يساريون يحتفون بانتصار مصر: «جاء دورك يا لبنان»

يساريون يحتفون بانتصار مصر: «جاء دورك يا لبنان»

 

جعفر العطار

 

قرر شباب يساريون أن يحتفلوا على طريقتهم أمس بنجاح أولى خطوات الثورة المصرية، فنزلوا، ومعهم رايات مصر وفلسطين، إلى شارع الحمراء، منطلقين منه سيراً على الأقدام إلى مقر السفارة في بئر حسن.

ساعتين ونصف الساعة، مشى الشبان سيراً على الأقدام، تتقدمهم مواكب سيارات تابعة لقوى الأمن الداخلي، وتسير خلفهم آليات عسكرية تابعة للجيش اللبناني، وبينهما عشرات يرددون أغنية الشيخ إمام الشهيرة «شيّد قصورك».

كان باستطاعة الشبان الاتفاق على اللقاء، كالعادة، أمام السفارة المصرية، غير أنهم أرادوا لصوتهم أن يُسمع من حناجر تصرخ بفرح. فضّلوا أن يسمع صوتهم أهالي الحمراء ومار الياس وكورنيش المزرعة، والمارة وسائقو السيارات. كما أرادوا أيضاً، أن يشعروا بالحد الأدنى من التعب الذي أصاب ثوار ميدان التحرير.

ساعتين ونصف الساعة، سيراً على الأقدام، ليست بالتعب الذي يصح أن يُقارن بثقل الكرّ والفرّ الذي تكبده بعض المصريين في أولى أيام الثورة بينهم وبين الشرطة. إلا أنها، تقول في كل خطوة في الساعتين، ما أراد هؤلاء أن يقولوه بعد طول انتظار: «الشعب.. خلاص.. أسقط النظام».

كان هؤلاء، قبل فرار الرئيس المخلوع حسني مبارك من مصر، يتناوبون على التظاهر أمام السفارة المصرية، ومعهم شعارات مكتوبة بخط اليد، تؤازر في كلماتها شجون أبناء «البهية»: «الشعب يريد إسقاط النظام». الشعب أسقط النظام. والشبان، أصحاب الوجوه ذاتها، شعروا بأنهم شركاء في النصر.

في أثناء سيرهم على طريق مار الياس الرئيسي، كان الناس يطلون من شرفات منازلهم، ويخرج بعض العمّال من المحال التي يعملون فيها، ويقفون يتأملون المشهد: شعارات تعبّر عن مطالب جديدة، ورايات مصر وفلسطين ترفرف في الهواء، ووجوه تشرئب أعناقها مع كل هتاف مدوّ.

أول الشعارات الجديدة، التي تكرر ترديدها طوال المسيرة، كانت «الشعب.. يريد.. تحرير فلسطين»، يليه شعار آخر «ثورة ثورة في كل مكان.. جاء دورك يا لبنان». مرددو الشعارات مقتنعون بما يقولونه، غير أن علامات الاستغراب على وجوه بعض من وقف يشاهد المسيرة، كانت تشي بأنهم يسخرون مما يسمعون: فهنا شاب يقول لصديقه «يبدو أنهم صدّقوا بأن الشعب يستطيع».

ومع استكمال المسيرة سيرها، كانت ردّات فعل المارة تتفاوت، فهناك سيدة ترفع شارة النصر، وقبالتها فتاة عشرينية هرعت من محل للمجوهرات، ورفعت يدها محيية الشبان، وثمة رجل سبعيني يحرك عكّازه عالياً ذات اليمين وذات الشمال كأنه يرقص «الدبكة» اللبنانية.

يعلو صوت الشيخ إمام مردداً كلمات الشاعر أحمد فؤاد نجم «شيّد قصورك ع المزارع.. من كدنا وعمل إيدينا.. والخمارات جنب المصانع.. والسجن مطرح الجنينة»، فيعلو معه صوت الشبان. يتزاحم بعض سائقي سيارات الأجرة، عند جسر الكولا ما إن يشاهدوا اقتراب المسيرة، ويهتف أحدهم، بسذاجة: «حا حا».

تشق المسيرة طريقها بين السيارات، وتصل إلى الساحة التي تعوّد أفرادها على الوقوف على أرضها، على مدى ثمانية عشر يوماً. هم لا يقولون إن الثورة انتهت، بل بدأت مع رحيل «الطاغية» الذين طالما طالبوا برحيله. يقولون: «الثورة مستمرة.. أسقطوا كامب دايفيد»، و«الثورة مستمرة.. عاوزينها مدنية مش عسكرية»، و«الثورة مستمرة.. الشعب يريد محاكمة الرئيس (السابق)».

رشاشا المياه اللذان كانا موجهين نحو المتظاهرين في أيام التظاهرات الأولى، أعيد إدخالهما إلى الآلية العسكرية المركونة خلف السياج الحديدي الفاصل بين «العسكر» والمتظاهرين. صور «شهداء ثورة مصر العظيمة» مثبتة على السياج أفقيا. يبدو خالد سعيد، صاحب الشرارة الأولى في الثورة، مبتسماً في صورته.

يردّد المتظاهرون، وقد انضم إليهم مصريون توافدوا منذ الصباح الباكر إلى السفارة، الشعارات التي كانوا يرددونها في المسيرة، والتي كانوا يرددونها قبل تنحي مبارك، لكن بأعصاب مشدودة وحناجر كانت تصدح بقوة أكبر نظراً لحال التوجس التي كانت سائدة آنذاك.

يقف رجلان وفتاة، على الرصيف المحاذي لمبنى السفارة، وأمامهم لوحات تشكيلية. يعتمر علي صالح، وهو فنّان تشكيلي، قبعة معروفة بأنها تليق بذوق الرسامين، ويحمل بإحدى يديه ريشة الرسم، وباليد الأخرى غليوناً. يدخن، ويرسم.

يقول الرجل إنه اتفق مع زميليه على التلاقي على الرصيف عند العاشرة صباحاً، بغية البدء برسم لوحات تشكيلية تعبّر عن آرائهم بالثورة المصرية، وهو ما كان: رسم صالح لوحة زيتية بعنوان «ثورة الياسمين» يظهر فيها جسد البوعزيزي مشتعلاً، وأمامه قدم بحذاء أسود تنزف منها الدماء وحولها زهور الياسمين.

يشرع صالح باستكمال رسم لوحته الثانية بعنوان «النهضة»، والتي يظهر فيها كرسي مخلوع، ورجل ينزع عن يديه قيدا حديديا، وخلفهما وجوه الثورة يتأملون المشهد. يقول الرجل إنه لن يغادر الساحة، في انتظار سقوط الكراسي الباقية.

تنتهي الفنانة التشكيلية رنا كرنيب من إجراء مقابلة تلفزيونية وتعود لتستكمل وضع لمساتها الأخيرة على لوحتها. تبدو اللوحة سريالية، فتوضح كرنيب أن اللون الأسود يمثل الشعب قبل تنحي مبارك، أما اللون الأحمر بخطوطه الطولية فهو يجسد تفتّح الورود الحمراء بعد تنحي مبارك.

تتأمل الفتاة لوحتها عن كثب، وتغيّر بين الحين والآخر مكان ريشتها، كأنها ترسم لوحة عبثية في الشكل، ودقيقة في توزيع الألوان. تقول إن «محطتها» الثانية ستكون على الرصيف المحاذي للسفارة الجزائرية، أما الثالثة «فربما بالقرب من سفارة البحرين، أو أي سفارة يريد شعب بلادها إسقاط نظام الحكم فيه»

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في أخبار من الصحف وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s