الثورة المصرية تفاجئ وتربك أمريكا

الثورة المصرية تفاجئ وتربك أمريكا

نيكول كولسون وآلان ماس/ ترجمة محمد الشرقاوي

الإثنين, 07 شباط 2011 22:28

خاص الأفق الاشتراكي- مع تمسك الدكتاتور حسني مبارك بالسلطة، يتوقع استمرار المظاهرات الجماهيرية للإطاحة به. ويعود الفضل في استمرار مبارك إطلاق لقب “الرئيس” على نفسه، إلى القسم الأكبر من الإدارة الأمريكية.

لقد جوبه المسؤولون الأمريكيون بانتقادات لاذعة بعد يومين من العنف الهمجي من قبل مؤيدي مبارك في يومي الأربعاء والخميس— والذي تم توجيهه بشكل مدروس وبتركيز خاص على الصحفيين والسياسيين ونشطاء حقوق الإنسان. ونقلت عدة صحف بأن “إدارة أوباما تضغط الآن على مبارك لنقل السلطة بشكل فوري”.

ولكن فعل الولايات المتحدة وتراخيها في الأيام والأسابيع الماضية، لا يختلف عن العقود الثلاثة الماضية والتي كانت مصر فيها ثاني أكبر مستفيد من المساعدات العسكرية الأمريكية بعد إسرائيل، من الأفضل القيام بفعل أمر ما أفضل من التحدث فقط عن الأمر. إن هذا الدعم أتاح لمبارك إحباط تطلعات المصريين لسنوات طويلة.

لقد ظهرت غطرسة مبارك في مقابلته مع الإيه بي سي في الثالث من فبراير، عندما قال الديكتاتور بأنه يرغب بالاستقالة، لكنه لا يستطيع، لأن البلد سوف “تغرق بالفوضى.”

إن أي شخص شاهد الصور من ميدان التحرير في القاهرة على مدار اليومين الماضيين، صور الشرطة السرية والبلطجية المؤيدين لمبارك مطلقين العنان للعنف الهمجي على المتظاهرين من أجل الديمقراطية، وفي بعض الحالات ضد النساء والأطفال، سيعرف من هو بالضبط المسؤول عن “الفوضى”.

ولكن في “أكبر الديمقراطيات العالمية”، تجنب الرئيس باراك أوباما وضع الإدارة الأمريكية إلى جانب المتظاهرين المصريين الذين يقاتلوا من أجل الديمقراطية. وعندما ظهر في إفطار الصلاة القومي السنوي في العاصمة واشنطن، في الثالث من فبراير، قال أوباما بأن الولايات المتحدة “قلقة حيال العنف” في مصر، وأنه كان يصلي لكي “ينتهي”.

إن كان أوباما حقا قلق حيال إنهاء العنف، فهو يستطيع القيام بأمر ما حالا، يستطيع أن يعلن بأن إدارته ستقطع فورا المساعدات السنوية المقدرة بـ 2 مليار دولار والتي يتم إرسالها إلى نظام مبارك.

وعلى الرغم من ذلك، الضغط الذي يمارس على أوباما والولايات المتحدة، ليس فقط من أجل العنف ضد المتظاهرين المصريين المسالمين، ولكن بسبب استهداف النظام المتعمد للصحفيين والأجانب.

لقد تم إثارة حماسة مؤيدي مبارك بإدعاء أن الثائرين خدعوا من قبل أعداء مصر، وهذا ما أثار سخرية الصحفيين من المؤسسات الإخبارية العالمية. كما تم الهجوم على العديد من الصحفيين الأمريكيين والأوربيين، ولكن ركزت القوى الأمنية بشكل خاص على قناة الجزيرة. الشبكة العربية التي قامت بتقديم تغطية منتظمة للانتفاضة المصرية المستمرة.

لقد استمر عنف البلطجية بالتزايد يوم الخميس، هجمات لاحتلال ميدان التحرير في قلب القاهرة مما أدى إلى قتل العشرات وجرح المئات.

إلا أن المتظاهرين المعارضين لمبارك ردوا بشكل بطولي. ووثقت الجزيرة ووكالات إخبارية أخرى جهود المتظاهرين وهم يطردون البلطجية وبشكل خاص من الجسور التي تمنح المعتدين أفضلية إستراتيجية لتنفيذ اعتداءاتهم. إن الدفاع عن ميدان التحرير ضد الداعين للعنف والوحشية كان أكثر الجوانب الملهمة للثورة التي هزت مصر في قلبها.

واليوم، كل الأعين متجهة نحو الشوارع لتظاهرات يوم الجمعة. إذ يأمل المنظمون أن يزداد عدد المشاركين بحيث يصل إلى معدلات المشاركة في يوم الثلاثاء الماضي، حيث خرج 6 إلى 8 ملايين للتظاهر في المدن والبلدات في كل أرجاء البلاد.

منذ أن بدأت الانتفاضة المصرية، حاول المسؤولون الأمريكيون عدم استفزاز الجماهير، مدعين بأنهم يدعمون هؤلاء الذين يكافحون من أجل الديمقراطية، وفي الوقت نفسه عدم التخلي عن مبارك، الذي يعتبر الحليف الأقدم في المنطقة وحامي مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

إذ لدى الولايات المتحدة استثمارات هائلة في نظام مبارك. في العام الماضي، تم إرسال ما يقدر بـ 1.55 مليار دولار من المساعدات إلى مصر، منخفضة عن مساعدات عام 1988 التي وصلت إلى 2.1 مليار دولار.

وقد أعلنت الوكالة الأمريكية للتطوير الدولي بفخر على موقعها: “على مدار ثلاثة عقود، ساعدت الولايات المتحدة على تحسين مستوى حياة كافة المصريين من خلال البرامج التي تدعم التنمية الاقتصادية والاستقرار في المنطقة، وقد بلغت مساعدات الوكالة 28.6 مليار دولار منذ عام 1975.

ولكن المتظاهرون المصريون يعرفون أين تذهب الأموال التي صرفت لدعم “الاستقرار” والتي أنفقت بالواقع على الغاز المسيل للدموع والدبابات والرصاص المستخدم ضدهم. إذ كانت من بين الرموز الأكثر واقعية في الانتفاضة القنابل المسيلة للدموع التي أطلقت على الحشود من قبل القوى الأمنية، والتي كانت مرصعة بعبارة “صنع في الولايات المتحدة الأمريكية”.

إلا أن الغاز المسيل للدموع مجرد بداية. فقد كان المقاولون العسكريون الذين يزودون وزارة الدفاع الأمريكية بالأسلحة يعتبرون مبارك أحد أفضل الزبائن، رقم واحد على قائمة شركة لوكهيد مارتين، والتي ربحت عقد بقيمة 213 مليار دولار لبيع مصر 20 طائرة قتالية من طراز إف 16.

وبقليل من الدهشة، بعد كل ما حصل، كانت إدارة أوباما بطيئة في انتقاد نظام حسني مبارك. فبعد الأيام الأولى من المظاهرات وفي نهاية شهر يناير، شددت وزيرة الخارجية أمريكية على الحاجة لانتقال سلمي ومنظم للسلطة: انتقال يمنح الولايات المتحدة بعض الوقت لتحديد الورثة المحتملين لنظام مبارك.

في الثلاثين من يناير، عندما سأل كاندي كراولي من السي إن إن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون عن ما إذا كانت الإدارة تقف إلى جانب مبارك أو إلى جانب المتظاهرين.” ادعت كلينتون بأنها إلى جانب طرف ثالث “الشعب المصري.” وكأن ملايين المصريين الذين شاركوا في التظاهرات المؤيدة للديمقراطية لا يعتبروا “مصريين”.

وأضافت كلينتون، “نحن نقف إلى جانب مصر الديمقراطية، كما كنا خلال الثلاثين سنة الماضية، مصر التي تقدم الحقوق السياسية والاقتصادية إلى شعبها. “ولكن مصر حسني مبارك لم تقدم أي شيء من هذا القبيل، إذ يعيش أكثر من أربعين بالمئة من السكان على أقل من دولارين يوميا، كما سحقت المعارضة السياسية بصورة منتظمة من قبل دولة مبارك البوليسية.

ومع تظاهر ملايين المصريين الثلاثاء الماضي من أجل رحيل مبارك بشكل فوري، حاول البيت الأبيض إظهار أن أوباما هو من طلب من مبارك عدم إعادة ترشيحه في الانتخابات التي كانت ستجري في سبتمبر. وادعى مسؤولو الإدارة بأن أوباما أصر على وجوب البدء بانتقال السلطة بشكل فوري، ولكن نظام مبارك التقط هذا الخيط بحيث تعهد بترك السلطة في ستة أشهر وهذا كاف جدا، وبذلك يستطيع المؤيدون للنظام طرد المتظاهرين من الشارع.

وقد علق أسعد أبو خليل في وكالة أنباء العربي الغاضب قائلا:

لقد قرأت خطاب أوباما: إنه يؤكد شكوكي، ويؤكد بأن مبارك بشكل أساسي مفوض من قبل الولايات المتحدة ليتصرف مع الشعب المصري بالطريقة التي تحلو إليه. فكل قطرة من الدماء التي سفكت في مصر من اليوم الأول إلى الآن يجب أن يتحمل أوباما وزرها لأنه تبنى هذه الإستراتيجية الجديدة في جعل مبارك يرفض الإرادة الشعبية للمصريين.

وعلى الرغم من ذلك، وبعد كل هذه الأيام من القمع والعنف، أعلن البنتاغون في الثالث من فبراير بأنه سيستمر في إرسال الأسلحة و “المساعدات” الأخرى إلى مصر في الشهور القادمة. وقد علق ديف لابان على ذلك لوكالة الأنباء الفرنسية قائلا “هناك فرق بين وقف المساعدات وإعادة النظر بها”.

لقد كان الدعم الأمريكي بمثابة حبل النجاة بالنسبة للنظام المصري ولعدة عقود. أما النشطاء في الولايات المتحدة فيريدون إظهار تضامنهم مع النضال في مصر، ويرفعون أصواتهم عاليا، وكلهم يطالبون بـ: إنهاء دعم الولايات المتحدة لدكتاتورية مبارك.

لماذا تلتصق الولايات المتحدة منذ عهد طويل بديكتاتور مكروه من قبل الغالبية العظمى من الشعب المصري؟

يعتبر النظام المصري ركيزة هامة من ركائز السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. فمصر أهم بلد اقتصاديا وعسكريا في الوطن العربي، كما لعبت دورا مركزيا في حروب الولايات المتحدة الإمبريالية، وتعاظم هذا الدور إلى أن أصبحت الحليف الفعلي لإسرائيل في احتواء النضال الفلسطيني من خلال مساعدتها للإبقاء على حصار غزة.

إن أكثر ما يفزع الإمبريالية الأمريكية النموذج الذي يتمثل في نجاح الانتفاضة ضد مبارك. تماما مثل الثورة التونسية ضد زين العابدين بن علي التي كانت الأمل للثورة في مصر، فقد احتشدت الجماهير في القاهرة والإسكندرية والمدن المصرية الأخرى وهذا ما لاقى صدى في العالم العربي.

ففي اليمن مثلا، تظاهر أكثر من 20،000 شخص الخميس ضد الرئيس علي عبد الله صالح، وذلك بعد أن تعهد بعدم ترشيح نفسه في الانتخابات المحددة في العام 2013. ويمكن أن تصل أصداء الثورات في تونس ومصر إلى كل مكان، فمن وعود علي عبد الله صالح بعدم توريث ابنه الرئاسة بعد أكثر من ثلاثين عام من السلطة، إلى الملك عبد الله الثاني في الأردن، الذي أقال حكومته وعين رئيس وزراء جديد، تماما كما فعل مبارك قبل أسبوع، تسقط الديكتاتوريات العربية أمام ضغط الجماهير الغاضبة.

لا تستطيع الولايات المتحدة تحمل الثورة ضد مبارك والتي ستقود إلى المزيد من الثورات، كما لا يمكنها أن تتحمل أن ينظر إليها على أنها مدافعة عن طاغية إذا كان سقوطه أمر حتمي.

ولهذا يعتبر عمر سليمان، رئيس المخابرات المخلص لمبارك ونائبه الحالي، مهم للغاية بالنسبة للولايات المتحدة. والصفقة تكمن في فبركة حكومة “انتقالية” تحت سلطة سليمان واثنين من القادة العسكريين.

ولكن سليمان متورط حتى النخاع في جرائم نظام مبارك، بما في ذلك الهجمات الوحشية على المتظاهرين خلال اليومين الآخرين، إذ يعتقد الكثير من النشطاء بأنها كانت منظمة من قبل سليمان شخصيا.

في الثالث من فبراير، تحدث سليمان إلى التلفزيون المصري الحكومي ملقيا اللوم على المتظاهرين في الشارع واتهمهم بأنهم ينفذون أجندات “تآمرية” لعناصر مصرية وأجنبية لم يسميها. وبعبارات باردة، حذر من أنه لن يتم التساهل مع أي مظاهرات إضافية، وطالب المجموعات المعارضة قبول بقاء مبارك في الحكم حتى الانتخابات القادمة.

وصرح سليمان بلغة تسامحية مباشرة: “أود أن أقول للشباب: شكرا لكم على ما فعلتموه؛ لقد كنتم الشرارة التي ألهبت الإصلاح في هذا الوقت” قبل أن يحذر المتظاهرين ليتركوا الشارع أو يواجهوا انتقامه الوحشي.

إن هؤلاء الذين أشعلوا الانتفاضة المصرية لن يرضوا بشخص مثل عمر سليمان. وسيكون سقوط حسني مبارك نصرا رائعا لتلك الحركة، ولكنهم بدون شكل سيشنون معركة جديدة ضد النظام الذي سيستولي على السلطة.

سوف تشن هذه المعركة بمستوى أعلى، سياسيا وتنظيميا، بفضل نضالات الأيام العشرة الأخيرة. وكما قال القانوني شوقي القاضي من اليمن:

لا يخاف الشارع من الحكومة بعد الآن. بل على العكس، الحكومة والقوى الأمنية خائفون من الشعب الآن. إن الجيل الجديد، جيل الانترنت، لا يخاف. إنهم يريدون حقوقهم كاملة، ويريدون الحياة، حياة كريمة.

الثورة المصرية تفاجئ وتربك أمريكا- نيكول كولسون وآلان ماس/ ترجمة محمد الشرقاوي

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في حول العالم وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s