قيم اليسار لا أحزابه في المقدمة …

قيم اليسار لا أحزابه في المقدمة …

محمد بهلول

الأحد, 13 شباط 2011 17:21

حقائق كثيرة أفرزتها الأحداث الأخيرة في كل من تونس ومصر والمرشحة للتتابع في أكثر من بلد في العالم العربي، حقائق تناسيناها سهواً أو عمداً، بوعي مقصود أو وعي مفروض بظلال القمع والتنكيل في ظل حقبة حكم العائلات والمافيات ورجال الأعمال. أُولى هذه الحقائق وأهمها على الإطلاق أن الشعب وبالأدق الكتلة التاريخية،

أي مجموع الطبقات والفئات الاجتماعية المتضررة بشكل مباشر أو غير مباشر من النظام القائم سواء في المجالات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، لا بد مهما توهنت مبادراتها وقدراتها، أي تعطلت لفترة زمنية طالت أو قصرت بفعل عوامل الترغيب والترهيب أن تستنهض مجدداً … وعندما يطفح كيل تهميشها وظلمها.

لقد تعاملت الأحزاب والقوى السياسية والمجتمعية طوال الفترة الماضية بمعزل عن هذه الحقيقة التي كادت أن تتلاشى سواء في وعي النخب أو في ممارستها العملانية، ولهذا لم تبادر هذه القوى ليس في تونس ومصر فحسب، بل وفي كل المنطقة العربية إلى طرح هموم ومتطلبات الكتلة التاريخية في إطار برنامج ملموس يحدد عبوره إلى التطبيق العملي، بل اكتفت هذه القوى والتيارات بمختلف تلاوينها الفكرية والسياسية إلى طرح مطالب أحادية، متقطعة، حاولت الوصول إليها ولم تصل في معظم الأحيان، معتمدة على الأغلب أسلوب الارتهان إلى النظام.

إن غياب حقيقة دور الكتلة التاريخية وقدراتها عن وعي الأحزاب وتراجع نفوذها الجماهيري، أسهم إلى جانب عوامل عديدة أخرى أهمها سياسات النظام على المستويين الكوني والمحلي، إلى تعاظم دور وبروز التيارات الدينية السياسية بتلاوينها المختلفة.

قادة ومفكرون يساريون، لعل أبرزهم نايف حواتمة في كتابه الأخير “اليسار رؤيا النهوض الكبير ـ نقد وتوقعات”، استشرفوا بوادر النهوض في العالم العربي، الاستعدادية الجماهيرية، يشير حواتمة في كتابه “إن محاربة طغيان وهيمنة الخطاب النيوليبرالي المحافظ قد أزفت، كما ومحاربة الخطاب المذهبي الماضوي والقدري الشعبوي، ليس من موقع نظري، بل من موقع عملي نقدي معمم بالتجربة على نطاق الشعوب، وأنه في نطاق الممكن إذا ما توافرت الفعالية والإرادة، والروافع المادية والعملية تحت سقف برنامج التحرر الوطني والديمقراطي، والدور الفاعل لليسار الوطني الديمقراطي” ـ ص 71.

بلا شك أن “رؤيا النهوض الكبير” دخلت الآن “مرحلة النهوض الملموس الكبير”.

عودة الوعي نحو اليسار أمثلته صارخة الآن بالانتفاضات والمظاهرات وثورات الكتلة التاريخية صاحبة المصلحة في التغيير والتطوّر، وشعاراتها البرنامجية اليسارية والتقدمية تطرح آليات تنفيذ “الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، الدولة المدنية”.

المهم لقد عادت الحقيقة إلى الواقع الممارس قبل أن تعود إلى وعي النخب والأحزاب، فاستبقت حركة الشارع جهوزية الأحزاب، وبات على الأخيرة اللهاث وراء الحركة التاريخية، وأصبح صوتها هو الذي يحدد مطالب وأهداف الأحزاب وليس العكس.

كلاسيكياً؛ من المتعارف أن حركة الاحتجاجات الواسعة وصولاً إلى الثورة هي ثمرة ترابط جدلي بين واقع الحركة التاريخية التي لم تعد تحتمل مظالم النظام القائم في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبين الأداة المحركة “تحالف أحزاب وقوى على أرضية برنامج واضح المعالم”، ولهذا فهي ثورة واعية، أما ما نشهده اليوم هو حركة احتجاجات شاملة وواسعة ترفض الواقع الموجود، وتدعو إلى تغيير شامل لكن غير واضح المعالم، بسبب افتقاره الأداة المحركة وبالأدق تخلفها البرنامجي وتشتتها وتنوع أهدافها، وتلوّن اصطفافاتها …

ما جرى في تونس هو إنهاء مرحلة خروج رأس النظام، أما المهام اللاحقة وإن أكدت الحكومة الانتقالية غير المستقرة؛ التزامها اللفظي بها، فإنها تبقى على المحك، سيّما في ظل التدخل الدولي المفضوح، وقدرة أدوات النظام السابق التعطيلية. وما يجري في مصر يتلخص بوجوب خروج رأس النظام وبضبابية واضحة لملامح المرحلة القادمة.

حركة الكتلة التاريخية في كلا البلدين يجب أن تبقى بجهوزية عالية لتضغط باتجاهين: اتجاه تصفية رموز وبرنامج النظام السابق، وأيضاً وهو الأهم حالياً باتجاه القوى والأحزاب السياسية والمجتمعية المعبرة عن مصالح الكتلة التاريخية لإنجاز تحالف قائم على أرضية برنامج واسع وشامل ويطال كل العناوين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى أرضية هياكل تحالفية تبدأ من اللجان الشعبية لكل حي وقرية وصولاً إلى الهرم القيادي، هكذا تتحول التحركات الجماهيرية ذات الملامح الانتفاضية الشاملة إلى ثورة واعية من أجل الديمقراطية والحرية والدولة المدنية والعدالة الاجتماعية، ودون ذلك ليس إلا عبارة عن تجديد مزيّن للنظام السابق، وهو ما يريده النظام الكوني.

برامج وقيم اليسار تبنتها الحركة الجماهيرية وتسلحت بها في كل من تونس ومصر، وما على أحزاب وقوى اليسار بمجمل تلاوينها إلا أن تتقدم، فالمرحلة هي وقت بناء الأحزاب وتوسيع صفوفها، اليوم وليس غداً …

الحركة الجماهيرية أطلقت الشرارة وأصبح الخوف من القمع ورائها، فهل تبادر الأحزاب والقوى لحمايتها وديمومتها وانتصارها، أم تتخلف مرة أخرى وتعطي الفرصة للأنظمة كي تجدّد نفسها … إنه السؤال الكبير اليوم …

قيم اليسار لا أحزابه في المقدمة …- محمد بهلول

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر, نظريات وحركات يسارية وثورية, الماركسية وكلماته الدلالية , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s