الإخوان المسلمون والثورة في مصر

 

الإخوان المسلمون والثورة في مصر

سلامة كيلة

الأحد, 06 آذار 2011 19:52

كتب الأستاذ عصام العريان مقالاً حول دور وموقف الإخوان المسلمين في ثورة 25 يناير المصرية (عصام العريان، يوميات الثورة، الأخبار 24 شباط 2011)، ولقد أشار إلى مشاركة الإخوان في هذه الثورة دون أن يوضح بأن القرار الذي اتخذ قبل أيام من إضراب 25 يناير كان عدم المشاركة،

 

وأن قرار المشاركة اتخذ بعد نجاح اليوم الأول من الإضراب وتحوّله إلى انتفاضة، وبالتالي المشاركة في يوم الغضب (28/1/2011). ولاشك في أن شباب من الإخوان قد شاركوا في اليوم الأول، وكذلك بعض الشخصيات القيادية بصفتها الشخصية، لكن لا بد من التأكيد على أن تحوّل الرفض إلى مشاركة كان نتاج إحساس القيادات الإخوانية بأن الشباب قد نجحوا “في كسر حاجز الخوف من جديد”، وأن “لعبة الفيس بووك” و”شباب المقاهي والنت” قد فجّروا ثورة ليس من الممكن تجاهلها.

 

أشير إلى هذه النقطة من أجل فهم التكتيك الذي اتبعته قيادة الإخوان خلال الثورة، وتتبعه الآن. فقد ترددت في البدء ثم حاولت الاستفادة من الحدث للحصول على اعتراف النظام بها حين دعاها عمر سليمان بعد أن أصبح نائباً للرئيس إلى الحوار، والى الوصول إلى تفاهمات بعد أن كانت قد قدّمت مطالب عشرة في بيان لها صدر يوم 19/1/2011 عن الاجتماع الذي قرر عدم المشاركة في الإضراب يوم 25 يناير، والتي يشير الأستاذ عصام إلى أنه “تحقق ما هو أعظم منها وأكبر”. ولهذا يعتبر بأنه قد “بدأ تحقق معظم هذه الأهداف على أرض الواقع”، رغم أن الشعارات التي طرحت يوم الانتصار (18/2/2011) و يوم الجمعة 25/2/2011 من قبل الشباب والقوى التي قادت الثورة قالت بأن ما تحقق هو جزئي وهامشي. ولهذا بدأ الإخوان النسج على منوال المجلس العسكري في رفض الإضرابات العمالية والمطلبية، واعتبار أنها تضرّ بالثورة ونتائجها، رغم أن هذه المطالب هي الأساس الذي دفع كل هؤلاء البشر إلى تحدي سلطة غاشمة والتظاهر في عز الرعب الذي كان يشكله الأمن المركزي.

 

إن ما يبدو بالتالي هو الميل للتوافق مع الحل الذي طرحه المجلس العسكري، والذي يتقاطع فيما قام به مع المطالب العشرة التي أشار إليها الأستاذ عصام، والتي هي مجال رفض الشعب.

 

ولاشك في أن شباب الإخوان شاركوا بفاعلية رغم أن حجمهم لم يكن كبيراً في هذا الفيض الهائل من البشر، وتنبهوا لتكتيك القيادة بعد أن حاورت النظام الذي عملوا على أن يكون بائداً، فـ “الشعب يريد إسقاط النظام” وليس رحيل حسني مبارك فقط. وآمل أن يظل هؤلاء مع الشعب في مطالبه وليس القبول بحل “وسط”، أو حل التفافي يمكن أن يجري الآن، خصوصاً أن الولايات المتحدة قد رفعت الفيتو على مشاركة الإخوان المسلمين في السلطة، وهو ما رحّب به الإخوان.

 

بخصوص المطالب العشرة، هي أقل مما طرحته الثورة طبعاً، فلم يطرح الإخوان إسقاط النظام، وإذا كان هناك من المطالب ما هو متوافق عليه من قبل كل القوى والطبقات التي شاركت في الثورة، وبعضه لم تطرحه بعض أطراف اليسار، مثل الإصلاح الاقتصادي الحقيقي الذي يقوم على الاستفادة من الفوائض المالية في الصناديق الخاصة، وتعديل أسعار الأرض التي بيعت بأبخس الأثمان والغار المصدر للدولة الصهيونية وما إلى ذلك. وكذلك الإشارة إلى إعادة النظر في السياسة الخارجية. فإن الجماعة لازالت تتمسك بالدستور الحالي، وإن مطالبتها بالتعديل لم تتعدَ ما طرحه حسني مبارك أو اللجنة التي شكلت لهذا الغرض.

 

فالإخوان في تصريحاتهم، ومنهم الأستاذ عصام العريان، لازالوا يتمسكون بالتعديل الدستوري رغم أن مطالب الشعب تتمثل في كتابة دستور جديد. ولا شك في أن الهيكل العام للدستور الحالي الذي يكرّس السلطة المطلقة بيد الرئيس لا يتعارض مع المنطق العام الذي يحكم الجماعة، لهذا لم يطرحوا غير التعديل. ثم أن الجماعة مصممة على بقاء المادة الثانية من الدستور التي تعتبر أن الإسلام هو المصدر، ولقد اعتبر الأستاذ عصام في مقابلة معه أن هذه المادة فوق الدساتير، ولا يجوز المساس بها. فهي المدخل لـ “الأسلمة”، ولقد كانت السند القانوني لمحاكمة نصر حامد أبو زيد، وإعطاء طابع ديني للسلطة القائمة. في وضع يطرح الشعب (والشباب الذي أسهم بفاعلية في الثورة) هدف بناء “الدولة المدنية”.

 

طبعاً هناك مطالب عديدة طرحتها الثورة ولم تتضمنها مطالب الإخوان العشرة، مثل حق العمل والحد الأدنى للأجور. وأيضاً هناك مطالب لا تطرحها الجماعة مثل إعادة الأرض للفلاحين بعد أن صادرها النظام منهم بقانون صدر سنة 1997 لأن الإخوان أيدوا موقف الحكومة. وكذلك إعادة تأميم الشركات والمصانع التي بيعت بثمن بخس وكانت مجال إثراء المافيات الحاكمة، فهذه مناقضة لمنطقهم، ولقد أيدوا البيع كذلك. وهذه المسائل هي التي جعلت الثورة ممكنة أكثر من أي شيء آخر، رغم أهمية المطلب الديمقراطي وتأسيس دولة مدنية.

 

لهذا سيكون الصراع قوياً بين منطق الجماعة والطبقات الشعبية من جهة، وكل الفئات التي تعمل على تأسيس دولة مدنية من جهة أخرى. وهو الصراع الذي سوف يعيد ترتيب وضع القوى واصطفافاتها، بما في ذلك مع أو ضد المجلس العسكري، والدولة التي لازالت هي دولة حسني مبارك.

 

النقطة الأخيرة، وهي التي تفتح على تلمس إمكانيات الاصطفافات الجديدة، هي إشارة الأستاذ عصام العريان إلى أنه قد بدأ تحقق معظم الأهداف التي طرحتها الجماعة، أي الأهداف العشرة، رغم أن ما تحقق منها هما البندين الثاني (حل مجلس الشعب) والثالث (التعديلات الدستورية)، والتوافق على إنهاء حالة الطوارئ بعد ستة أشهر. ربما تكون الصيرورة التي اختارها المجلس العسكري مناسبة للجماعة لهذا اعتبر الأستاذ عصام أنه بدأ تحقق معظم الأهداف، خصوصاً وأن لجنة تعديل الدستور ضمن واحداً من الجماعة.

 

كل ما أشرت إليه يهدف إلى طرح السؤال: ماذا يريد الإخوان الآن؟ هل الإكمال مع الشعب أم التوافق مع المجلس العسكري الذي بات يمثل السلطة ذاتها التي صاغها حسني مبارك، مع تعديلات ضرورية يجريها من أجل امتصاص نتائج الثورة؟

 

ظني بأن الأمور تشير نحو تحالف جديد بين الجماعة والمجلس العسكري. ولاشك في أن استعجال الانتخابات سوف يساعد على أن تحصل الجماعة على عدد كبير من المقاعد وأن تشارك في الحكومة التي تلي الانتخابات. ولتسقط كل مطالب الثورة وكل “أحلام” الشباب، حتى شباب الإخوان. فالجماعة لا تختلف مع النظام في النمط الاقتصادي الذي يجب أن يسود، لأنها تنشط في المجالات ذاتها التي تنشط فيها الرأسمالية المسيطرة، أي التجارة والخدمات والعقارات. وبالتالي فهي ليست معنية بتغيير هذا النمط، وكان يبدو من خلال الصراع “المرير” الماضي أنها تبحث عن موقع لها، وحصة لمصالحها.

 

الإخوان المسلمون والثورة في مصر- سلامة كيلة

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في حول العالم وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s