حرب المال تشتعل فجأةً في لبنان

حرب المال تشتعل فجأةً

 

سمع سلامة، الأسبوع الماضي في واشنطن، كلاماً لم يسمعه من قبل (أرشيف ــ بلال جاويش)

كان يمكن أن تكون خبار «البنك اللبناني الكندي»، الذي اتخذ قرار بتصفيته فعلياً عبر دمجه قسرياً بـ«سوسيتيه جنرال»، حالة منفردة، لولا ما يُسمع في الكواليس عن أن ما تعرّض له هذا المصرف ما هو إلا بداية لمنهج ما بدأ اعتماده بالتعاون بين أطراف معيّنة في واشنطن مع أطراف داخلية، تريد الانتقام من فشل تآمرها خلال تموز 2006.

 

حسن خليل

ثلاثة مصارف متوسطة، إضافة إلى «البنك اللبناني الكندي»، تحت المجهر وبعض الأسماء الكبيرة أيضاً. تهديدات مبطّنة من هنا وهناك. ما الذي حصل في لبنان كي تفتح ملفّات قطاعه المصرفي بهذا الشكل وتُتّهم أطراف محلية بالوقوف وراء هذه المؤامرة ويردّ بعدها فؤاد السنيورة ببيان على منوال الاتهام، وأسوأ، فيه تهديدات مبطّنة أخرى بأن لقمة العيش باتت مهددة اليوم. وفقط بعد نزول فريقه عن العرش

 

، أصبح معنيّاً بالمعدمين. كان وفريقه في الحكم 17 عاماً يفتخر بالثقة بلبنان وقطاعه المصرفي.

حرب تحرير وقصف إسرائيلي واغتيال الرئيس رفيق الحريري وحرب تموز و7 أيار واعتصام في الساحات وحوادث أمنية مخيفة لم تثن اللبنانيين بنظره عن التحويل النقدي لأنهم يثقون بإدارته. لا لجان الرقابة على المصارف المتعاقبة ولا أجهزة الرقابة الدولية «لاحظت» أي مخالفة للمصارف اللبنانية. فقط عند دخول لبنان في سلسلة «الإصلاحات الإقليمية» استفاقت تلك الأجهزة الرقابية ومخبريها في لبنان إلى المخالفات الجنائية لبعض المصارف.

الآن، أصبح لبنان مشاغباً ومركزاً للعمليات المشبوهة. ألم يعلم الفريق الحاكم السابق بتلك العمليات؟ إن كان يعلم بها وغطّاها فهو مشارك، وإن كان جاهلاً لها فهو لم يكن جديراً بالحكم كل تلك الفترة. لكن الأكيد أن المواطن يعلم الحقيقة، ويريدها كما هي، المطالبة بكشف الحقيقة لثورة الأرز.

ارتفعت الودائع من 30 مليار دولار سنة 1998 إلى 130 ملياراً اليوم، والدين العام من 13 ملياراً إلى 65 ملياراً في الفترة نفسها. لم نسمع إلا عن إطراء بالاقتصاد اللبناني وأداء القطاع المصرفي وحنكة رياض سلامة الذي وقف مذهولاً أمام مَن قابلهم في واشنطن الأسبوع الماضي. سمع كلاماً لم يسمعه من قبل. صاحب الثقة من كل الأطراف، الحائز جوائز الأداء بين المصارف المركزية العربية والعالمية أصبح في موقع الدفاع عن النفس والمساءلة حول جهازه الرقابي. صندوق النقد الدولي الذي غطّى معظم تجاوزات وزراء المال وعرّابهم الأساسي أصبح مع وزارة الخزانة الأميركية في حال تأهّب قلقة لممارسات بعض المصارف اللبنانية. غابت عبارات الثقة في «النمو المستدام» لتحل محلها تحليلات محلية وواشنطنية، عن «البؤرة» اللبنانية. بكلام آخر، لم يستطع فريق 14 آذار مواجهة التبدّل السياسي (لأن مع الطرف الآخر «سلاحاً غير شرعي»)، فاستدعى من حليفه الرئيسي سلاح الاحتياط: الضغط المالي. انضمّ هذا الفريق إلى زعماء ميليشيات الحرب الأهلية بمنطق: «إمّا أن نحكم هذا البلد أو نحرقه على رؤوسهم». منطق انتحاري قد يصل حريقه إلى عقر دارهم قبل أن يطال أكواخ الفقراء والمعدمين. المغامرة والمغامرون لم يكونوا في تموز 2006، بل مَن يلعب بالنار كما اليوم. نزعة انتحارية تحكم عقول مَن أُخرجوا من الحكم بعد 17 عاماً من الفساد وزرع الأزلام وتسخير القضاء وتحويل بعض القوى الأمنية إلى أجهزة خاصة وتركيب مديونية 16.250 دولاراً على كل طفل وامرأة ورجل وكهل. عقول جنّت عندما خسرت جنة الحكم. يعتقدون أنهم بما يقومون به سيضربون الاغتراب اللبناني المكافح بعرق الجبين منذ 100 عام في أفريقيا، لأنهم ينتمون إلى طائفة معيّنة. لا المصارف اللبنانية تستجلب الإعجاب الشديد ولا الاغتراب اللبناني معني بما يحصل في السياسة اللبنانية. بصراحة أكثر، ومنذ أن ظهرت المقاومة، جعل المغتربون اللبنانيون في أفريقيا مسافة كبيرة بينهم وبينها لأنهم يعلمون خطورة ارتباط المال بالسياسة. أما المغامرون الانتحاريون فيعتقدون أنهم بضرب أو إيذاء الانتشار الاغترابي سيضعفون بنية المقاومة. هذه هي السذاجة بذاتها. فلا المقاومة احتاجت إليهم ولا الاغتراب في حضن المقاومة كما يريد المغامرون تصويره، بل يسعى وراء كسب قوته.

لكن الأخطر في كل ما يخطط أن المراهنين على زعزعة القطاع المصرفي يحسَبون أن الضرر سيكون محدوداً ويطال فئات معيّنة. يتجاهلون، وبعضهم مصرفيون سابقون، أن الثقة تُبنى بسنوات وتدميرها يحتاج إلى لحظات. هم يراهنون على أن الانهيار مهما بلغت درجاته يمكن استيعابه، ولكن بعد أن «يكفر» جمهور المقاومة بها وينتفض عليها وينضم إلى «ثورة الأرز» التي وحدها تعرف فنون الإدارة والاستقرار المالي ولو مع تركيب الديون وسوليدير وسوكلين والهيئة العليا للإغاثة ومجلس الإنماء والإعمار والمجلس الأعلى للخصخصة، وبعد «الانهيار» تعود على أحصنة بيضاء وتجرّ وراءها عربات الأموال التي سيضخّها الغرب والخليج لتعويم الأوضاع كي لا تتكرر تجربة الانتفاضات في لبنان. «نحن فقط ندير الودائع ونبتزها في الاستدانة، وإلا فلتحترق مع أصحابها».

هذا التفكير يطرح السؤال: إلى أين؟ وبماذا يختلف لبنان عن باقي الدول التي يستخدم فيها سلاح المال السياسي؟

ها هو لوران غباغبو الذي خسر الانتخابات في شاطئ العاج صامد في موقعه، ولديه جيش وميليشيا بعدما صادر إنتاج الكاكاو والقهوة يستعمله تمويلاً ضد العالم كله. معمّر القذافي يرسل ويتسلّم حقائب مال تساعده في توظيف مرتزقة من تشاد إلى الكونغو. زين العابدين بن علي وزوجته وأقاربها كانوا نموذجاً آخر لـDYNASTY الحريرية والسنيورية، كما كانت حال حسني مبارك وربعه (البعض منهم اليوم أعضاء في لجان الإصلاح الثورية). سودان عمر البشير أصبح حليفاً بعدما حُذف من لائحة الإرهاب، وكان رئيسه مطلوباً من المحكمة الجنائية بتهمة إبادة وجرائم ضد الإنسانية، لأن فضيلته هي تخلّيه عن جزئه العائم على النفط والمشعّ باليورانيوم.

لا إحراج للغرب أن يدعو إلى ضبط النفس عند اهتزاز عرش أحد الحلفاء، ولا إحراج أن يعلن أن «الوقت حان لإرساء الديموقراطية في الشرق الأوسط»، وكأنه كان مسموحاً عكس ذلك قبل هذا التصريح.

لا يتعلّم قادة المنطقة أبداً من دروس غيرهم. البارحة، الرئيس الفلاني حليف قوي ولو عاث في الأرض فساداً ونهب مقدّرات الدولة، وفي اليوم التالي تجمّد أرصدته وتُمنع طائرته من الهبوط. ولتدارك الأمور، قرر ملك البحرين صرف 1000 دينار لكل عائلة، وقررت السعودية إنفاق 37 مليار دولار إضافية على الموازنة.

أما في لبنان، فالمال السياسي وصل إلى قمة استعماله في السنوات الخمس الأخيرة. فيلتمان يعترف بـ500 مليون دولار لتشويه صورة حزب الله، والخبراء يقدّرون المال الانتخابي الأخير بـ900 مليون دولار، وتظهر وثيقة ويكيليكس أن السعودية خصّصت ما يفوق مليار دولار لدعم بعض المجموعات السنيّة في وجه حزب الله.

بات الهدف ضرب مال عرق الجبين في أفريقيا، بينما استجلبت كل الأموال التي تدور حولها علامات الاستفهام للأنظمة المنهارة، آخرها المال التونسي الذي تطالب به الحكومة الجديدة.

قضي على الزراعة التي يرتبط بها 60 في المئة من الشعب اللبناني بسبب الفورة العقارية المصطنعة، وعلى الصناعة التي تخلّفت عن كل جوارها، واحتُكرت الوكالات تحت ستار الاقتصاد الحر لتزيد الأكلاف على محدودي الدخل. أُفسد شعب بكامله بالفوائد الريعية والاقتصاد الورقي، ونَمَت مناطق النفوذ المالي مع إهمال شبه كامل للأطراف.

لذلك، يتساءل المراقبون، وخصوصاً في ظل الانهيار الاقتصادي والمالي: هل سيبرهن «فريق الإصلاح» عن قدرته على إدارة الاقتصاد والمال، وإقناع جمهور الطرفين بخرافة الوهم الذي سيطر عليه بأن البلاد لا تُدار إلا من خلال فساد السلطة والمال الذي حكم لبنان لـ20 عاماً؟

ثلاث ميّزات يحتاج إليها الفريق الآتي إلى السلطة: الكفاءة في الإنجاز، النزاهة في التنفيذ، والجرأة في التعبير ومواجهة التآمر. هل سيكون على قدر التوقّعات والمسؤولية؟

 

الشعب يريد إسقاط السلاح … المالي

 

قد يكون الرئيس المكلف تأليف الحكومة نجيب ميقاتي في حالة تأمّل أمام ما يحصل في لبنان والعالم العربي. انتظر خمس سنوات ليزيل عنه ما يعتقد أنه ظُلِم به في 2005 وعزم على طرح نفسه رئيساً للحكومة اللبنانية المقبلة غير متوقّع أن العالم من حوله يتغيّر جذرياً في خلال أيام فقط وكأن تعقيدات التركيبة اللبنانية وجوارها السوري لا تكفيه لتضيف إليه كل التحوّلات الإقليمية وارتداداتها العالمية التي لطالما انتظرتها الشعوب العربية. أربعون عاماً تظهر نتائجها في ساعات متلاحقة.

الرئيس المكلّف يأتي من عالم المال والأعمال، ويعرف تماماً زواريب هذا العالم، كما يعرف ارتباط السياسة بالمال والعكس. يعلم تعقيدات المحكمة الدولية وموضوع السلاح، لكنه على الأرجح لم يكن يتوقّع أن يُستعمل في وجهه سلاح ابتزاز القطاع المصرفي نتيجة ارتباطه بالمديونية العامة التي هندسها فؤاد السنيورة الذي تظهر بصماته بوضوح في مجريات الأمور. مديونية لم تتراكم عن جهل، بل إلى أجل مسمّى حان قطافه في وجه مَن يجرؤ على مواجهة مهندسيها. إنها القنبلة الكيميائية التي هُندست بتمعّن وإتقان: «إمّا أن تكون تحت سيطرتنا نتحكّم نحن بمفاعيلها التركيبية أو نفجّرها أسيداً بتوجيه العالِم الكيميائي ستيوارت ليفي في وجوه مَن يجرؤ علينا. هذه معادلتنا ونتحدّى أن تحكموا مكاننا أو كما يقول نهاد المشنوق بدوننا».

القطاع المصرفي، مع كل سطوته وشوائبه، بخير، والمصارف بخير، ونجيب ميقاتي ومَن معه بالسياسة بخير، واللبناني الذي انتظر، كما الشعوب التي انتفضت، أن يتحرّر ليتخلّص من الجبروت المزدوج للسلطة والمال، بخير. يبقى السؤال: هل يعرفون جميعاً أنهم بخير وأن للتهديد حدوداً في النظام الرأسمالي الحر؟ والأهم، هل يعرف الانتحاريون الدامغة بصماتهم في التآمر على أرزاق الناس ما قد يكون ردّ هؤلاء الناس إذا ما نجحوا، لا سمح الله، في ضرب لقمة العيش؟ عندها تسقط المحرّمات وتبحث عنهم شعوبهم كما فعلت شعوب مصر وتونس واليمن وليبيا.

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في أخبار من الصحف وكلماته الدلالية , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s