لا تعدو أن تكون أداة بيد الأغنياء لإدارة شؤونهم. وأنها لا تعني للفقراء سوى أداة لقمعهم وإدامة عبوديتهم. وفيما يقوم المنتجون الحقيقيون بإنتاج الثروة فان حشرات الدولة الطفيليين يستمتعون بهذه الثروة بدون أن يبذلوا أي جهد، إذ يكفيهم أخذ موقع في هرم الدولة البيروقراطي حتى يكون ذلك بابا لتكديس المليارات بأرقام خيالية. وفيما المجتمع يكدح ويشقى لكي لا يجني سوى مزيد البؤس، فان فئة قليلة تستأثر بخيرات هذا المجتمع لترضي نهمها البورجوازي المتعفن. هذه هي حقيقة المعجزة التونسية التي كشفتها الانتفاضة الحالية. فهذه الأخيرة لم تتجه مثلما يفعل السياسيين عادة إلى ما يسمى بالحريات السياسية والمطالبة بالديمقراطية وانتخابات “نزيهة” و”شفافة”، أي إلى المظهر الخارجي للاستبداد، بل إنها قد حفرت إلى أعمق الجذور، إلى حيث يقبع أصل الشر والظلم: طبيعة النظام الاقتصادي القائم. فإذا كانت حفنة من الطفيليين تستبد وتقمع وتمنع الناس من التعبير وتقيم ديكتاتوريتها السياسية فذلك لأنها تستبد بالسلطة الاقتصادية. فهي تسود سياسيا فقط لأنها تسود اقتصاديا، بل إن سيادتها السياسية هي في الواقع سيادة اقتصادية بأتم معنى الكلمة.

والدولة إذ تطلق الرصاص الحي على المتظاهرين العزل فإنها إنما تطلق النار على شرعيتها أولا وتقضي ثانيا على كل وهم بتغيير هذا النظام بالطرق السلمية. فإذا كانت الدولة لا تملك إلا الرصاص في مواجهة مطالب الانتفاضة فإنها إنما تدفع الانتفاضة نفسها إلى الميدان الذي لم تعرفه إلى الآن: ألا وهو ميدان المواجهة المسلحة. فهذه الجماهير التي تقدم صدورها عارية أمام المرتزقة المدججين بالسلاح ستجد حتما نفسها مدفوعة إلى إعادة ترتيب نضالها والتفكير في تطوير أشكاله وكسر احتكار الدولة لأدوات العنف الاجتماعي. فهذه الانتفاضة وبغض النظر عن مآلاتها ونتائجها الوقتية فإنها قد طرحت وبجدية أسئلة حول طرق التصدي لإرهاب الدولة وعدم الاكتفاء بالمواجهات غير المتوازنة القوى. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الأشكال التاريخية التي ابتدعتها الشغيلة في انتفاضاتها السابقة، فهذا لن يكون إلا بإنشاء ميليشيات شعبية يمكنها إدارة المعارك بأساليب جديدة تجبر العدو على قراءة ألف حساب قبل الإقدام على إطلاق رصاصه الغادر وقنص المنتفضين. وحتى إن لم تقدر الانتفاضة في لحظتها الراهنة على الوصول إلى هذه النتيجة المحتمة فإنها تكون قد مهدت الطريق إليه، وجعلته مهمة ملحة وضرورية لتطوير أساليب نضالها الشعبي.

كما وأن هذه الانتفاضة قد طرحت على نفسها السؤال حول الأساليب والطريقة المناسبة لتطوير نفسها والارتقاء إلى أطوار جديدة من النضال. فالمصادمات والمظاهرات وحرق رموز النظام ورفع أكثر الشعارات راديكالية أثبت أكثر من مرة أنه لا يمكن له أن يحوّل هذه الانتفاضة إلى ثورة حقيقية. فالخطوة الفعلية التي يمكن لها أن تحقق قفزة نوعية في طبيعة هذه الانتفاضة إنما هي مرورها من موقع الدفاع ضد الدولة إلى موقع الهجوم عليها. وهذا لا يمكن أن يعني سوى المرور إلى إعادة تنظيم المجتمع وإدارته بشكل جماعي وتقديم النموذج الواقعي لهذا التحويل. أي الاستعاضة عن الدولة وإدارتها البيروقراطية بإدارة اجتماعية مشتركة لجميع الأهالي. وهذا يبدأ أساسا بالمرور من طابع رد الفعل إلى إدارة حقيقية للمعارك وضبط أساليبها وتوفير أساسات ديمومتها وتواصلها والتدرب على كيفية تنظيم المؤونة وتنظيم الاستيلاء على مخازن الأغذية والملابس..الخ والاستعداد لإمكانية التجاء الدولة إلى أسلوب التجويع والمحاصرة. كذلك تشكيل لجان للإعلام والدعاية والتحريض يكون هدفها الأساسي التعريف بالنضالات وحث القطاعات الاجتماعية التي لم تنخرط في الانتفاضة إلى الالتحاق بها ولعل وسائل الاتصال الحديثة توفر إمكانيات عظيمة لتنظيم التواصل وتنسيق الجهود وكسر الاحتكار الإعلامي للدولة. وهذه الحركة التنظيمية الذاتية للانتفاضة بمقدورها أن تتطور وتتوسع لتشمل إدارة الإنتاج والتوزيع وشل القدرة الاقتصادية للدولة، هذه القدرة التي توفر لها هامشا كبيرا من المناورة ودعم أجهزتها القمعية. ولعل نجاح الانتفاضة، مثلما تثبته التجربة التاريخية، مرتهن ليس فقط بالطاقة النضالية العظيمة للمنتفضين على مواجهة قوات إرهاب الدولة بل خاصة بضرب قواعدها اللوجستية من خلال الإضرابات في القطاعات الحساسة مثل النقل والطاقة..الخ بما يحرمها من مصادر التمويل والإسناد المادي لقواتها، كذلك تعطيل حركة هذه القوات بقطع الطرق وتشتيت جهودها في جبهات متعددة ومتفرعة.

إن اتجاه الانتفاضة إلى الإدارة الجماعية لشؤونها سوف لن يحرم الدولة من قاعدتها الاجتماعية فحسب، بل سيقدم آفاقا جديدة للتغيير الاجتماعي. فهذا التحويل الاجتماعي هو وحده القادر على تحويل الانتفاضة من طابع رد الفعل الذي يمكن للدولة الالتفاف عليه إلى طابع ثوري يتجه صوب الجذر الأساسي للفقر والبطالة والتفاوت الطبقي والديكتاتورية السياسية، أي أسلوب الإنتاج والتوزيع نفسه، وهذا من شأنه أيضا سد الطريق أمام الساسة بمختلف مشاربهم الذين يتحينون الفرصة لاستثمار نضالات الجماهير لتحقيق أهدافهم السياسية الخاصة. فموضوع الانتفاضة لم يكن أبدا تغيير هذا الحزب بذاك ولا هذا الرئيس بذاك، أي أن موضوعها الحقيقي ليس استبدال سيادة بسيادة أخرى بل القضاء على السيادة نفسها. والأحزاب التي لم يكن لها أي دور في هذه الانتفاضة، بل إنها تسعى لإيجاد حلول لأزمة النظام ببعض الإصلاحات الديمقراطية التي تتفاوت درجة راديكاليّتها من حزب لآخر لكنها تلتقي جميعها في ما يسمى “الخروج من الأزمة”، بل إن كثيرا من قواعدها من المناضلين قد تجاوزوها وانصهروا في خضم الانتفاضة تاركين قياداتهم تلاحق الأحداث وتكتفي بإصدار البيانات والخطب الرنانة، هذه الأحزاب في الواقع تمثل خطرا حقيقيا على الانتفاضة من خلال زرع بذور الانقسام وأمراض السياسيين ومنافساتهم، وبث الأوهام الاصلاحية داخلها. ولعل الكفيل بسد الباب أمامهم هو المرور نحو إنشاء أشكال التنظيم الاجتماعي التي لا تعتمد الانتماء السياسي أو الإيديولوجي بل الانتماء الطبقي ودرجة المساهمة في تطوير النضالات وليس خلق الزعماء والأبطال المخلصين. فالكادحين أثبتوا من خلال هذه الانتفاضة أنهم قادرون على أخذ مصائرهم بأيديهم وابتكار الوسائل الكفيلة بتنظيم حركتهم وما على الفرق والتيارات بمختلف مشاربها إلا إثبات جدارتها في النضال ودفعه إلى الأمام والانصهار فيه وليس تقديم أهدافهم الخاصة وفرضها على الجماهير، وهذا سوف لن يعني سوى خلق أسياد جدد، وبيروقراطيين جدد، وفي النهاية ديكتاتوريين جدد سواء باسم الشعب أو باسم الوطن أو حتى باسم العمال والكادحين أنفسهم.

لكننا إذا انطلقنا من الدروس التاريخية لثورات الكادحين في العالم فان بناء قاعدة تنظيمية ذاتية للانتفاضة يستوجب شروطا موضوعية لا بد من توفرها ونقصد أساسا:

– الانخراط الواسع للقطاعات العمالية في الانتفاضة وذلك أولا بالقيام بالإضرابات، وفي مرحلة لاحقة بتنظيم الاستيلاءات على المصانع والشركات والأراضي التي يستثمر فيها كبار البورجوازيين وإنشاء المجالس العمالية لإدارتها. هذه العملية هي وحدها الكفيلة بخلق منعرج نوعي للانتفاضة وتحويلها إلى ثورة اجتماعية لا تستهدف السلطة السياسية فحسب بل النظام الاقتصادي والاجتماعي برمته. وهذا أيضا هو الكفيل بالانتقال من مستوى الدفاع وطرح المطالب التي لن تستجيب لها البورجوازية، أو ربما تستجيب لبعضها في إطار تقديم بعض التنازلات المؤقتة لوقف الانتفاضة، إلى مستوى التغيير الاجتماعي الفعلي الذي وحده قادر على تحقيق فعلي للمساواة والكرامة والحرية والقضاء على أصل الفساد والمحسوبية واستغلال النفوذ وغيره من مظاهر النظام الرأسمالي القائم.

– التفكك التدريجي لأجهزة البوليس والجيش من خلال موجة من الانسحابات ورفض الخدمة ورفض إطلاق النار على الجماهير المنتفضة. وهذا الأمر مرتبط أساسا بمستوى تطور الانتفاضة نفسها وشعور قطاعات واسعة من الجنود والبوليس الذين يقبعون في أسفل هرم هذه الأجهزة بتقدّم الثورة وإمكانية نجاحها. كذلك يرتبط الأمر بدرجة حسن إدارة المعارك من طرف المنتفضين أنفسهم وذلك سواء بحسن إدارة التحريض والدعاية في صفوف الجنود خاصة أو من خلال بث حالة من عدم الطمأنينة الشخصية لمن يشارك منهم في حملة القمع بما يخلق حالة من الإرباك في هذا الجهاز القمعي.

– دخول الفلاحين الفقراء في الانتفاضة ورفضهم البقاء كاحتياطي للرجعية. فخلق حالة من التضامن بين العمال في المدينة والعمال والفلاحين في الريف هو السبيل إلى خلق استقطاب طبقي واضح يمكنه أن يقلب موازين القوى لصالح الثورة. لكن هذا مرتبط هو نفسه بدرجة نضج وتطور الصراعات الاجتماعية في المدن وقدرة العمال وعموم الكادحين على التقدم في بناء نموذجهم التنظيمي للمجتمع وهو ما سيبعث برسائل ثورية للريف ويوقظه من بلاهة حياته الرتيبة.

– درجة التضامن الذي ستجده هذه الانتفاضة من بقية العمال والكادحين في بقية الدول. ذلك أن قوة البورجوازية العالمية تكمن في قدرتها على عزل الانتفاضات الشعبية التي تندلع هنا أو هناك وتقديم الدعم المالي والعسكري والسياسي للحكومات التي تواجه مثل هذه الانتفاضات. فليس غريبا أن يتم اكتشاف نوعية من قنابل الغاز الذي تستخدمه الدولة التونسية هو من أصل إسرائيلي. كما ليس مستغربا أن تهرع الدول الكبرى وصندوق النقد الدولي لإسناد بعض الدول التي تختنق بمفعول الأزمة ولا تجد هامشا للمناورة في مواجهة الانتفاضات العمالية مثلما حدث في اليونان وأيسلندا والأرجنتين..الخ. ففي مواجهة التضامن العالمي بين البورجوازية لا مفر من انبثاق تضامن أممي نقيض بين العمال وعموم الفقراء. ولعل تزامن الانتفاضة في تونس وفي الجزائر الآن كما تزامنت في السابق انتفاضة الحوض المنجمي مع انتفاضة سيدي افني في المغرب يمثل إشارات واضحة لبداية تبلور هذا التضامن الفعلي وتجسيد الروح الأممية بين الكادحين.

من الطبيعي أننا لا نستطيع مسبقا التنبؤ بمدى قدرة هذه الانتفاضة على الوصول إلى الطور الذي يسمح لها بالتحول إلى ثورة اجتماعية. لكن المهم هو أن هذه الانتفاضة قد دفعت بكل هذه الأسئلة على بساط البحث التاريخي وأبرزتها كضرورات ملحة وعملية وليس كقضايا نظرية تناقشها قلة من المثقفين. وبالنسبة لهذه الانتفاضة فالمهم ليس مكاسبها الآنية ونتائجها ومآلاتها الحالية بل المهم هو ما تدفعه من دروس يجب استخلاصها وما تراكمه من تجربة ثورية ستكون حتما السلاح الأمضى في قادم الجولات. فالثورة لا تقع مرة واحدة بل مرات ومرات، لتهز في كل مرة أركان النظام القائم وتصلب عود القائمين بها وترسي تقاليد جديدة مكان التقاليد القديمة البالية وتبعث آمالا جديدة لأجيال الشباب وتدفعهم إلى حلبة الصراع الطبقي.

مات الحوض المنجمي، هكذا صرخت أبواق الرجعية

عاش الحوض المنجمي، هكذا تصرخ الانتفاضة

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في حول العالم وكلماته الدلالية , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s