كلمات حول -ثورة الغضب- المصرية

كلمات حول -ثورة الغضب- المصرية

 

 

الاخضر القرمطي

2011 / 2 / 10

 

1-مفاجأة في منطق التخاذل،حتمية في منطق التاريخ

 

لا ريب ان أكثر المتفائلين من أهل اليسار والديمقراطية والتقدم لم يتوقع هذه السيرورة السريعة لعملية التغيير السائرة اليوم في مصر. إن الذي حصل في تونس اولاً ثم في مصر ربما فاجأ الانظمة العربية القمعية القائمة،ولكنه أيضًا ولا بد فاجأ أكثر مثقفي المعارضات اليسارية، الاصلاحية المساومة منها، والراديكالية او الثورية.فإذ بدا للبعض من المثقفين والمناضلين ان زمن رفع شعارات “الثورة” و “التغيير الجذري” و”اسقاط” النظام القمعي القائم قد تأجل الى اجل غير مسمّى، فاجأت الجماهير المصرية بحق أصحاب الاحلام والطموحات المؤجَلة.فاجأت اليقظة الثورية المتخاذلين القانعين،والمستسلمين المسلّمين بواقع الحاضر، فاجأت الخوف المتجذر لدى البعض من ضرورة السير في منطق التاريخ…

ويتأكد وقع المفاجأة ربما ايضًا عبر ذلك “الاقتحام” الجماهيري العفوي/المنتظم.اقتحامٌ عفويٌ جماهيري ٌ،جمع تحت طياته فئات اجتماعية متعددة، شبابًا ومهمشين،فقراء وعاطلين عن العمل، طبقات انحدرت على السلم الاجتماعي،فنانين،مثقفين،أميين وعلماء دين ودنيا……اقتحم هؤلاء ساحات التحرير والشهادة بغياب اي تنظيم حزبي جماهيري حقيقي، فلا الحركات الدينية ولا الليبرالية ولا اليسارية كانت لاعبًا فاعلاً عند بدء الاقتحام والانتفاضة….

وسرعان ما اشتدت هذه المفاجأة عندما بدأت هذه العفوية تنتظم لجانًا شعبية للأمن،والحماية، لجانًا للعمل التطوعي في ما يشبه التسيير الذاتي الكوموني الانارشي…..اذًا سرعان ما اصبحت هذه العفوية خلاقة، وسرعان ما تبيّن للشعب ضرورة التنظيم الذاتي في مواجهة آلة قمع بوليسية شرسة، وعصابات نهب واجرام وظفها النظام الاستبدادي……وهكذا،فمكان أجهزة الدول القمعية التقليدية المؤبدة للنظام أنشأت الجماهير الشعبية أجهزتها الخاصة المضادة والتي نبعت من المصالح المشتركة لهذه الفئات الاجتماعية.

الا ان منطق التاريخ لا يرى في القفزات والوثبات النوعية،حتى ولو ظهرت فجأةً وعفويةً،لا يرى فيها الا تتويجًا لصيرورة من التحولات الكمية والنوعية،ولتراكمات من العوامل الموضوعية والذاتية،وبالتحديد تعبيرًا عن ديالكتيك التحول النوعي،وديالكتيك الذاتي والموضوعي،الخاص والعام،الفردي والكلي…ومهما بدت هذه اليقظة الشعبية مفاجئة للكثيرين،وكانها،وهي بالعفل تخترق جدار “الكسل” النضالي،فانها في منطق التاريخ تعبير آخر عن ديالكتيك الصدفة والضرورة،ديالكتيك الحتمية والحرية…..وكأنها حضور لهيغل كفكر نظري تأملي،وتوكيد لحضور ماركس “على الارض”!

 

2-اليسار الرسمي:اعلان وفاة بعد موت سريري

هل نبالغ في القول ان الجماهير الشعبية المصرية،وقبلها التونيسية،بدت أكثر ماركسيةً وثوريةً من كل الخطابات والجمل والكلمات التي نطق بها الجزء الاعظم من اليسار الرسمي القائم؟؟ وربما من الخطأ طرح سؤال حول اين كان هذا اليسار لدى اندلاع الانتفاضة،فالافضل طرح التساؤل حول اين كان هذا اليسار الرسمي-“الماركسي”-قبل هذا الاقتحام الشعبي.

والكلام لا يجري فقط على اليسار المصري-التجمع والناصريين وباقي المنظمات والتجمعات التي تسمي نفسها يسارًا-بل على اليسار الرسمي العربي بمجمله. في أقصى الحالات لم تتخطى مطالب اليسار المصري سقف الاصلاح السياسي والاقتصادي،لم يتجرأ هذا اليسار على مجرد طرح امكانية تغيير تدريجي للسلطة السياسية،لا بل بقي هذا اليسار-بغض النظر عن النوايا-رهين اللعبة التي ارادها النظام القائم الذي لم يلمس يومًا تهديدًا جديًا لبقائه من يسار اصبح مدجنًا بالفعل.

اما اليسار العربي الرسمي،فلا يشذ فعليًا عن قاعدة ممارسات اليسار المصري المرتهن، فالخطوط الحمراء حاضرة فعليًا في خطابات وممارسات هذه اليسار العربي، لا بل ان بعض المواقع اليسارية الرسمية كانت وما زالت تلعب دور غطاء سياسي وايديولوجي يحجب عورة انظمة استبدادية رأسمالية تبعية،تارة تحت حجج السلم الاهلي والامن الوطني،وتارة تحت مبررات الوقوف امام الهجمة الامبريالية والتهديد الصهيوني،وأحيانًا بحجة ان ما هو قائم من نظام،ولو قمعي رأسمالي او مفبرك في الدوائر الامبريالية،يبقى أفضل وأكثر أمنا من بديل اصولي متخيَّل او من فوضى وحروب محلية اهلية قد تمزق النسيج الاجتماعي القائم!

لا نبالغ ايضًا في القول انه من الافضل لا بل الضروري ان تُعلن رسميًا وفاة هذا اليسار الرسمي،بعد ان كان “مستلقيًا” لفترة طويلةٍ في موت سريري،يحتضر ويجتر تاريخه الغابر،يحتضر ويطلب “شفقة” هذا النظام او ذاك!

وان اراد هذا اليسار يومًا ان يلملم بقايا جثته لربما يستعيد حياةً،فعليه ان يأخذ الدروس والعبَر في التضحيات والعنفوان والثورية والامل من صراخات “البوعزيزيين”، من أذرع شهداء ميدان الشهداء التي حملت حجارة الدفاع عن كل المسحوقين والمهمشين والمضطهدين العرب،أن يأخذ دروسًا في الخطابات الحقة من حناجر الاطفال التي،بغير خنوع، صاحت تطالب باسقاط أجهزة القتل وباعدام سفاحي الاحلام ومغتصبي الارادة الانسانية!

 

 

3-تدجين،سرقة وحماية الثورة..

لا يشذ تعامل القوى السياسية -المصرية- القائمة عن التعامل التاريخي للقوى السياسية مع الانتفاضات والثورات عبر التاريخ؛فحقيقة هذه القوى، ومن تمثل وما تمعكس من مصالح وتطلعات اجتماعية ورؤى ثقافية-ايديولوجية،تظهر جليًا عند المفاصل التاريخية الانتقالية،كما في الثورة المصرية الحالية.عند هذه المفاصل يظهر بوضوح الى هذا الحد او ذاك من هي القوى الحليفة فعليًا للتطلعات الثورة للشعب ومن هي القوى المعادية (المضادة للثورة) ومن هي القوى الانتهازية او التوفيقية المترنحة الوسطية (مع الميل الى التأكيد ان في زمن التغيير والثورة،تصبح الوسطية التوفيقية اقرب الى معسكر اعداء الثورة والتغيير).

من الطبيعي ان تقف القوى التي بنت النظام القائم وتلك التي لطالما حماها هذا النظام (رجال الاعمال-البيروقراطية-حاشية العائلة الحاكمة-الطفيليون،وكل اصناف الاغنياء والفاسدين و”المرتزقة”…) ان تقف في المعسكر المضاد للثورة،من موقعها الطبقي والتاريخي….هكذا كان حال القيصرية الروسية وجنودها ومرتزقاتها،وحال قوى الحكم الاقطاعي في اوروبا قبل الثورات البرجوازية،وحال نظام الشاه الايراني….ومن الطبيعي ان تستنجد هذه القوى بـ”حرسها الابيض” الخاص:البوليس العلني والسري او الميليشيات المرتزقة،اجهزة الرقابة والاعلام الرسمية،ابواق مثقفي السلطة وفنانيها….ومن الطبيعي ان تلجأ هذه القوى الى اقسى اساليب القمع والقتل والدموية والعنف الفوضوي الذي لا يطال الشعب فقط،بل يمتد الى المباني الاثرية والرسمية والمراكز الحيوية وبالاخص عندما يجد النظام نفسه في طريقه الى الهزيمة……تبحث القوى المضادة للثورة دومًا عن طريقة لتدجين هذه الثورة ولخفض سقف مطالبها،وهي اذ تلمس فشل الممارسة القمعية والدموية،تُسبق،أو تُلحِق- هذه الممارسة بممارسة من نوع آخر يغيب عنها القمع الجسدي والمادي بشكلها المباشر،ليحل محله اساليب اقل عنفًا ولكن اكثر خطورة: الاستنجاد بقوى مؤثرة تارة(المؤسسة الدينية مثلاً) او الاستنجاد بقوى “حيادية” او وسطية من القوى السياسية التي لم تنعم سابقًا بحماية النظام،ولكن التي كانت تملك جسورًا مستمرة للتواصل والحوار معه.

هذه القوى الأخيرة هي ما ما يمكن ان نسميها القوى السياسية المتارجحة بين مطالب الثورة بما تمثله لها من امكانية تحرير عملها السياسي والحصول على مكتسبات جديدة،وبين الخوف من تخطي هذه الثورة لما طرحته او تطرحه هذه القوى من برامج هي عادة لا تتخطى مطلب التغييرات الاصلاحية البسيطة وذلك بالتوافق مع التركيبة الاجتماعية لهذه القوى.إنه حضور آخر لذلك الخوف التي تختزنه هذه القوى-التي تجنه نحو الليبرالية في السياسة بوجهها الديمقراطي البرجوازي ونحو مزيد من الليبرالية في الاقتصاد- الخوف اذًا من “الرعاع” و”الفوضى” التي يمكن لها ان تهدد مكتسابتها ومطامحها القديمة-الجديدة.في مصر تتمثل هذه القوى أساسًا بالمعارضة الرسمية من اليسار التقليدي (التجمع والناصريين) الى الليبراليين(البرادعي،وحزب الغد مثلاً) الى اليمين الاسلامي الاخواني.وهي القوى التي كانت قد اعلنت عن موافقتها للحوار-خلف ستار من المبررات الكاذبة والاضاليل- مع السلطة حتى قبل اسقاط مبارك. ولم تتراجع هذه القوى عن الحوار الا بسبب تخطي الحركة الجماهيرية لها وافقادها لمشروعيتها.ونظن ان هذه القوى لو انها كانت تمثّل فعليًا على ارض الواقع قوة سياسيةً حقيقية وجماهيرية لاستمرت في الحوار،لا بل لساهمت بطريقة او بأخرى في محاولة اخراج الجماهير من الشوارع،وبذلك تكون قد حققت مكسبًا سياسيًا على حساب تضحيات الشعب الاعزل.الا ان ما حصل بالفعل،ان الجماهير سحبت منذ خروجها الى الشوارع،المشروعية التمثيلية لهذه القوى،وبيّنت الى اي مدى هذه القوى بعيدة جدًا عن تحقيق مطالب الشارع المصري….وبذلك تراجعت هذه القوى الى ما وراء المنتفضين والا كانت ستفقد وجودها المستقبلي لو أكملت جنوحها الى موقف السارق للثورة ولتضحيات شبابها. والآن يمكن القول ان هذه القوى هي الى حد ما حليفة للثورة.ولكن هذا الحليف قد يكون مستعدًا في اي لحظة الى اعادة محاولة تدجين او بيع الثورة،وهذا رهن بالقوى الصانعة للثورة ومدى وعيها وتنظيمها ومدى قدرتها على الصمود والبقاء.

وهذه القوى الصانعة للثورة،والتي انطلقت في عملها بالاستفادة من آليات حديثة في التواصل والحشد والتنظيم(الفيسبوك وخدمات الانترنت المتعددة)،بدت في بداية الانتفاضة مفتقرة الى التنظيم السياسي الموحد الذي يجمعها تحت برنامج مرحلي،وتكتيكي على الاقل.واذ رفعت شعارات راديكالية جريئة،وتعرضت للقمع الدموي وقدمت العديد من التضحيات،شكلت طليعة حقيقية وفعلية للشعب المصري كله،في وقت كان تغيب الرؤية الواضحة لما بعد مرحلة مبارك.واذ بدأت هذه القوى الثورية تحركها بشكل اقل تنظيمًا وأكثر عفوية وبالاخص عندما انضم الملايين الى الطلائع في الشوارع،بدات تجنح يومًا بعد يوم نحو تنظيم انفسها عبر برنامج من المطالب الاساسية العامة،ثم عبر توحدّها شيئًا فشيئًا تحت تسمية ائتلاف ثورة الغضب او ائتلاف شباب الثورة. ومنذ بداية الانتفاضة برهنت هذه القوى على مجموعة من المؤشرات،أهمها:

– مدى الوعي السياسي الاجتماعي والوطني المختزن داخل اللاوعي الشعبي المصري.ومدى تقدم هذا الوعي من مجرد المطالبة بلقمة العيش اولاً الى الانتقال سريعًا نحة المطالب باسقاط النظام واقامة نظام وطني ديمقراطي عصري جديد.

– مدى الوعي التنظيمي الجنيني ولكن المتقدم لدى الجماهير المصرية وقد بيّن ذلك بوضوح في تشكيل لجان الدفاع والامن وحماية الممتلكات العامة والخاصة (وحتى تشكيل لجان للنظافة العامة كما في ميدان الشهداء..)

– مدى تخلف القوى السياسية المعارضة التقليدية وتراجعها الى الخلف لصالح تقدم قوى جديدة بخطابها الاجتماعي والسياسي والحقوقي،وهي قوى وان غابت عنها الخلفية الايديولوجية الموحدة،والانسجام الطبقي والاجتماعي والثقافي،الا انها اصبحت قوى سياسية حقيقية قادرة على فرض واقع جديد على الساحة المصرية والعربية والعالمية.

– انهيار مقولة الشباب غير المسيّس.فهذه المقولة ربما تصح ان كانت تعني ان الشباب الذي شكّل طليعة وجوهر الثورة لا ينتمي باغلبه الى الاحزاب السياسية التقليدية القائمة،ولكنها لا تصح ابدًا ان اريد بها التعبير عن ابتعاد هؤلاء الشباب عن الصراع السياسي القائم في مصر.ان رفع شعار “الشعب يريد اسقاط النظام” لهو اكبر دلالة على مدى تسيّس هؤلاء الشباب ومدى راديكالية “سياستهم” وان أتى ذلك التسيّس خارج الاطر التقليدية المعتادة،وان ساهمت مواقع الاتصال الاجتماعي على الانترنت الى هذا الحد او ذلك في بناء وعي الشباب السياسي….

 

5- ملاحظة ختامية: الثورة هدم وبناء جديد

ليست الثورة مجرد اسقاط لنظام وبناءٌ لنظام سياسي آخر،وليست عملية انقلاب عسكري كما اعتاد البعض على تسمية انقلابات العالم العربي بالثورات…الثورة سيرورة تحول سياسي اقتصادي ايديولوجي،وهي سيرورة طويلة المدى،تبدأ بعملية هدم مستمرة ومتواصلة للنظام القائم،سيرورة قطع مع كل اجهزته وقوانينه ومؤسساته التي تؤبده.وعملية الهدم هذه هي بمنظور ديالكتيكي عميق عملية بناء لمجتمع بديل ولنظام سياسي-اقتصادي-ايديولوجي جديد ويستجيب لتطلعات الفئات الثورية المنتصرة.

من المبكر اذًا الحديث عن انتصار الثورة المصرية،فالقضية ليست ازاحو مبارك وآلة قمعه،او مجرد ازالة المؤسسات القمعية واستبدالها بمؤسسات واجهزة اخرى قمعية ولكن “بنعومة”.

لكن انتصرت اليقظة الشعبية وانهدم جدار الخوف وانهار النظام القائم،ولا عودة الى الوراء،…والآن من الضروري البدء بعملية البناء على اسس جديدة….والامل كله معقود على صمود واستمرارية الثورة بشبابها وعمالها ومثقفيها وأبنائها في مصر وخارجها.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر, نظريات وحركات يسارية وثورية وكلماته الدلالية , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s