الزلــــــزال !

الزلــــــزال !

عديد نصار

الثلاثاء, 22 شباط 2011 23:10

خاص الأفق الاشتراكي- فيما كانت قوى السلطة في الوطن العربي مرتاحة إلى ثبات وضعها و استقرار حكمها و تمارس سطوتها على المجتمعات بكل صلف مستندة إلى الدعم اللامحدود لقوى و مراكز الهيمنة الرأسمالية التي تتبادل معها المنافع و تتقاسم معها النهب و الاستئثار بالموارد التي تخص تلك المجتمعات، و إلى مؤسسات البوليس القمعي التي طورتها و دربتها على أيدي الأجهزة الأمريكية و الأوروبية لحدود الاغتراب عن المجتمع و الانفصال عن أهلها

و التي جهزت بأحدث وسائل القمع و أدواته، و إلى أجهزة استخبارات تحيط بكل أركان العمل السياسي و النقابي و الشبابي، و مستندة إلى واقع كون قوى المعارضة إما رسمية انتهازية منفصلة عن الواقع الاجتماعي تشكل ديكورا لتجميل النظام الذي امتاز بالمافباوية الفجة خلال العقدين الأخيرين ، و تبحث لها عن مكان على هامش النظام أو على مقعد ما في سلطته، أو المحضورة التي قلص امتدادها بالملاحقة و القمع و السجون و بالتالي أبعدت عن الواقع الاجتماعي الذي تتراكم فيه الضغوطات إلى درجة .. الإنفجار،

و فيما كانت أجهزة الاستخبارات العالمية و المحلية منشغلة بمتابعة و ملاحقة القوى التي صنعتها الامبريالية ذاتها لتؤدي مهام محددة كإثارة النزاعات و القلاقل هنا أو زرع بذور الانقسام و الاحتراب الداخلي هناك، و خاصة بعض قوى الاسلام السياسي المرتبطة إما مباشرة أو بالواسطة بأجهزة الاستخبارات الغربية التي قد تخرج هنا أو هناك عن السيطرة أو التي يتم تشغيلها في مهام محددة،

و فيما كانت أمريكيا و الكيان الصهيوني و الأنظمة المنخرطة في حروب العراق و أفغانستان و الباكستان و اليمن .. منشغلة بهذه الحروب و بالصراع المفتوح مع إيران و حزب الله ، و غارقة إلى رأسها في تعميم الفساد و ممارسة النهب على أوسع نطاق في كل بقعة من بقاع الوطن العربيدون أي حسيب أو رقيب،

فجأة، و بدون أي سابقة من هذا النوع، حدث الزلزال !

الزلزال الذي فاجأ الجميع تماما كما يحدث في الطبيعة حيث لا يستأذن الزلزال أحدا …

تراكمت الضغوط داخل المجتمعات حتى بلغت مبلغا يستحيل معه استمرار الاستقرار، فكان محمد البوعزيزي الشرارة التي أشعلت النار في هشيم الربوع العربية الذي كان ينتظر تلك الشرارة ليضطرم.

لم تتراكم الضغوط بهذا الشكل و إلى هذا الحد لولا انسداد كل الآفاق و بشكل كامل و في كل الوطن العربي أمام أي احتمال للتغيير و لو جزئيا. أما ما يقال عن إرهاصات سابقة و تحركات اجتماعية مهدت لهذا الاشتعال العظيم، فأنا لا أعتبرها في الواقع إرهاصات أو تحركات كان لها أن تنبئ بكل هذا الذي نعيشه اليوم. فإضرابات عمال المحلة أو تحركات جامعة عين شمس و غيرهما في مصر، أو انتفاضة الحوض المنجمي في تونس .. لم تتخذ لا الطابع الشمولي و لو مطلبيا، و لم تتخذ الطابع السياسي و لو بشكلها المحدود. جميعها كانت تحركات مطلبية محدودة المطالب بحيث لم تلامس السياسي، و معزولة المجال بحيث لم تمتد لتشمل طبقة أو قطاعا كاملا لا في مصر و لا في تونس .. و لكنها كانت تعبر عن هذا الاحتقان هنا أو هناك.

و إذا كانت القوى المعادية للتغيير مرتاحة إلى واقعها و منشغلة بالسياسات ” الكبرى ” في المنطقة كمثل المشاريع الأمريكية و الصهيونية و محاصرة إيران و حزب الله و حماس و المفاوضات الدائمة في القضية الفلسطينية و الانقسام الفلسطيني و كذبة الديمقراطية في العراق و الحروب المتنقلة من أفغانستان إلى اليمن و الصومال .. و إذا كانت قوى المعارضة الرسمية منشغلة في مشاريع ” التغيير الديمقراطي ” و الانتخابات و ما قد تتحصل عليه من مكاسب هزيلة على هامش الأنظمة، فإن المفاجأة لم تقتصر على هؤلاء، بل تعدتهم إلى قوى المعارضة المحضورة التي تسمى جذرية على امتداد الوطن العربي دليل ابتعادها فعلا عن نبض الشارع و ما يعانيه الشباب تحديدا من تهميش و بطالة و ضياع و إفقار و تهجير. و هذا درس لهذه اقوى عليها أن تتعلمه.

و إذ لم تتمكن القوى المعادية للتغيير أن تمنع سقوط بن علي في تونس، فإنها لم تستطع ايضا تدارك سقوط مبارك في مصر، على أهمية مصر و مركزية دور النظام المخلوع في مشاريع القوى الامبريالية و الصهيونية.

إنها المرة الأولى في التاريخ الحديث على الأقل حيث ينتفض المجتمع بكل قواه متجاوزا الجميع و متجاوزا تحديدا تلك القوى التي اعتادت أن تدعي تمثيل مصالحه و العمل على تحقيق تطلعاته من عسكر و أحزاب أو قوى سياسية معارضة رسمية كانت أم محضورة، و بعيدا عن الانقياد إلى تحريض أو توجيه خارجي. وحدها قوى الضغط المتراكم على مدى عقود دفعته إلى التحرك و الانتفاض و الثورة. فانتفض ماردا جبارا لا يمكن لأية قوة أن توقفه قبل تحقيق الشعار الذي عبر عن سخطه و هو : إسقاط النظام !

و إذا كان عنصر المباغتة قد اسهم في الاسراع بتحقق الخطوة الأولى و لكن المهمة من خطوات التغيير في كل من تونس و مصر، فهل يمكن، بعد انتفاء هذا العنصر، لباقي الشعوب التي تخضع لنفس الشروط و تعاني نفس الضغوط ، أن تحقق و بنفس الطريقة ما تحقق لتونس و مصر؟

سواء كانت الإجابة سلبية أم إيجابية فإنه بات من المؤكد أن مابعد محمد البوعزيزي ليس كما قبله. و هذا ينطبق تماما على كامل الساحة العربية ، بل و يتعداها.

و لئن بادرت قوى الهيمنة الرأسمالية و الصهيونية و الأنظمة العربية المتبقية إلى دراسة هذه الظاهرة و إيجاد طرق ما للتعامل معها من جهة، و اتخاذ بعض الإجراءات المستعجلة لتدارك الوضع من جهة ثانية، فإن ذلك لن يسهم في أكثر من تأجيل الانفجار حيث لم يقع، أو إعاقة عملية التغيير في سائر البلدان العربية التي بدأت انتفاضتها و لم يعد مسموحا التوقف أو التراجع، و لمدد متفاوتة من الزمن.

لقد بات من الممكن القول: إن نظام التبعية و الفساد و القهر و النهب و الاستبداد على مساحة الوطن العربي قد سقط. و لم يتبقَّ سوى المراسم الشكلية لتوثيق هذا السقوط.

لقد اثبتت فضائح النهب و الفساد و الارتباط المباشر بجرائم قوى الامبريالية و الصهيونية و التي تكشّفت بقوة في كل من مصر و تونس، و التي تعممت أخبارها في الشارع العربي المفقر و المضطهد إلى أبعد الحدود أن من يتحكم بمصير و مستقبل الشعوب العربية ليس سوى عصابات سرقة و مافيات مرتبطة تمارس أدوار النهب و القهر و الاضطهاد و التبعية للمستعمر و مساعدته في تنفيذ مشاريعه. و تحتكر لنفسها، و تتقاسم مع القوى الخارجية، كل موارد و مقدرات الشعوب و تمنع عنها لقمة العيش و العمل المنتج و أيا من متطلبات الحياة الكريمة.

إلى جانب ذلك، فإن انتفاضة كل من مصر و تونس كسرت جدار الخوف لدى عامة الشعب و أظهرت مدى هزال مواقع السلطة و انعدام أية شرعية لها ، كما وضعت قوى القمع و أجهزة الأمن في موضع حامي السرّاق و الفاسدين و جعلتهم على قدم المساواة مع البلطجية و المجرمين الذين أطلقوا من السجون لممارسة القتل بأجر و لإرهاب الشارع المنتفض و حماية مافيات النظام الفاسد. و هذا كفيل بوضع معنويات تلك الأجهزة الأمنية على المحك خاصة بعد أن تبين لها مدى هزال مواقع أرباب السلطة الذين يسارعون إلى الهرب تاركين رجال الأمن عراة و مكشوفين وجها لوجه أمام مواطنيهم المنتصرين، و في موقع لا يحسدون عليه.

و هذا درس لقوى الأمن .. عليها أن تتعلمه !

هناك الكثير من العبر و الدروس التي كانت ثمرة انتفاضة كل من تونس و مصر. و لكن أريد أن ألفت إلى واحد منها:

لم تنعم مصر و تحديدا شوارع القاهرة في ما مضى بما نعمت به من أمن منذ الأيام الأخيرة للانتفاضة و حتى الآن… و أبسط الأمور، تلفت إليه الفتيات و الصبايا: لم تتعرض أي منا إلى اي تحرش طيلة فترة الانتفاضة برغم الوجود المختلط و الكثيف للملايين في الميادين ..

أخيرا، لا يمكن للكلام أن يقف هنا .. و لا بد أنه للحديث صلة .. أخيرا تعرفت الشعوب العربية أن لها وحدها حق السيادة على مصيرها و مقدراتها و مستقبلها .. و هنا لا بد لنا ان نساند بكل قوة و بكل وضوح و بكل شدة و بكل إصرار شعوبنا العربية المنتفضة، لا بل الانخراط الكامل في انتفاضتها على أمل أن تنتهي بأسرع وقت معاناة الشعب الليبي بإزالة الطاغية، و كذلك أن تتكلل انتفاضات شعوب البحرين و اليمن و الجزائر بإزالة أنظمة التبعية و الاستبداد. و مع الشعبين الفلسطيني و العراقي حتى إزالة الاحتلال و ملحقاته.

 

الزلــــــزال !!!!- عديد نصار

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر, نظريات وحركات يسارية وثورية, الماركسية, حول العالم وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s