الفيس بوك، انتفاضة

الفيس بوك، انتفاضة

 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=4&aid=245213

سلامة كيلة

2011 / 2 / 9

 

لم يكن متوقعاً أن تفضي دعوة على الفيس بوك من مجموعة شبابية الى كل ما حدث في مصر. فقد حدثت دعوات سابقة دون أن تؤدي الى أي تجاوب، بعد أن دعمت مجموعة شبابية اصبح اسمها فيما بعد مجموعة 6 إبريل دعوة عمال المحلة الى الإضراب من خلال دعوتها لإضراب عام تضامناً معهم. لكنها كررت الدعوة بعد ذلك الى الحدّ الذي أوجد مناخاً بأن المسألة باتت “مهزلة”، رغم أن هؤلاء الشباب ظلوا مصممين على التواصل والتحريض على الاحتجاج.

هذه المرة تحولت الدعوة الى انتفاضة شاملة عمّت كل مصر، ولازالت متصاعدة ومتماسكة، رغم كل القمع الذي ووجهت به، والإصرار السلطوي على خنقها. ولا أظن أنها ستخنق.

طبيعي أن المسألة ليست بهذه البساطة، وأن كل هذه الجموع لم تخرج فقط لأن هناك دعوة على الفيس بوك، وأعتقد بأن معظمها لم يسمع بالفيس بوك أو بالدعوة عبره، ولقد سمعها من الصحف والفضائيات التي هي في متناوله. ولم تتجاوب معها من منطلق التضامن أو “الحشرية”. لكنها كانت تعيش في أزمة عميقة توضحت من خلال آلاف حركات الاحتجاج التي عمت مصر خلال السنوات السبع السابقة، والتي كانت تعبّر عن أزمات معيشية مستفحلة، طالت الفلاحين بعد إعادة الأرض للملاك الذين صادر الإصلاح الزراعي أراضيهم، وطالت العمال الذي أفضت الخصخصة الى انهيار وضعهم المعيشي، والى تسريح أعداد كبيرة منهم. كما طالت المناطق التي جرى تهميشها أو جرى الاستيلاء على أراضيها لمصلحة مافيات، أو التي جرى تدمير البيئة في محيطها ليتسبب ذلك في تفشي أمراض قاتلة. أو الموظفين الذين لا يكفي أجرهم معيشة أيام من الشهر. أو..أو…

أو الفئات الوسطى التي تركز خطابها، ونشاطها، خلال العقد السالف على الدمقرطة، فأصبحت منذ سنة 2004 تطرح شعار “لا للتمديد” لرئيس لازال يحكم منذ ربع قرن حينها، و”لا للتوريث” لإبنه الذي كان يتحضر لكي يكون “الرئيس المقبل”. وبالتالي بات هم هذه الفئات تغيير النظام، وتأسيس جمهورية ديمقراطية.

كل هذا الشتات كان قائماً، وكان يعبّر عن أزمة يعيشها المجتمع. أزمة العجز عن العيش بالأساس لدى كل الطبقات الشعبية، وأزمة شرعية تعيشها الدولة نتيجة الشكل “الديمقراطي” المشوّه الذي يلفها فيقصي كل هذه الفئات. ولقد كانت الصراعات الاجتماعية تتصاعد، وتتوسع، من الفئات الوسطى الى العمال والفلاحين، ومن العاصمة وباقي المدن الى الأرياف. لكنها ظلت مشتتة، ولا تتوافق على هدف واضح، حيث تحلم الفئات الوسطى بالديمقراطية بينما تبحث باقي الطبقات الشعبية عما يساعدها على العيش.

وإذا كان النشاط من خلال الفيس بوك ينحصر في “نخب شبابية” بالأساس، وأن الدعوة الأولى في 6إبريل سنة 2009 جاءت تابعة لإضراب عمالي محدَّد مسبقاً فنجحت لهذا السبب بالذات، حيث تناولته مختلف الصحف، فإن هذه اللحظة لم تتوفر في كل الدعوات التالية، رغم أن النجاح الأول أغرى بالتسرع في الدعوة المتكررة لإضرابات لم تكن أكثر من تجمعات محدودة للنخب ذاتها، مع بدء تسرّب مجموعات شبابية هي المتفاعلة عبر الفيس بوك.

لكن لاشك في أن هذه الدعوات الشبابية، والتي بدت أحياناً كدعوات بهلوانية أو ناتجة عن غرور نتج عن النجاح الأول، لم تكن بمعزل عن الاحتقان الذي تعيشه الطبقات الشعبية. حيث يجري تناسي بأن هؤلاء الشباب هم ليسوا منعزلين عن المجتمع، وإذا كان هناك من يعتقد بأنهم من الفئات الوسطى نتيجة تعليمهم ومقدرتهم الوصول الى النت، وبالتالي يميل الى القول بقطيعتهم مع المفقرين من كل الطبقات الشعبية، فإن الملاحظ هنا بأن هؤلاء هم من المفقرين وليسوا طبقة وسطى، فليس التعليم هو المحدِّد للموقع الطبقي. قيمة هذه الملاحظة تتمثل في أنها تعطي مؤشراً على أن الدعوات المتتالية الى الإضراب والانتفاض من قبل هؤلاء كانت نتاج احساس عميق بالاحتقان الذي باتت تعانيه هذه الطبقات، ولم تكن نتيجة هوس “فيس بوكي”، أو تعالي برجوازي صغير. وبالتالي كانت الصوت الذي يدعو الى نقل الاحتجاج من طابعه الضيق والجزئي والمحدود الى أبعاده الواسعة. أي تحويل أشكال الاحتجاج المتفرقة والمتعددة المطالب، التي تعبّر عن كل من هذه المجموعات المحتجة، الى مطلب شامل تمثل في الشعار العام الذي حكم الانتفاضة منذ البدء: الشعب يريد اسقاط النظام. رغم كل المطالب التي ترافقت معه من هذه الفئة أو تلك، من شكل الدولة الى رغيف الخبز الى العدالة الاجتماعية.

يبقى أن نشير الى أن اللحظة التونسية التي تمثلت في قيام الانتفاضة وانتصارها في طرد زين العابدين بن علي أشعلت كل مكنون الاحتقان المتراكم لدى كل الطبقات الشعبية، وهذا ربما ما جعل هذه الفئة الشبابية تتحسس بأن الانتفاضة هذه المرة ممكنة. وهذا ما حدث.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر, نظريات وحركات يسارية وثورية وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s