درس في الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية التونسية المظفرة

 

 

درس في الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية التونسية المظفرة

 

 

امال الحسين

 

 

 

تعيش الرأسمالية الإمبريالية اليوم أعمق أزماتها المزمنة باعتبارها نظاما تناحريا يلازمه الصراع الأبدي بين العمل و الرأسمال ، و أبرزت الأزمة المالية العالمية تجليات انهيار الرأسمال المالي المسيطر على السوق التجارية العالمية ، مما دفع الدول الإمبريالية إلى الإسراع لإنعاشه حماية لمصالح الطغمة المالية الإمبريالية على حساب قوة عمل الطبقة العاملة ، عبر تدفق الأموال المسروقة من عرق و دم البروليتاريا في شرايين الشركات الإمبريالية العابرة للقارات و تكثيف استغلال الطبقة العاملة و ضرب المكتسبات التاريخية للحركة العمالية الثورية ، و هبت جماهير العمال و المعطلين و الطلبة إلى شوارع المدن الأوربية (اليونان، فرنسا، البرتغال، إنجلترا …) للإحتجاج ضد السياسات الطبقية المفروضة على الطبقات الشعبية مما عمق أزمة الرأسمال المالي الذي أوشك على الإنتهيار التام.

لقد عبرت الطبقة العاملة بفرنسا في انفاضتها في أكتوبر 2010 عن قدرتها الجبارة على تحريك الشارع بعد مشاركة الحركة الطلابية و التلاميذية دفاعا عن المكتسبات التاريخية للحركة العمالية الثورية ، مما أعاد إلى الأذهان أهمية ملحمة 1968 بقيادة البروليتاريا إلا أن الإنتفاضة الشعبية لم ترق إلى مستوى الإضرابات الجماهيرية رغم أنها أعطت للرأسمال المالي ضربات قاسية مما عمق أزمته ، و تسارعت التحريفية الإنتهازية من أجل الظفر بنتائج الحركة العمالية الثورية لاستثمارها في السيطرة على السلطة السياسية ، و تسارعت الأحزاب الإشتراكية الإمبريالية لاحتواء احتجاجات الطبقة العاملة و تقديم نفسها لتسيير و تدبير الأزمة المالية بفرنسا ، و بقيت الحركة العمالية عاجزة عن تخطي حدود ثورة 1871 بعد إرشاء الأروستقراطية العمالية مما يؤكد صحة أهمية استقلالية الطبقة العاملة في ظل حزبها الثوري ، الذي يجب أن يقود الحركة العمالية الثورية من أجل إسقاط الرأسمالية الإمبريالية و بناء دولة ديكتاتورية البروليتاريا.

في ظل هذه الأوضاع العالمية تعمل الأنظمة الرجعية التابعة للإمبريالية على تطبيق السياسات الإقتصادية الطبقية المملاة عليها من طرف المؤسسات المالية الإمبريالية ، من أجل ضخ المال في شرايين الرأسمال المالي المحتضر باعتبار الثروات البشرية و الطبيعية بالبلدان التابعة الدعامة الخلفية للرأسمالية الإمبريالية ، و هي صمام أمان الإحتكارية الإمبريالية في علاقتها بالمزاحة الحرة المبنية على المشاريع الصغرى بالبلدان التابعة عبر تطبيق سياسات اقتصادية طبقية تكرس هيمنة الكومبرادور و الملاكين العقاريين الكبار على السلطة السياسية و الإقتصادية ، و لعبت الأحزاب الإصلاحية المسيطرة على النقابات دور المعرقل الأساسي لنضالات الحركة العمالية بدعم من التحريفية الإنتهازية التي لعبت دورها التاريخي في عرقلة المد الثوري داخل الحركة العمالية عبر المساومة مع الأنظمة القائمة بالدول التابعة ، سعيا وراء ذلك إلى الظفر بهامش من السلطة السياسية لتسيير و تدبير أزمة الكومبرادور و الملاكين العقاريين الكبار ، و لم ترق احتجاجات العمال و الفلاحين و المعطلين و الطلبة بهذه الدول إلى مستوى الإضرابات الجماهيرية و تتجاوز الهيمنة البيروقراطية الحزبية و النقابية ، و سرعان ما يتم قمع الإنتفاضات الشعبية و اجتثاثها في عزلة عن بعضها البعض مما يسهل إخمادها.

و كانت الحركة الجماهيرية الشعبية بتونس الحركة الوحيد التي استطاعت الإستمرار و الصمود في وجه قمع النظام البوليسي الديكتاتوري للجماهير الشعبية المنتفضة ، و لم تلتحق الأحزاب الإصلاحية و النقابة الوحيدة بالثورة الشعبية المظفرة إلا بعدما تجاوزت الحد المؤشر لنجاحها بعد تجاوزها للأسبوع الأول ، و تحولت الحركة الإجتماعية الإحتجاجية التونسية إلى مستوى الإضرابات الجماهيرية و تجاوزت مستوى المطالب الإقتصادية إلى إعلان المطالب السياسية بعد المطالبة بسقوط الديكتاتور و محاكمة اللصوص المسيطرين على السلطة ، و توعد الديكتاتور الجماهير الشعبية بمزيد من إراقة الدماء دون أن يتمكن من إخماد الثورة بعد ما حصلت القفزة النوعية في الحركة الجماهيرية الشعبية ، التي أفرزت الوعي الطبقي الجمعي لديها مما جعلها تقف صامدة في وجه جميع أشكال القمع و المناورة التي مارسها النظام البوليسي الديكتاتوري المدعوم من طرف النظام الإمبريالي بفرنسا بتعاون مع الأنظمة الرجعية العربية و على رأسها النظام الديكتاتوري الليبي ، و لم تبلغ الثورة التونسية المظفرة حد الأسبوع الرابع لإسقاط النظام الديكتاتوري القائم إلا بالصمود في وجه الإمبريالية العالمية و الرجعية العربية التي ساندت الديكتاتور بعدما تأكدت من سقوطه في الأسبوع الأول للثورة ، و تسارعت الأحزاب الإصلاحية البورجوازية للظفر بنتائج الثورة المظفرة بعد هروب الديكتاتور الذي وفر له النظام الإمبريالي بفرنسا بتعاون مع النظامين الرجعيين بليبيا و السعودية الحماية لمغادرة تونس.

لقد حطمت الثورة التونسية المظفرة كل الإدعاءات المغلوطة حول أهمية الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية التي تحاول التحريفية الإنتهازية زرعها في صفوف الطبقة العاملة ، عبر نشر المفاهيم البورجوازية حول “نهاية التاريخ” بنشر مقولاتها التضليلية و التعتيمية حول تهاية عصر البروليتاريا و الصراع الطبقي و أهميتهما في التغيير الثوري ، و سجلت الجماهير الشعبية بتونس بعرقها و دم شهدائها صفحات لن تمحى دروسها التاريخية العظيمة التي أبرزت بالملموس النموذج الثوري المظفر للجماهير الشعبية أمام طغيان الأنظمة الرجعية بالدول التابعة ، و أكدت أن الوعي الجمعي للجماهير الشعبية عندما يكتمل في الشارع يصبح قوة مادية لا تقهر تسمد صلابتها من دروس التاريخ و تخلق مناعتها ضد الإنهزامية عبر استنباط شعاراتها الثورية من سلب وحي الثورة الأولى ضد الإستعمار القديم في مواجهة الإستعمار الجديد ، و كانت الأبيات المأثورة للشاعر العظيم الشابي خير تعبير عن الوعي الجمعي الطبقي لدى الجماهير الشعبية بالرجوع إلى رصيدها المفاهيمي من صلب ثقافتها المنبثق من تجربتها الخاصة المأثورة ضد الإستعمار الإمبريالي.

إن أهمية العلاقة الجدلية بين الثورة الإشتراكية بالدول الإمبريالية (فرنسا نموذجا) و الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية بالدول التابعة لها (تونس نموذجا) ، تقودنا إلى أهمية العلاقة الجدلية بين الحركة العمالية الثورية بالدول الإمبرالية و نظيرتها بالدول التابعة ، مما يقودنا إلى أهمية بناء التحالف العمالي العالمي ضد تحالف الإمبرياليين والكومبرادور و الملاكين العقاريين الكبار ، كما أن سيطرة البروليتاريا على السلطة بالدول الإمبريالية رهين بسيطرة البروليتاريا على السلطة بالدول التابعة للإمبريالية في ظل دولة ديكتاتورية البروليتاريا ، نظرا لأهمية وقف تدفق أموال البلدان الفقيرة في شرايين الرأسمال المالي مما يوقف تدفق الأموال على الأروستقراطية العمالية بالدول الإمبريالية ، الشيء الذي يعمق الأزمة المالية و يحرر الحركة العمالية الثورية من قبضة التحريفية الإنتهازية و يعجل بقياة الثورات الإشتراكية بالدول الإمبريالية و يحرر الحركة العمالية الثورية بالدول التابعة من قبضة الإصلاحية الحزبية و النقابية ، و يعجل بإسقاط الرأسمالية الإمبريالية و بناء دول ديكتاتورية البروليتاريا بقيادة الطليعة العمالية الثورية.

إن نجاح الثورة التونسية المظفرة لن يتحقق إلا بسيطرة الطبقة العاملة على السلطة السياسية و الإقتصادية و الشروع في البناء الإشتراكي ، و تهافت الأحزاب الإصلاحية على السلطة بعد سقوط الديكتاتور عبر ما يسمى ب”حكومة الوحدة الوطنية” ليس إلا مناورة الإصلاحية الحزبية و النقابية لجني ثمار الثورة الشعبية المظفرة ، و تبقى التحريفية الإنتهازية على هامش جني هذه الثمار بعدما عملت على عزل الطبقة العاملة عن مهامها التاريخية في قيادة الثورة ، بعدما هبت الجماهير الشعبية بعفوية ضد النظام البوليسي الديكتاتوري و استطاعت إسقاط الديكتاتور و تحقيق معجزة الثورة في القرن 21 ، و يبقى على عاتق الماركسيين اللينينيين الإستعداد التام لمواجهة تحريف الثورة عن مسارها الحقيقي الذي سطرته الجماهير الشعبية بعرقها و دم شهدائها و الذي يتجلى في تحقيق الثورة الإشتراكية اقتداء بثورة أكتوبر المظفرة.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في حول العالم وكلماته الدلالية , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s