علمنة الوعي

علمنة الوعي

 

 

 

 

هشام غصيب

2011 / 3 / 9

 

إن مشروع علمنة الفكر هو في أصله مشرع البرجوازية الغربية في مرحلة صعودها. هذا ما أكدناه مراراً وتكراراً في مقالاتنا. ونعني بالعلمنة فك ارتباط الفلسفة باللاهوت وتعميق ارتباطها بالعلم، أي تحريرها من سطوة اللاهوت والدين. لكن مفكري البرجوازية الغربية الصاعدة لم يفلحوا تماماً في ذلك، وإنما وصلوا إلى طريق مسدود. لقد أفلحوا في أمرين: أفلحوا في بناء رؤية مادية للوجود من جهة، وأفلحوا في بناء دين العقل. لكن مادية البرجوازية الصاعدة (المادية الميكانيكية أو الميتافيزيقية) كانت ناقصة، فلم تفلح في استيعاب الإنسان وعالمه. أما دين العقل، فلم يصل إلى علمانية منسجمة مع ذاتها، وإنما أعاد إنتاج الدين التقليدي بأدوات حداثية (هيغل تحديداً). إذاً، فقد عجزت مادية البرجوازية الصاعدة عن استيعاب عالم الروح (عالم الإنسان)، فتركت أمر ذلك إلى المثالية، التي استوعبت هذا العالم بطريقتها التجريدية المقلوبة والمغتربة. وهذا ما أشار إليه كارل ماركس في أطروحاته حول فويرباخ (1845).

 

ولم تكتمل العلمنة وتنسجم مع ذاتها إلا بالمادية الجدلية، مادية الطبقة العاملة، مادية ماركس وإنغلز. كان على المادية أن تصبح جدلية (هيغلية) حتى تستوعب عالم الروح (الإنسان) وتحل محل المثالية. كان عليها أن تستوعب المثالية (دين العقل تحديداً) نقديا، ومن منظور الطبقة النقيض، حتى يتسنى لها ذلك. ولكن، هل اكتملت العلمنة فعلاً بالمادية الجدلية (بالماركسية)؟ وبالأحرى، إلى أي مدى اكتملت؟ وهل يمكن أن تكتمل؟

 

هذه أسئلة لا بدّ من مجابهتها بعقل مفتوح، ومن دون تشنج، إذا أردنا فهم المشروع الماركسي فهما عميقاً. فالمشروع الماركسي ليس مجرد فلسفة للنخبة الفكرية والمعرفية، برغم عمقه الفكري والدرجة العالية من التجريد التي وصل إليها. إنه في جوهره المشروع التاريخي لطبقة اجتماعية رئيسية، للطبقة العاملة الحديثة. هذا ما أكده أصحاب المشروع، وهذا ما تؤكده الوقائع التاريخية في القرن العشرين. وعليه، تغدو مسألة علاقة النظرية الماركسية بالجماهير الكادحة مسألة محورية لا مفرّ من مجابهتها. لذلك نجدها تشكل محور اهتمام القادة الماركسيين الكبار، مثل لينين وروزا لوكسمبورغ وماو. أما على الصعيد الفلسفي، فإن أعمق من تناولها هو أنطونيو غرامشي، مؤسس الحزب الشيوعي الإيطالي، وبخاصة في “دفاتر السجن” التي كتبها في الثلاثينيات في سجون موسوليني.

 

والسؤال الجوهري هنا هو: هل تظل النظرية الماركسية علمانية معلمنة بعد أن تتملك جماهيرها و “تهبط” إليها؟ أم هل إن وعي الجماهير، بما في ذلك الطبقة العاملة الصناعية، إيماني ديني غير نقدي في أساسه وجوهره؟ هل على الماركسية أن تحول نفسها إلى دين جديد حتى تتحول إلى فعل جماهيري؟ وهل حصل ذلك في القرن العشرين؟ هل إن الشرخ الكبير بين الماركسية السوفييتية وما يسمى الماركسية الغربية يعود إلى ذلك تحديداً؟ ألا يفسر ذلك الطابع الفلسفي الرفيع للماركسية الغربية مقارنة بالماركسية السوفييتية العقائدية الطابع؟ هل كان على ماركسية ماركس وإنغلز الرفيعة أن تهبط إلى مستوى ماركسية بليخانوف وكاوتسكي ومارتوف حتى تصبح صالحة بوصفها آيديولوجية الأحزاب الديموقراطية الاجتماعية الجماهيرية الطابع؟ هل كان على ماركسية لينين وتروتسكي الرفيعة أن تنحدر إلى مستوى ماركسية ستالين حتى تصلح بوصفها آيديولوجية نظام استبدادي تنموي في مجتمع نامٍ؟ ولكن، ألم يحصل الشيء ذاته، أو شيء شبيه، مع المسيحية والبوذية، وربما مع الإسلام أيضاً (من علياء المسيح إلى بولص فأباطرة روما، ومن علياء محمد وعلي إلى معاوية والسلاطين)؟

 

لقد أدرك غرامشي، كما أدرك لينين من قبله، أن الطبقة العاملة لا تصبح قوة مستقلة قادرة على تحقيق المشروع الماركسي الاشتراكي إلا إذا نظمت نفسها، أي بنت منظماتها ومؤسساتها العمالية المستقلة، بما في ذلك الأحزاب العمالية المرتبطة عضويا فيها. وأدركا أيضا الدور الحيوي للمثقفين الثوريين، حملة النظرية الماركسية التامة العلمنة، في تلك العملية التنظيمية. فالمشروع الماركسي والطبقة العاملة كلاهما نتاج للآليات الجدلية التناقضية للرأسمالية. لكن الرأسمالية لم تولدهما ملتحمين عضويا، وإنما منفصلين، وإن كانت بنيتاهما الداخليتان تجعلانهما تسعيان بالضرورة إلى حالة الالتحام هذه، لأن استمرار تطورهما يستلزم ذلك. وعليه، فإن لحملة النظرية التامة العلمنة دوراً أساسيا في تنظيم حاملة المشروع الماركسي الاشتراكي، أي الطبقة العاملة. أي إن لهم دوراً حيويا في بناء الطبقة العاملة لذاتها أعني استكمال بنائها بوصفها أداة واعية للثورة، أي قوة واعية للتغيير التاريخي. فهم ليسوا مجرد متفرجين أو معلقين أو مبشرين، وإنما عنصر ضروري في العملية الثورية برمتها. ولعل أكثر من أدرك ذلك هي البرجوازية نفسها، بدليل الجهود الجبارة التي بذلتها، والموارد الهائلة التي خصصتها، من أجل مقارعة الفكر الماركسي وتشويه صورته وتلويثه وحجبه، ومن أجل تدمير المنظرين والقادة الماركسيين أو عزلهم عن الجماهير أو إحباطهم أو شراء ضمائرهم وحرفهم عن مسار الثورة.

 

إذاً، فإن المنظر الماركسي ينخرط بالضرورة في النضال الطبقي وفي عملية بناء الطبقة العاملة بوصفها قوة اجتماعية منظمة وواعية. لكنه، بذلك، لا يشتغل على كتلة صماء عديمة الإرادة، وإنما على محيط من الإرادات المتنافرة، المتشعبة العلائق، المتعددة الأفكار والرؤى والتجارب الحياتية والمهارات والقدرات والطموحات، والمتأججة العواطف المكبوتة والأخرى المتفجرة. لذلك، فإنه من السذاجة الظن بأن المنظر الماركسي يؤثر في هذه الكتلة النابضة من دون أن يتأثر بها. إنه لا بدّ أن يتأثر بها بقدر ما يؤثر فيها، وربما أكثر مما يؤثر فيها. ولكن، كيف بتأثر بها؟ والأهم من ذلك، كيف عليه أن يغير ذاته حتى يؤثر فيها؟ ذلك أن وظيفة أساسية من وظائف المنظر الماركسي (والحزب الماركسي) هي توحيد الإرادات المتنافرة في إرادة عامة واحدة ومؤثرة. لكن ذلك يستلزم رفع الوعي الجماهيري من مستوى الإدراك السائد العفوي والمشظى إلى مستوى الإدراك المنظم المتماسك. وهنا يبرز السؤال: أي نمط من الإدراك المنظم المتماسك يمكن أن تتحمله وتستوعبه وتحمله الجماهير، في ظل ظروف حياتها الصعبة، والهيمنة الثقافية للبرجوازية وحلفائها الرجعيين (رجال الدين مثلاً)، والمستوى المتدني لثقافتها وتعليمها؟ وهل يستطيع المنظر الماركسي أن يعزل فكره المتقدم عن هذا الوضع، أم إن انخراطه في تنظيم الجماهير يدفعه بالضرورة إلى التنازل عن بعض معايير فكره، بما في ذلك المعايير المحكمة للمادية العلمية المعلمنة، من أجل أداء وظيفته؟ ألا يربض هذا التناقض الممض في قلب الفكر الماركسي ويلوث علمانيته التامة، بعض الشيء؟

 

إنها لمعضلة حقيقية لا يجوز تجاهلها أو التقليل من شأنها. لكن غرامشي لم يبرزها لكي يبين استحالة علمنة الوعي الجماهيري، أو استحالة نجاح مشروع علماني تام العلمنة، وإنما أبرزها من أجل تخطيها والتغلب عليها. إذ رأى أن مجابهتها والتغلب عليها شرط أساسي لتحقيق المشروع نفسه. لكن ذلك يستلزم نضالاً ثقافيا تعليميا عنيداً. ولعل غرامشي كان من القلة من قادة الحركة الشيوعية الذين أدركوا الأهمية القصوى للثقافة والتعليم في تحقيق المشروع الماركسي. وبالمقابل، فإن جلّ قادة الأممية الثانية، والكثيرين من قادة الأممية الثالثة، لم يولوا هذه المسألة الاهتمام الذي تستحقه، وإنما اختزلوا النضال الطبقي إلى مجرد نضال اقتصادي من أجل رفع أجور العمال وتحسين شروط العمل. ولم يدركوا أن العمال لا يمكن أن يبنوا مجتمعاً اشتراكيا بوعي مثقل بالفكر اللاهوتي ما قبل الرأسمالي. ولم يدركوا أن بناء الاشتراكية لا يأتي عفويا على أنقاض الرأسمالية المأزومة أو المنهارة، وإنما يتم بوعي متقدم تطهر من حدود الماضي وتحيزاته وخرافاته. ولا يبنى الوعي العمالي الثوري المتقدم بالصراع الاقتصادي الضيق وحده، وإنما أيضا بالصراع السياسي والفكري. لذلك، كان على القادة الماركسيين الثوريين الكبار، وفي مقدمتهم لينين وغرامشي (وماو لاحقاً)، أن يخوضوا نضالاً فكريا ضاريا ضد النزعة الاقتصادوية وحملتها على مدار عقود. فقد أدركوا أن ماركس لم يقتصر إنجازه على مجرد صنع أداة نقابية فعالة، وإنما دشن مشروعاً حضاريا ثقافيا جديداً يهدف إلى خلق نمط جديد رفيع من الحياة الإنسانية، وروحية ثقافية جديدة، ونظام قيمي جديد. لذلك، فإنه لا يمكن تنفيذ المشروع الماركسي بالوعي السائد للطبقة العاملة، الذي يعكس هيمنة البرجوازية وحلفائها الرجعيين (رجال الدين مثلاً) على الوعي العمالي، والذي يمكن اعتباره أقرب إلى اللاوعي منه إلى الوعي. إن تنفيذ هذا المشروع يستلزم تحطيم الوعي السائد، وتفكيكه إلى عناصره المتنافرة، وبيان تهافته، بشتى الطرائق الثقافية والإعلامية والتربوية، والسعي إلى إحلال وعي نقدي متماسك مكانه. ومن ذلك تنبع ديموقراطية لينين وغرامشي وإصرارهما على ضرورة المشاركة المتنامية للجماهير العمالية في السياسة والثقافة عبر المجالس والمؤسسات الشعبية المتنوعة. هكذا تتملك الجماهير الفكر الماركسي العلماني التام العلمنة، وهكذا يتطور هذا الفكر.

 

لقد أدرك غرامشي أن خللاً ما قد دبّ في هذه المعادلة منذ وفاة ماركس (عام 1883)، ووضع نصب عينيه فهم أسباب هذا الخلل والعمل على إزالته. ورأى أن الفكر الماركسي بعد وفاة ماركس عانى شرخاً جليا بين بعده الجدلي الثقافي وبعده المادي. فكان أن تملك البعد الجدلي الثقافي بعض مفكري البرجوازية، أمثال الفيلسوفين الإيطاليين الهيغليين، كروتشي وجنتيلي. أما البعد المادي، فقد تملكه قادة الأممية الثانية، وفي مقدمتهم بليخانوف الروسي وكاوتسكي الألماني. لكنهم تملكوه بمعزل عن البعد الجدلي. لذلك نعت غرامشي ماديتهم بالمادية المبتذلة. وعزا هذا الانحلال والتدهور، جزئيا على الأقل، إلى تدني مستوى الوعي العمالي في أوروبا في مطلع القرن العشرين واحتوائه كثيراً من العناصر الدينية ما قبل الرأسمالية، والتي تنطوي على نوع من المادية الفجة المبتذلة. لذلك، اعتبر غرامشي مادية الأممية الثانية نوعاً من التنازل للوعي السائد. إلى أي مدى كان محقاً في ذلك؟ هذا ما قد نجيب عنه في مقالات لاحقة.

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر, الماركسية وكلماته الدلالية , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s