مبادئ الماركسية في الوضع الراهن

مبادئ الماركسية في الوضع الراهن

 

 

 

 

سلامة كيلة

2011 / 3 / 5

 

تحتاج الحركة الماركسية في الوقت الراهن إلى مبادئ عامة تكون أساس عملها و منطلق نشاطها، الأمر الذي يفرض الانطلاق من تاريخها من أجل بلورة تلك المبادئ انسجاما مع الوضع الراهن، و لكي تعبّر عن تطلّعات مستقبلية و حاجات تخصّ البشرية و تعيد بناء أحلامها في مستقبل خال من الاستغلال و الاضطهاد و النهب و الحروب و الدمار، وقائم على العدالة و المساواة و التكافؤ و السلام و التفاعل المتبادل.

 

لهذا يمكن تحديد المبادئ التالية كونها إطار عام يشكّل المقدمة لمبادئ تكون هي الخطوط العريضة للحركة الماركسية:

أ‌) أن الهدف الأساس الذي يشكّل محور اللحظة الراهنة هو إعادة بناء الحركة الماركسية لكي تصبح قوّة فعل في الوطن العربي، من أجل أن تسهم في فتح أفق نحو التطوّر و الاستقلال و التوحيد القومي، بعد أن عادت السيطرة الإمبريالية و أحكمت هيمنة الرأسمالية التابعة المحلّية.

ب‌) و هذا يقتضي إعادة الاعتبار للماركسية كونها أداة تحليل فاعلة قادرة على وعي الواقع بشموليته و عمقه و كونيّته، و كونها قادرة على التحوّل إلى حركة اجتماعية ناشطة توحّد و تنظم و تفعّل الطبقات الفقيرة و بالخصوص العمال و الفلاحين الفقراء كونها المعبّر الحقيقي عنهم.

ت‌) الدفاع عن الاشتراكية كونها أفق البشرية و مخرجها من همجيّة الرأسمالية و وحشيتها، و كونها المخرج لتناقضاتها التي تفضي إلى خطر الدمار، كون الاشتراكية هي البديل الحقيقي للنمط الرأسمالي العالمي.

ث‌) و انطلاقا من ذلك يجب العمل من أجل صياغة التصوّرات و المهمات التي تسعى الحركة الماركسية للعمل وفقها و لتحقيقها.

 

أ) مبادئ عامة

 

من أجل ذلك يمكن تحديد المبادئ العامة التالية:

 

1) أن الأساس الذي تقوم عليه الحركة الماركسية يتمثّل في المسائل التالية:

أولا: التزام الماركسية بما هي أداة منهجية تتأسس على الجدل المادي تسهم في وعي الواقع بصيرورته ( و بالتالي بتاريخيته) و تنوّعه و تعدّد تناقضاته و بدور البشر فيه. و كذلك الماركسية بما هي طوح للتغيير لأن وعي الواقع هو مقدّمة تغييره عبر التحديد الصحيح لدور الطبقات المختلفة فيه.

ثانيا: أن الحركة الماركسية هي التي تعبّر عن مصالح الطبقة العاملة و عن الفلاحين الفقراء، مصالحهم المطلبية و السياسية و تسعى لأن تكون جزءا منهم و المنظّم و المفعّل لنشاطهم و الذي يدفع هذا النشاط نحو تحقيق تلك المصالح، و بالتالي فهي جزء عضويّ منهم لكنها يجب أن تضيف الوعي ( بالاستناد إلى الماركسية) و التنظيم و بالتالي الهدف النهائي.

ثالثا: و هي تعبّر عن المصلحة العامة لمجمل الأمة في نزوعها نحو التحرّر و تحقيق التطوّر، لكنها كذلك تسعى لأن تزيل التناحرات فيها من أجل انتصار مبادئ إنسانية سامية تلغي الاستغلال و الاضطهاد و عدم المساواة و تؤسس عبرها لعلاقات أممية حقة.

رابعا: الانطلاق دائما من الواقع الملموس و الالتزام بالبرنامج الواقعي المنطلق من تحليل الواقع لتحديد المهمات و آليات التغيير.

 

2) إن هذا التحديد العام يفرض أن تكون كل القضايا الأخرى مجال نقاش و حوار،مع التأكيد على تعدّد الآراء و حق الاختلاف، حيث يجب تجاوز الأحادية و حق ” امتلاك الحقيقة” إلى مبادئ تكرّس التنوّع و التعدّد و بالتالي الحوار كمدخل للوصول إلى الحقيقة، و كأساس لوعي الواقع و تحديد التصوّرات و المهمات.

3) و لكي يكون ذلك ممكنا يجب تجاوز الشعور بالانتماءات و ” العصبيات” السابقة التي كانت تعبّر عن تناقضات مرحلة محدّدة أو عن اختلاف الرؤى لطبيعتها و لدور الحركة الماركسية فيها نتيجة اختلافات معرفية أو ميول ” طبقية”، و من ثمّ عدم اعتبار أيا منها أساس اختلاف راهن أو تكتل جديد. أن ما يحدّد الاختلافات الراهنة هو الراهن ذاته، و أن ما يؤسس التكتلات الراهنة هو الاختلاف في مسائل الراهن.

4) كل القضايا المتعلّقة بالماركسية و بتاريخها، و كذلك كل القضايا المتعلّقة بالتجربة الاشتراكية هي مجال حوار و نقاش، وبالتالي فهي خاضعة لحق الاختلاف، لكنها ليست بالضرورة أساس انقسام أو تكتل، حيث أنها قابلة لتعدّد في وجهات النظر.

5) سوف نعتبر أن تراث الماركسية هو تراث ماركس/ انجلز و لينين و كاوتسكي و بليخانوف و روزا لوكسمبرغ و تروتسكي و بوخارين و ماوتسي تونغ و غرامشي و لوكاش و ستالين، و كل من أسهم في هذا المجال بغض النظر عن كل التناقضات و الاختلافات فيما بين هؤلاء و بغض النظر عن تقديرنا لدور كل منهم في الحركة الماركسية، و كذلك بغض النظر عن مدى اختلافنا أو اتفاقنا مع أي منهم، حيث أن المسألة هنا لا تتعلّق ب ” حفظ نصوص” و اجترار أفكار، بل أنها تتعلّق بوعي ما قدّم كل هؤلاء و وعي اختلافاتهم و التناقضات فيما بينهم و أسباب هذه التناقضات. مع الحق في تحبيذ تصوّر على آخر و فكرة على أخرى و مفكّر على آخر.

6) الحوار هو أساس في بلورة الأفكار و التصوّرات و البرامج و تحديد المهمات و آليات التحويل، و المبدأ الحاكم هو الديمقراطية و بالتالي التعددية و حق الاختلاف و الانتقاد.

7) ليس في الماركسية مقدّسات، لهذا فهي خاضعة للانتقاد و النفي و إعادة الصياغة، لأنها تغتني بالواقع و الوقائع كما بالتجربة، و لأنها تحلل الصيرورة التي هي الحركة الدائبة التي تفرض إعادة وعيها باستمرار. و لاشك في أن الجدل المادي يحقّق ذلك لأنه الصيرورة ذاتها مجرّدة و بالتالي فهو يتضمّن إعادة اكتشافها بشكل دائب. الجدل المادي هو نقدي و تجديدي لهذا ليست الماركسية ” فلسفة” مغلقة، ولا يمكنها أن تكون إلا إذا تحوّلت إلى ” عقيدة” الأمر الذي يخرجها من كونها ماركسية.

 

 

ب) مسألة الاشتراكية

 

و إذا كان انهيار الاشتراكية قد شكك في ممكناتها أو راهنيتها، و فرض انتشار الميول التي تدافع عن راهنية الرأسمالية، فان تناقضات الرأسمالية و أزماتها و الميول التدميرية المرافقة لها تفرض التأكيد على المبادئ التالية:

1) التأكيد على الماركسية و الاشتراكية، و إعطاء هذا الاختيار معناه الواقعي و أبعاده الثورية العميقة، و توضيح كون الاشتراكية هي بديل ممكن و ضروري، و أنها التجاوز الضروري للرأسمالية و صيغة العالم الذي يحقّق إنسانية الإنسان.

2) التأكيد على ديمقراطية الاشتراكية و على انطلاقها من التعددية و حق التنوّع و الاختلاف، و من الحقوق المدنية و الحريات العامة، فهي ليست سلب لتلك الحقوق عبر إبدالها بحقوق اقتصادية، بل أنها تتضمّن هذه الحقوق كما تتضمّن الحقوق الاقتصادية، إنها تتضمّنها و توسّعها إلى المجال الاقتصادي كما أنها تعمّقها في المجال السياسي ذاته، و تعطيها شكلا يجعلها تعبّر أكثر عن المنتجين.

3) الديمقراطية تتضمّن الحق في الانتظام النقابي و المهني المستقل، كما تتضمّن الحق في تأسيس الأحزاب و نشوء التعبيرات المدنية المختلفة ما دامت الاشتراكية هي التي تزيل اغتراب الإنسان و تجعله سيّد نفسه. و إذا كان التعبير النقابي و المهني للطبقات أمر ضروري، فان التعبير السياسي عنها أمر ضروري كذلك، و ينحكم ذلك لمبادئ: نبذ العنف، و قبول الديمقراطية و التعددية، و تأكيد المساواة بين المواطنين دون تمييز، و رفض التحريض على العنصرية أو الطائفية أو الجنسية، أو استغلال الدين لأغراض سياسية، كما الالتزام بالاشتراكية و بالتالي رفض العودة إلى الوراء.

4) الدفاع عن الاشتراكية كبديل ممكن للنمط الرأسمالي و التأكيد على أنها الخيار الوحيد القادر على تحقيق تطوّر الأمم المخلّفة في إطار هيمنة النمط الرأسمالي عالميا.

5) التأكيد على ضرورة دراسة التجارب الاشتراكية، كما على دراسة التصوّرات الاشتراكية في الماركسية، من أجل إعادة صياغة التصوّرات بما يسمح بتقديم تصوّر متماسك و عميق و يؤسس لتجربة أرقى.

 

ج‌) ضد الرأسمالية

 

 

هذا المنطلق يقوم على رفض الرأسمالية و بالتالي العمل على تقويضها، و لاشك في أنها أساس التناقضات التي تحكم العالم الراهن، هذه التناقضات التي تؤسس لأن تصبح الطبقة العاملة و الفلاحون قوّة الصراع الأساسية معها، كما الأمم المضطهدة.

1)لا يزال الصراع ضد الرأسمالية المهيمنة في إطار المنط الرأسمالي العالمي هو المحرّك لكل التناقضات و الصراعات العالمية، حيث أنها هي قوّة الاستغلال و النهب من أجل تحقيق الربح الأعلى عبر تحقيق النهب الأقصى لفائض القيمة، وهي كذلك القوّة التي بتحققها العالمي تفرض آليات اقتصادية و سياسية/ عسكرية تعيق تطوّر الأمم التي تخلّفت مما يعمّق في تخلّفها، الأمر الذي يجعل النضال من أجل تطوّرها هو صراع ضد الرأسمالية.

2)العولمة هي شكل إعادة إنتاج النمط الرأسمالي في المرحلة التالية لانهيار الاشتراكية، استنادا إلى الاختلال المريع لميزان القوى و من أجل تعزيز السيطرة الرأسمالية لتعميق الاستغلال و النهب و تعظيم الأرباح. و إذا كانت تقوم على فرض اقتصاد السوق كصيغة وحيدة لاشتغال الرأسمال وفتح كل المناطق التي كانت ” مغلقة” خلال فترة الحرب الباردة، عبر المساومة مع الرأسماليات التابعة في الأطراف أو عبر الضغوط و التهديدات أو عبر الإغراء و الإشارة إلى ” الايجابيات”، فان الرأسمالية الأميركية تعمل على تحقيق ذلك بالقوّة العسكرية و التهديد بها من أجل أن تحتكر ما هو ضروري لها في العالم.

3) و الدولة الأميركية هي الأداة الرئيسية للشركات الاحتكارية الإمبريالية، التي هي في الغالب شركات أميركية. و هي القوّة الرئيسية في إطار النظام الإمبريالي العالمي، و تسعى لأن تعزّز من قوّة شركاتها و اقتصادها على حساب الرأسماليات الأخرى.

4) كما أن الدولة الأميركية تفرض سيادة النمط الرأسمالي عالميا، فإنها و هي تفعل ذلك تستثير الرأسماليات الأخرى كونها تسعى لحل مشكلات اقتصادها على حساب الرأسماليات الأخرى، مما يؤسس لتناقضات بينها يجب ملاحظة أبعادها، رغم أن تشابك الرأسمال من جهة و الضعف العسكري للرأسماليات الأخرى من جهة أخرى يبقي هذه التناقضات في حدود لا تقود إلى الانقسام و تشكيل ” معسكرين” كما كان الوضع قبل الحرب العالمية الثانية. أن المصلحة المشتركة هي التي يمكن أن تتغلب في النهاية، الأمر الذي يعني حلها لمشكلاتها على حساب باقي العالم بما فيه روسيا و الصين.

5) لهذا يجب العمل من أجل إعادة اصطفاف القوى على صعيد عالمي انطلاقا من هذه الأسس،و السعي لتوحيد الحركة المناهضة للرأسمالية و للعولمة الراهنة، و المناهضة للعنصرية و الحرب وتدمير البيئة و تكريس استغلال المرأة و تعميق التمييز، وتطوير هذه الحركة لكي تصبح قوّة قادرة على حشد الطبقات المتضررة و المفقرة والأمم المهمّشة و المنهوبة، لتغيير ميزان القوى العالمي من أجل تأسيس عالم أكثر إنسانية و مساواة و عدالة.

6)تعزيز الميل الاشتراكي عالميا و دعم كل اتجاهات إعادة الاشتراكية في الأمم التي كانت كذلك من قبل، و في كل الأمم المهيأة لذلك، و تعزيز دور الحركة الماركسية بما يجعلها قوّة قادرة على المواجهة و تحقيق الانتصار.

7) السعي من أجل تعزيز قدرات الأمم المخلّفة على التطوّر عبر تأسيس الاقتصاد المتمحور على ألذات، أي الذي يخضع ارتباطاته مع العالم لتحقيق التراكم داخليا، و الهادف إلى تصنيعها و تحديثها. و السعي لتشكيل التكتلات الإقليمية التي تدعم استقلالها و تطوّرها.

 

 

د) الاشتراكية و المهمات الديمقراطية

 

وإذا كانت الاشتراكية هي مطمح البشرية، فان الطابع ألاستقطابي للنمط الرأسمالي الذي يكرّس تخلّف الأطراف يفرض صيرورة خاصة من أجل الوصول إلى الاشتراكية، لهذا يجب إبداء الملاحظات التالية:

 

1) إذا كانت الاشتراكية هي الهدف الذي نسعى لتحقيقه، وإذا كانت ظروف الأمم المخلّفة لا تحتمل ذلك كونها لم تمتلك الحداثة بمعناها الاقتصادي و بمعناها المجتمعي، فإننا نطرح في الوقت الراهن برنامج الثورة القومية الديمقراطية، لأن الواقع يحدّد ضرورة هذه الخطوة كمرحلة انتقال إلى الاشتراكية تفرضها المهمات الواقعية، التي ستكون في الغالب ” ما بعد رأسمالية”.

2) نحن لسنا في مرحلة تفرض تحقيق الاشتراكية رغم دفاعنا عنها، وسعينا لتحقيقها، و لسنا في مرحلة اشتراكية تفرض تحقيق مهام ديمقراطية، كما لسنا في مرحلة ثورة ديمقراطية برجوازية، إننا في مرحلة الثورة الديمقراطية المتّجهة اشتراكيا، أو التي نسعى لأن تتجه اشتراكيا عبر الدور الفاعل و المهيمن للحزب الماركسي، و للطبقة العاملة و الفلاحين الفقراء. و هي مرحلة تفرض التحالف مع طبقات أخرى ( الفئات الوسطى المدينية و الريفية) و أحزاب أخرى، وهو تحالف مستقر و طويل الأمد و يفتح الأفق لأن تستوعب هذه الطبقات في إطار الانتقال إلى الاشتراكية عبر نظام ديمقراطي.

3) و الانتقال من مرحلة إلى أخرى، أي من الثورة القومية الديمقراطية إلى الاشتراكية، ليس مرتبطا بسيطرة الطبقة العاملة و الحزب الماركسي على السلطة فقط بل سيرتبط بتحقيق مهمات أساسية هي ديمقراطية الطابع ( الاستقلال، التوحيد القومي، التطوير الاقتصادي، و التحديث )، لكنه بالضرورة لا يرتبط بتحقيقها كلها، بل هو مرتبط بتحقيق ما يسمح بالانتقال إلى الاشتراكية.

4) الثورة القومية الديمقراطية تعني أولا تحقيق مهام ديمقراطية لم تنجز( نتيجة عجز الرأسمالية عن ذلك، حيث ارتبط تحقيقها تاريخيا بالرأسمالية) عبر دور فاعل و فعليّ للحزب الماركسي، و هو هنا –وفق منظوره- يمهّد السبيل لتحقيق الاشتراكية ما دام تحقيقها مستحيلا دون تضمّن ما قبلها. وهي تعني بالتالي أن لا ينحصر النشاط بهذا الحزب و بالطبقات التي يمثّلها( العمال و الفلاحون الفقراء) بل سيشمل طبقات أخرى معنية بالأهداف ذاتها، كما سيشمل – بالتالي- تعبيراتها السياسية. و هنا تنطرح مسألة التحالفات الدائمة و المؤقتة، و ليصبح من مهمات الحزب الماركسي المقدرة على” إقناع” الطبقات الأخرى و أحزابها السياسية و تعبيراتها المختلفة، ببرنامجه كما بدوره الحاسم، لأن نجاح ذلك هو الذي يجعل تحقق الثورة القومية الديمقراطية ممكنا.

5) ستكون الوحدة القومية محور هذه الثورة و رافعة التطوّر و الحداثة، لكن مهمات الثورة القومية الديمقراطية تتلخص في التوحيد القومي و تحقيق الاستقلال القومي و تحرير الأرض التي لا زالت محتلة و في المركز منها فلسطين. و لاشك في أن هذين الهدفين سوف يحظيان بالأولوية لأنهما مدخل الانتقال إلى تحقيق مجمل البرنامج، سواء في شقه الاقتصادي( التصنيع و التطوير الاقتصادي العام) أو في شقه العام( الدمقرطة و العلمنة و الحداثة). رغم أن هذه الأولوية لا تعني تأجيل تحقيق الأهداف الأخرى، لأن الظرف الواقعي سيفرض التداخل و أحيانا أولوية الاقتصادي أو العام.

 

ه) آفاق التطوّر

 

1) تحظى مسألة التطوّر بأهمية حاسمة هنا. ونقصد بالتطوّر تحقيق انتقال المجتمعات التي فرض سبق التطوّر الرأسمالي في أوروبا ( ثم أميركا و اليابان) تجاوزها، و أفضى لأن تصبح موضع فعل الرأسمالية ذاتها، مما سمح بأن يصبح التأخر تخلفا، فأضحت مخلّفة نتيجة ذاك الفعل. و التطوّر يعني اللحاق، أي الانتقال من النمط القديم ( الإقطاعي) إلى الحداثة التي باتت تعني التصنيع و ما يفرضه من تحديث مجتمعي شامل. لهذا ستكون الصناعة هي محور عملية التطوّر.

2) ولما كان النمط الرأسمالي بعالميته هو الحاجز الذي منع عملية الانتقال هذه، سواء بالعنف ( عن طريق الاستعمار ثم التدخل العسكري) أو عبر فرض قوانينه عالميا و هي قوانين اقتصاد السوق القائمة على المنافسة التي تجعل الاحتكارات الضخمة التي تتمتع بها رأسمالية المراكز قادرة على تدمير ما أنشئ خلال القرن العشرين في الأمم التي انشقت عن النمط الرأسمالي ( المنظومة الاشتراكية و دول حركات التحرر أو رأسمالية الدولة) ، فان تحقيق التطوّر يفرض تجاوز آليات النمط الرأسمالي عبر التحكّم بالسوق الداخلي و تحديد آليات في العلاقة مع هذا النمط تكون متكافئة و تخدم عملية التطوير الداخلي.

 

3) لكن اللحاق لا يعني الرسملة، و لن يتحقق ” من داخل النمط الرأسمالي”، فهو عملية صراع مع ” آلهة” هذا النمط، أي أنها عملية صراع مع كبار الرأسماليين مالكي الشركات الاحتكارية الإمبريالية، بل أن اللحاق سيتحقق في إطار صيرورة تهدف إلى تجاوز الرأسمالية حتما، و تقوم على أساس ” فك الارتباط” بهذا النمط، و لكن بإعادة بنائها – إذا كان ذلك ممكنا لأننا لسنا الوحيدين الذين نحدد ذلك- بما يخدم عملية التطوّر الداخلي، لتتأسس العلاقات الاقتصادية مع العالم على أساس التكافؤ.

4) لهذا فان للدولة دور محوري في مجال الاقتصاد، ليس فيما يتعلق بالتخطيط و التحكّم بآليات العلاقة مع العالم فقط، بل أساسا في الاستثمار، حيث يكون من مهمتها بناء الصناعات الأساسية و البنية التحتية لأن الرأسمال الخاص يهرب من التوظيف فيها. رغم أن ذلك لا يعني إلغاء الرأسمال الخاص.

 

 

 

 

 

 

و) البرنامج الديمقراطي

 

1) التأكيد على حق الأمم في الاستقلال و في تأسيس دولها القومية، دون تعصّب أو شوفينية، و التأكيد على حق الأقليات في التعبير عن هويتها و ممارسة حقوقها الديمقراطية، و منها الحقوق الثقافية و التحدّث بلغتها.

 

2) أن التأكيد على الديمقراطية و العلمنة ( أو بما فيها العلمنة) أمر ضروري لأنهما أساس الحداثة و جوهر عملية التفاعل و الصراع المجتمعي و مبتدأ المنطق ألانتقادي.

3) للصراع الأيديولوجي ( الفكري) أهمية ليس من الممكن طمسها، لأن المسألة لا تتعلق بالاتفاق السياسي فقط، بل تتعلق كذلك باختلاف الخيارات كما باختلاف النظر في معنى الحداثة و آفاق تطوّرها. انه صراع في اختيارات الوعي و في تمظهراته التالية، و بالتالي من أجل “الحلم” المستقبلي.

4) النمط الرأسمالي العالمي يؤسس لنشوء مشكلات عالمية عامة، مثل مشكلات البيئة و أسلحة الدمار الشامل و التسلح المكثّف و الفقر و أمراض الابادة و التفتت ألاثني أو الطائفي و الحروب، الأمر الذي يفرض تنشيط الحركات المناهضة.

5) و مشكلة المرأة مشكلة مزمنة، و هي أكثر خطورة في المجتمعات المخلّفة حيث تعاني إضافة للاضطهاد المركّب، من الأمية و التجهيل و ” الإخراج” من العمل، ومن افتقاد الحرية الشخصية بما فيه حق اختيار الزوج و حق الطلاق و حق حضانة الأولاد و تقاسم الملكية حين الطلاق.

 

ز) الرؤية الأممية

 

1) العلاقات الأممية ضرورية و جوهرية ونحن نخوض الصراع ضد النمط الرأسمالي العالمي، لهذا من الضروري إيجاد مركز أممي ينسق السياسات العامة و يحدّد ” الاستراتيجية العامة” التي تعبر عن رؤى مجمل الحركة.

2) وإذا كان تشكيل مركز أممي أمر ضروري، لكن يجب أن يتأسس انطلاقا من أنه يهدف إلى توحيد نضالات الأمم ( و طبقاتها العاملة بالأساس) في مواجهة النمط الرأسمالي العالمي، و بالتالي فان مهمته تتمثّل في الاتّفاق عبر الحوار المتكافئ و المثمر، على السياسات العامة المتعلقة بالنضال ضد الرأسمالية، وهو اتفاق توافقي أو يمكن أن يتحقق بالأغلبية.

3) إننا هنا لسنا أمام مركز يحضّر ل ” ثورة عالمية” و يصدر التعليمات ل ” الفروع”، بل نحن إزاء مركز يوحّد تصوّرات أحزاب متعددة، و يهيئ –عبر الحوار- للوصول إلى توافقات أساسية تتعلق بالسياسات المحددة في مواجهة الرأسمال. لكنه أيضا مركز يعمل على اغناء الحوار النظري العالمي و على تأكيد حيوية الماركسية و راهنيتها.

4) المسألة تتعلق إذن بتأسيس حركة أممية قائمة على الاستقلال و الوحدة، أو على الوحدة و التعدد، و ليس على المركزة و الوحدانية. و هي في ذلك تختلف عن الأمميات السابقة التي فهمت على أنها صيغة لحزب عالمي واحد. دون أن يعني ذلك إضعاف الالتزام الأممي بل أنه يهدف إلى أن تصبح الأممية هي التعبير عن خبرات و آراء مختلف الأحزاب، و بالتالي عن حدود اتفاقها على الأهداف العامة المتعلقة بالحرب ضد الرأسمالية، مع التأكيد على ” استقلاليتها” فيما يتعلق بواقعها الخاص، بتكتيكها و أساليب نضالها.

5) تعزيز العلاقات و إقامة التحالفات مع كل المجموعات التي تناهض العولمة و التي تعبّر عن حركة اجتماعية فاعلة و حقيقية، و تنسيق النشاط من أجل ” عولمة إنسانية” و من أجل عالم بديل يحقق المساواة بين الشعوب و يرسي السلام فيما بينها، و يسمح لها جميعا بالتطوّر و المعيشة اللائقة، يتجاوز اللاتكافؤ و الفقر و النهب و الإخضاع و الاضطهاد و السيطرة و الاحتلال.

 

ح) الحزب

1) الحزب الماركسي هو شكل التعبير السياسي عن الطبقة العاملة و الفلاحون الفقراء، لكنه لا يحتكر تمثيل الطبقة بل يسعى إلى ” الهيمنة” عبر الإقناع عن طريق الحوار مع الطبقة، و عبر تأكيد جدية تعبيره عن مصالحها عبر الممارسة. انه ليس بديل الطبقة بل هو الموحّد لنشاط الطبقة الاقتصادي و ألمطلبي و النقابي و أيضا السياسي المتضمّن الرؤى الاستراتيجية لمجمل الطبقة المؤسسة لنقلها إلى النشاط السياسي. كل ذلك عبر الحوار و الإقناع و الممارسة.

2) لكن الحزب لن يلغي دور الطبقة الاقتصادي و ألمطلبي و النقابي و حتى السياسي، على العكس سوف يدعمها و يؤكد على استقلاليتها و على دورها الفاعل ليس في المستوى الاقتصادي فقط بل و السياسي كذلك.

3) والحزب المتحد بالطبقة هو القادر على أن يكون فاعلا و محققا لعملية تحوّل عميقة.

4) إننا نؤكد هنا على رفض فرض أحادية في هذا المجال، فالحزب يمكن أن يكون واحدا من الأحزاب المعبرة عن الطبقة، لكن يجب أن يمتاز بالتعبير عن عمق مصالحها و أن يحدد الآليات التي تسمح لها بتحقيق هذه المصالح، و الأهم هو أن يستطيع ” إقناع” الطبقة بكل ذلك.

5) ليست المسألة مسألة إرادة إذن،أو مسألة تقرير مسبق. التحليل المنطقي يوصل إلى أن دور الحزب الفاعل هو حاسم في تحقيق الأهداف العامة، و أن أدوار الطبقات الأخرى ( وبالتالي تعبيراتها السياسية) لا توصل إلى ذلك. لكن لكي يصبح الحزب فاعلا يجب أن يفرض من قبل الطبقة ذاتها و كذلك من قبل الطبقات الأخرى. و بالتالي فان تحقق ذلك يفرض أن يلعب الحزب دورا ” هيمنيا” ( وفق المعنى الغرامشي)، أي أن تقود فاعليته و وعيه العام ( الرؤية الاستراتيجية) ووعيه بالحركة الواقعية ( التكتيك) إلى أن يختار ( ينتخب) كقيادة لمجمل الحركة.

 

ط) مسألة التناقضات

 

1) يجب تجاوز النظر إلى التناقض من منظار أحادي، حيث يجب التأكيد على لا أحادية التناقضات، أي على تعدد التناقضات، و بالتالي اتخاذ التناقضات أشكال متعددة في سياق الصراع الواقعي. إنها متحوّلة، وهي تتخذ مستويات متعددة كذلك، و بالتالي يجري التعامل معها بأشكال مختلفة. لكنها تخضع لتناقض أساسي. فإذا كان الصراع الطبقي يفرض أن يكون الصراع مع الطبقة المسيطرة هو التناقض الأساسي فان النزوع العالمي و بالتالي عالمية النمط الرأسمالي ، تدخل ” العامل القومي” كجزء من رؤية التناقضات، مما يجعل ” الخارجي” يحظى بالأولوية، خصوصا إذا كان يمثّل دولة رأسمالية من دول المركز. ليتوافق هنا التناقض الأساسي و التناقض الرئيسي، ما دمنا نرى التناقضات في أطار النمط الرأسمالي العالمي ككل.

لكن يجب أن نلحظ كذلك تمظهر هذا التناقض ( الملاحظ في إطار النمط الرأسمالي العالمي) في الإطار ” القومي”، وهو تناقض مع الرأسمالية التابعة المحلية التي باتت تسيطر على مجمل التكوين الطبقي ” القومي”، و هو التناقض الذي يتخذ – بشكل عام- صفة التناقض الرئيسي كذلك.

أما التناقضات الأخرى ( الثانوية) فيمكن أن تكون مع تكوين اقتصادي/ اجتماعي قديم لم يتلاشى، أو بين الطبقة العاملة و الفلاحين الفقراء و بين الطبقة الوسطى ( أو بعض أقسامها). و يمكن أن يكون كذلك بين تيارات فكرية/ سياسية. ورغم أنه يمكن أن يتحوّل في لحظة إلى تناقض رئيسي إلا أنه يبقى خلال مرحلة طويلة في إطار التناقض الثانوي، و بالتالي يتخذ شكل التعبير عنه صيغة صراع سلمي أو أيديولوجي أو تنافسي.

2) و التناقض الرئيسي الآن هو التناقض مع الرأسمالية و ” فروعها” المحلية، الأمر الذي يفرض النضال ضد الرأسمالية كنمط عالمي و ضد تدخلات ” دولها” خصوصا الدولة الأميركية، و خصوصا لحظة تدخلها المباشر. وكذلك النضال ضد الرأسمالية التابعة المسيطرة في الوطن العربي. دون تجاهل التناقضات الثانوية، سواء مع ” الطبقات” الأخرى أو مع التيارات السياسية و الفكرية المختلفة، التي يمكن أن تتخذ في لحظة صيغة التناقض الرئيسي، دون تناسي التناقض الرئيسي ذاته. و هذه معادلة دقيقة و تحتاج إلى تحليل ملموس، و بالتالي فهي لا تتحدد مسبقا أو في إطار ذهني.

 

2) و لاشك في أن نشوء الصراع الطبقي بين طبقة عاملة عربية و رأسمالية عربية تابعة، في إطار سياسي يتّسم بالتفتت و بالتالي بوجود دول عربية متعددة يعبر كل منها عن مصالح الرأسمالية التابعة المحلية ( القطرية)، كما يتّسم بتنوّع القوانين و التشريعات و الأشكال السياسية، يجعل مسألة التناقضات ذات حساسية أعلى و لها أشكالها الخاصة التي تفرض الدراسة الدقيقة. فالتناقضات هنا ، التي تبدو أنها بين الطبقة العاملة ” المحلية” ( القطرية) و الرأسمالية التابعة المحلية ( القطرية) ستبدو أنها بين الطبقة العاملة العربية و “الدولة القطرية” كذلك، وبالتالي ضد مجمل الرأسمالية التابعة العربية. و هنا يرتبط الصراع ” الاقتصادي” ضد الطبقة المسيطرة بالصراع السياسي ضدها، وهو ليس صراعا يهدف إلى إسقاطها و تأسيس سلطة بديلة فقط، بل هو صراع من أجل إنهاء ” الدولة القطرية”ذاتها و تأسيس الدولة/ الأمة، أي الدولة القومية.

3) وكذلك فان الوجود الصهيوني يؤسس لتعقّد أعلى للتناقضات، حيث أنه جزء من الرأسمالية الإمبريالية، وبالتالي فان الصراع معه هو جزء من الصراع معها، لكنه يتداخل مع الصراع ” المحلي” ضد الرأسمالية التابعة، ليصبح جزءا من صراع شامل ضد الإمبريالية و ضد الطبقة المسيطرة الحاكمة المحلية من أجل التطوّر و الاستقلال و الحداثة.

4) لهذا يجب توحيد المهمات ” القومية” العامة و المهمات الخاصة بالطبقة العاملة و الطبقات الفقيرة عموما( الفلاحون الفقراء)، وبالتالي ربط عملية التغيير الاقتصادي/ الاجتماعي بالمهمات العربية الهامة ( التوحيد القومي، الاستقلال و إنهاء المشروع الصهيوني). وكذلك توحيد المهمات ” القومية” العامة و المهمات ” القطرية”، و توثيق الربط بين الدور القومي العام و الدور “القطري”.

5) ضرورة عدم تجاهل دور الطبقات الأخرى خصوصا و أن المهمات الواقعية تؤسس لتقاطع في نقاط عديدة مع الفئات الوسطى خصوصا، دون أن يعني ذلك الالتحاق بها أو التأثر بميولها.

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s