الطبقة العاملة في قلب الثورة

مقال مصطفى بسيوني- الطبقة العاملة في قلب الثورة

28/02/2011

الطبقة العاملة في قلب الثورة

مصطفى بسيوني*- الاخبار

 

مع انطلاق الثورة في مصر، كان أكثر الأسئلة ترداداً على ألسنة المتابعين والمشاركين فيها هو: أين الحركة العمّالية؟ السؤال الذي عبّر عن استياء من غياب الحركة العمالية أو ضعفها خلال الثورة، كان يعبّر في الوقت ذاته عن أهمية وجود الطبقة العاملة في خضمّ الانتفاضة بما لها من ثقل نوعي في المجتمع. لم تتأخر استجابة الحركة العمالية لنداء الثورة، فانفجرت سلسلة من الإضرابات العمالية في مختلف القطاعات. وتوالت أنباء الحركة العمالية في بداية الأسبوع الثالث من الثورة، فأصبح من الصعب إحصاؤها وهي تتزايد كل ساعة. لكن قبل الحديث عن بعض الاحتجاجات العمالية، يجب توضيح أمور تتعلق بمشاركة الحركة العمالية ودورها في الثورة.

 

لا يمكن تخيّل غياب تأثير الحركة العمالية التي صعدت إلى قمّتها في السنوات الخمس الأخيرة وأصبحت أهم مراكز النضال ضد السياسات الاقتصادية لنظام مبارك، خاصة عندما بدأت برفع مطالب الحد الأدنى للأجور والحق بتأسيس النقابات المستقلّة. وقد كانت انتفاضة المحلة في أبريل/ نيسان 2008، بعد ثلاثة احتجاجات قوية لشركة غزل المحلة، أكبر دليل على تأثير الحركة العمالية في محيطها الاجتماعي. كذلك لا يمكن تجاهل وجود مجموعات كبيرة من العمّال ضمن الحركة منذ انطلاقها في 25 يناير/ كانون الثاني. والملاحظ أنّ المناطق ذات الطابع العمالي، مثل السويس والمحلة والإسكندرية، شهدت أقوى التظاهرات والمواجهات مع الأمن. لكن ما تجدر الإشارة إليه هو أنّه في بداية الثورة وتطبيق حظر التجول لأوقات طويلة، كانت هناك صعوبة في تجمّع العمال في المنشآت التي أغلق أغلبها ومنح أجراؤها إجازة مدفوعة. ومع ذلك، ظهرت بوادر الإضرابات العمّالية الداعمة للثورة في السويس في شركتي الصلب والسماد. لكن مع تقليص فترات حظر التجول والسماح بتجمع العمال في أماكن العمل، تحوّلت الاحتجاجات العمالية إلى عاصفة حقيقية.

ففي السويس مثلاً، دعا إلى الاعتصام عمّال أكثر من عشر شركات، منها أربع شركات تابعة لهيئة قناة السويس، وإن لم تكن متصلة بالعمل في الممر الملاحي، بالإضافة إلى شركة لافارج للأسمنت والزجاج المسطح وغيرها. كذلك أعلن عمال الشركة المصرية للاتصالات اعتصاماً، وتظاهروا هاتفين «الشركة تريد إسقاط النظام» على غرار هتاف الثورة الشهير الذي عبر من تونس للقاهرة. عمال النظافة والتجميل بالجيزة بدأوا الاعتصام والإضراب وقطعوا أحد الشوارع الرئيسية في المنطقة، وهو ما فعله عمال شركة أبو السباع للغزل والنسيج بالمحلّة.

تلت الموجة الأولى من الاحتجاجات العمالية موجة أقوى، فنفّذ عمال الاتصالات تظاهرات أمام العديد من السنترالات بالقاهرة والمحافظات أسوة بزملائهم في شركة الاتصالات. وأضرب عمال ورش السكة الحديد، ودخل عمال هيئة النقل العام على خط الاحتجاجات العمالية، إذ بدأ موظفو ثلاثة فروع بالإضراب، ثم بدأت باقي الفروع تنضم لهم. ولم يتأخر عمال البريد الذين بدأوا بالتظاهر أمام مقرّ الهيئة الرئيسي بالعتبة، ثم توالت حركتهم بالمحافظات. ولم تخلُ منشآت حيوية مثل المطار وشركات الإنتاج الحربي من التحرّكات سواء بالإضراب عن العمل أو التظاهر والاعتصام. كذلك وصلت عاصفة النضال العمّالي إلى بعض شركات البترول والنسيج في حلوان وكفر الدوار. ولم تستثن التحركات القطاع الصحي، فأعلنت قطاعات التمريض الاعتصام في مستشفيات أسيوط وكفر الزيات والقصر العيني ومعهد القلب وغيرها. والحدث اللافت كان انتفاضة عمال المطابع والإدارة في مؤسسة روز اليوسف الصحافية ومنعهم عبد الله كمال، رئيس التحرير المقرّب من سلطة مبارك، وكرم جبر، رئيس مجلس الإدارة، من الدخول إلى المؤسسة. وكان عمال الجامعة العمالية قد سبقوهم إلى الاعتصام واحتجاز رئيس الجامعة مصطفى منجي، وهو نائب رئيس اتحاد العمال الموالي للدولة وعضو الحزب الوطني.

ليست هذه سوى عينة من الاحتجاجات العمالية التي لا تزال تتفجر في تسارع لم تعرفه مصر من قبل، وتوشك أن تتحول إلى إضراب عام. من التعسف القول إنّ كلّ تلك الاحتجاجات قامت لمساندة الثورة مباشرة، فبعضها قد رُفعت فيها بالفعل شعارات تأييد الثورة الشعبية، وردّد العمال هتافات الثورة ضد النظام وضد التوريث، وفي المقابل، اكتفى البعض برفع المطالب العمالية، سواء الاقتصادية أو النقابية. لكن، في الوقت نفسه، لا يمكن إغفال تأثر الحركة العمالية بالثورة وتأثيرها المحتمل فيها. فانتشار الاحتجاجات العمالية عقب الثورة يؤكد أنّها جزء من حالة الانتفاضة الثورية التي اندلعت في 25 يناير/ كانون الثاني. والملاحظ أيضاً أنّ التحركات انتشرت أكثر في المواقع العمالية التي سبق أن أعلنت الاحتجاجات وكان لها صداها وتأثيرها في المجتمع المصري.

الأهم الآن أنّ انفجار الحركة العمالية على هذا النحو، واحتمال تطورها بتأليف لجان لحماية الثورة ودعمها، كما يتردد في العديد من المواقع العمالية، يعطي طابعاً جديداً للثورة. فالحركة العمالية التي تحضر اليوم بقوّة في الثورة، هي نفسها التي عانت سياسات الخصخصة والتكيّف الهيكلي وتطبيق شروط صندوق النقد الدولي. دخول الحركة العمّالية إلى قلب الانتفاضة، بنضالها وتنظيماتها التي تتطور في هذه الفترة، يضيف البعدين الاجتماعي والاقتصادي إلى الثورة المصرية التي لم تنته بعد.

 

* صحافي مصري

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر, الماركسية, الحركة العمالية والنقابية, حول العالم وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s