في تونس:مسيرة نادرة ونوعيّة تطالب بالعلمانيّة

 

سيّر آلاف المتظاهرين يوم السبت ( 19 – 2- ) مظاهرة جابت شارع بورقيبة بالعاصمة التونسيّة تؤكّد على العلمانيّة ضدّ الإرهاب والتطرّف، وترفع شعارات “تونس لائيكيّة ” ” جمهوريّة لائيكيّة للكرامة والحرّية” “تونس للحرّية لا تجمّع لا رجعيّة” ” الدين للّه والوطن للجميع ” ” العلمانية = حرّية وتسامح “، “العلمانية = حرّية المعتقد “.

 

 

وتأتي هذه المسيرة النوعيّة والنادرة في العالم العربيّ في أعقاب أحداث دقّت ناقوس الخطر أمام النخب التونسيّة، أحداث بدأت بتحويل المساجد عن أهدافها التعبّدية إلى المشاحنات السياسيّة، ثم بالتحرّكات العنصريّة المعادية للمواطنين اليهود التونسيّين، وبحملات التطهير ضدّ بيوت البغاء العلنيّ دون اللّجوء إلى الدولة والقانون، وانتهاء بحادثة القتل الشنيعة التي كان ضحيّتها قسّ بولونيّ مسيحيّ يعمل في مدرسة خاصّة بضاحية منّوبة شمال العاصمة تونس.

 

 

 

أحد المدوّنين علّق على المسيرة ساخرا من أنّ الأوضاع في البلاد قد استتبّت لصالح من أطلقها من الثوّار، ولم يبق إلاّ الالتفات إلى هذا الضرب من المطالب ( يقصد مطالب المتظاهرات والمتظاهرين ). وأضاف متهكّما بأنّ الإصلاح الدستوريّ قد تمّ، وأنّ فلول العهد السابق قد شرع في محاكمتهم، وأنّ مذكرة جلب دولية قد أطلقت في حقّ الرئيس السابق وزوجته وأصهاره وأقربائه، وأنّ البلاد قد طوت بلا رجعة صفحة الفساد والاستبداد، لتفتح صفحة جديدة من الكرامة والعدل والمواطنة حقوق الإنسان. وختم باللهجة نفسها: حلّت جميع مشاكل البلد، ولم يبق إلا فصل الدين عن الدولة !

 

 

يعكس مثل هذا التفكير حالة سوء الفهم التاريخيّ لمبدإ العلمانيّة، واعتبارها ترفا فكريّا لاشرطا من شروط الحياة السياسية الديمقراطية، كما يعكس هذا التعليق ما استقرّ لدى بعض النخب، أيضا، من حرج في الكلام عن العلمانية أو اللاّئكيّة. حرج حمل أحد المثقفين على مفاتحتي، باستحياء، بمقترح عجيب: لم لا نبحث عن معادل لغويّ آخر للعلمانية واللائكيّة مادام سوء الفهم قد غلّف علاقة الجموع بهاتيْن الكلمتيْن، وأن لا أمل مرجوّ في إصلاح سوء الفهم هذا في المدى المنظور؟ فالعلمانية، عندهم، هي الإلحاد، واللّائكيّة تعني معاداة الأديان.. وكلا المفهومين من سجلّ أعداء اللّه، ومن استعمالات الخونة من حزب فرنسا !

 

 

العلمانيّة، اليوم، تمرّ بما مرّت به الديمقراطيّة في فاتحة القرن الماضي. تحدّث طه حسين عمّا وقع لأستاذه أحمد لطفي السيّد وسقوطه المريع في انتخابات محلّية. وذكر أنّ هزيمة “الأستاذ” لم تكن بسبب من شعبيّته المتدنّية، ولا بسبب من برامجه الانتخابيّة الباهتة. لقد سقط الأستاذ في الانتخابات بعد أن أشاع خصمه في الناس أنّ منافسه الليبراليّ ديمقراطيّ ! نعم. لقد “اتّهمه” بالديمقراطيّة، التي لم ينس أن يشرح معناها أمام جمهور من الفلاّحين البسطاء: الديمقراطية هي، بكلّ بساطة، دعوة للـ”حريم” كي يعدّدن أزواجهنّ !

 

 

نفهم، الآن، كيف يمكن أن تتحوّل قيمة هي عصارة تفكير فلسفيّ وحقوقيّ كالديمقراطيّة إلى شيء لم يدر بخلد دعاتها لا في اليونان ولا في أوروبا الأنوار. العلمانيّة اليوم، وبنفس”منطق” الإشاعة هي الإلحاد ومحاربة الدين !

 

 

قد يفاجأ صاحب التعليق الواثق من معارفه كما قد يستغرب الواقعون في الالتباس التاريخيّ كيف تكون العلمانيّة مطلبا حيويّا، وضرورة لا تحتمل الإبطاء، وأنّ المطالب التي رفعها في تونس هؤلاء المتظاهرون من نساء ورجال، وشبّان وشابّات هي بمثابة الدعوة إلى عقد محايث يلزم شركاء الوطن بعيش مشترك لا يقوم على العنف والإكراه والتسلّط والتعصّب والحروب المقدّسة ولا على الحقّ الإلهيّ. وكان من اللافت والمبهج في آن مشاركة العديد من الشابّات والنساء المحجّبات في المسيرة، ورفعهنّ لافتات ترفض التعصّب والإرهاب وتدعو إلى التسامح وحرّية المعتقد.

 

 

إنّ سيرروة التقدّم التي جرّبت فصحّت ( في المجتمعات المتقدّمة ) يمكن أن تصير فرصة تفيد منها، على سبيل الاجتراح المعرفي لا الانتساخ الحرفيّ، نخب البلاد العربيّة والإسلاميّة ومجتمعاتها. إنْ كنّا نطلب التقدّم فلا بدّ من حداثة، والحداثة ليست إلاّ مرادفا للعلمنة. وليس من مهامّ العلمانيّة، في تقديري، محاربة الإسلام ولا غيره من الأديان والمعتقدات. والعلمانية لن تفعل أكثر من إعادة التجربة الروحيّة إلى الفرد وإلى ضميره، وتخليصها من أوهام المطابقة مع الماضي، وهوس الإجماع، والجماعة السياسيّة في الحاضر.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في حول العالم وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s