الليبرالية والديمقراطية

الليبرالية والديمقراطية

 

 

 

 

فلاديمير لينين

2011 / 3 / 30

 

1

 

إن كونفرانس الترودوفيك الذي سبق وتكلمنا عنه ، والذي صدرت عنه الأنباء في بضع جرائد (ومنها ، مثلاً، “الريتش” في 28 آذار-مارس) يتسم بأهمية خاصة من وجهة نظر التحديد الحزبي لكل الحملة الانتخابية إلى الدوما الرابع. فبعد كتلة الليبراليين المعتدلين (الكاديت و”التقدميين اللاحزبيين” (275))، بقي أن “يتحدد” الترودوفيك وحدهم لكي تكتمل اللوحة.

فالآن حددت جميع طبقات المجتمع الروسي في شخص جميع الأحزاب السياسية الجدية نوعاً، والجديرة نوعاً بالانتباه موقفها في الحملة الانتخابية، وإذا كانت الانتخابات بالنسبة للأحزاب البورجوازية، ولا سيما بالنسبة لتلك التي استقرت برسوخ في صرح نظام الثالث من حزيران (يونيو) (276)، هي، في الأغلب، زمن الإعلان المشتد، فإن المهمة الرئيسية في الحملة الانتخابية تقوم بالنسبة للديمقراطية العمالية، بالنسبة للماركسيين ، في تبيان كنه مختلف الأحزاب السياسية للشعب، في تبيان من وما يؤيد وأي مصالح فعلية ، حياتية توجه هذا الحزب أو ذاك، وأي من طبقات المجتمع تتستر وراء هذه اللافتة أو تلك.

ومن وجهة النظر هذه ، سيتأتى لنا أن نتوقف غير مرة عند كونفرانس الترودوفيك، ويتعين علينا، لما فيه مصلحة الطبقة العاملة، أن نولي على وجه الضبط المسألة المبدئية المشار إليها الآن انتباهاً خاصاً. فإن أحزاب المائة السود، الأحزاب اليمينية والليبراليين الكاديت على حد سواء إما لا يفعلون غير أن يلزموا الصمت حول هذه المسألة ، وإما يشوهون طرحها وحلها بألف طريقة، علماً بأن هذا لا يجري عن قصد غير معقول أو عن سوء قصد من بضعة أفراد، بل لأن المصالح الطبقية للملاكين العقاريين والبورجوازية تجبرهم على تشويه كنه الأحزاب الفلاحية والعمالية.

والترودوفيك، وهم حزب فلاحي على الأغلب، ليست لهم بدورهم مصلحة في لزوم الصمت حول المسألة التالية على الأقل، مسألة ما تختلف به الليبرالية عن الديمقراطية، ولكنهم يحلون هذه المسألة حلاً غير صحيح. ناهيك عن أنه لا يمكن حلها حلاً صحيحاً من وجهة نظر الفلاح، أي من وجهة نظر المالك الصغير. إلا أن هذه المسألة قد حلت من وجهة نظر العامل المأجور فقط- الأمر الذي لا تدل عليه النظرية، العلم وحسب، بل أيضاً تجربة جميع البلدان الأوربية، وكل التاريخ الاقتصادي والسياسي للأحزاب الأوروبية في سياق القرن التاسع عشر على الأخص.

انظروا على الأقل إلى كيف يتحدث الليبراليون عن الترودوفيك وكيف يتحدث الترودوفيك أنفسهم عن أنفسهم. فإن “الريتش” الليبرالية ، الصحيفة الرئيسية للحزب الدستوري-الديموقراطي (الكاديت)، تقول أن الترودوفيك كانوا أكثر من تضرروا من تعديل قانون الانتخابات في 3 حزيران (يونيو) 1907، وأن تكتيكهم “لا يمكن أن يختلف بصورة ملحوظة نوعاً” عن تكتيك الكاديت، – ولاحظوا هذا،- يستطيعون أن “يكرروا” وهم يكررون كل ما قاله الترودوفيك تقريباً. وتقول “الريتش”: “وأخيراً يمكن أن تكون ثمة حاجة إلى الاتفاقات في الانتخابات مع الترودوفيك في بعض الأماكن فقط، فضلاً عن أنها قليلة جداً”.

أمعنوا الفكر في هذا التقييم، تروا أن هذا تقييم بورجوازي ليبرالي أقصاه قانون الثالث من حزيران (يونيو) عن الزعامة السابقة التي كان يملكها بموجب قانون 11 كانون –ديسمبر-1905 (277)). ولكن أعطاه في الوقت نفسه مكاناً مرموقاً في المعارضة محمياً من الديموقراطية. لا أهمية لكم بالنسبة لنا، أيها السادة الترودوفيك، ونحن لا نحسب لكم الحساب الجدي. هذا هو المعنى الفعلي لبيان “الريتش” . لماذا “لا أهمية لكم”؟ لأن قانون الثالث من حزيران قد حرمكم من كل قوة في الانتخابات.

إن المهم بالنسبة لأي ديموقراطي ولا سيما بالنسبة لأي عامل، ليس الأحزاب التي تتمتع بالاحتكار أو بالامتياز بموجب القانون الانتخابي المعني، بل الأحزاب التي تمثل جماهير غفيرة من السكان، ولا سيما من السكان الكادحين والمستَثمرين. أما البورجوازي الليبرالي، فقد حماه قانون الثالث من حزيران عن هذه الجماهير بالذات، ولهذا لا أهمية لهذه الجماهير بنظره. إن المحامين والصحفيين الليبراليين يحتاجون إلى مقاعد في الدوما [البرلمان]، والبرجوازيين الليبراليين يحتاجون إلى تقاسم السلطة مع البوريشكيفيتشيين، -هذا ما يحتاجون إليه، أما تطور الفكر السياسي المستقل عند الجماهير الفلاحيّة، تطور نشاطها الذاتي كطبقة ، فإن هذا لا يحتاج إليه الليبرالي، وليس ذلك وحسب، بل يشكل كذلك خطراً مباشراً عليه. إن الليبرالي يحتاج إلى الناخب، والليبراليين يحتاجون إلى جموع تثق بهم وتسير وراءهم (لأجل إجبار البوريشكيفتشيين على التنحي)، ولكن الليبرالي يخاف من استقلال الجموع السياسي.

ولكن لماذا لا يخاف هو من الترودوفيك الذين، بوصفهم حزباً “مستقلاً”، قريباً بخاصة من الفلاحين، أي من أغلبية السكان الساحقة، يمثلون الديموقراطية البورجوازية وليس الليبرالية؟ للسبب التالي على وجه الضبط ، وهو أن الترودوفيك ديموقراطيون، مستقلون بصورة غير كافية حيال الليبراليين ، ولا يعرفون كيف يناضلون ضد الليبراليين من أجل التأثير في الجماهير! ولا بد من التوقف مائة ومائة مرة عند هذه المسألة البالغة الأهمية في السياسة المعاصرة في روسيا إذا نظرنا إلى هذه السياسة بجد، ووجدان ومبدئية، وليس بالمعنى التدجيلي (بالمعنى الليبرالي كذلك) بمعنى الركض وراء التفويضات. وما دام تحويل روسيا السياسي في الاتجاه الديمقراطي هو مهمة العهد التاريخية في روسيا، فإن كل لب مسألة هذا التحويل سيتلخص حتماً حتى ذاك في أن تصبح جماهير واسعة جداً من السكان، أوسع جماهير السكان ديموقراطيين عن قصد ووعي، أي أخصاماً سافرين ومنسجمين وحازمين تماماً لأي من مظاهر ضيق الليبرالية ومحدوديتها ونصفيتها وجبنها. وإن العامل الذي لم يدرك أنه لا يمكنه أن يكون مناضلاً منسجماً من أجل القضاء على العمل المأجور بدون استيعاب هذه المهمة السياسية في زمننا وتطبيقها في الواقع ليس بعد عاملاً واعياً.

وحين يقول الليبراليون، الكاديت، أن “تكتيكهم” لا يختلف “بصورة ملحوظة نوعاً” عن تكتيك الترودوفيك ، فإن هذا جهل صارخ للغاية أو كذب في منتهى الوقاحة. وكل صفحة من تاريخ روسيا السياسي في العقد الأخير من السنين تحتوي مئات وآلاف الأدلة التي تدحض هذا الكذب. وتاريخ روسيا الحديث يبين لنا بتجربتنا الروسية أن الفرق بين الليبرالية و الديمقراطية الفلاحيّة أعمق إلى ما لا قياس له من مسائل “التكتيك” أياً كانت، -لأن هذا الفرق قد تبدى دائماً وبدون استثناء في السنوات الأخيرة، الثماني مثلاً، رغم أن مجرى الأحداث قد استتبع غير مرة أحد الانعطافات في “التكتيك”، -إن هذا الفرق يكمن أعمق إلى ما لا قياس له من أي “برامج” ، لأن البرامج لا تفصح إلا عما يفكر به طليعيو الطبقة بصدد مهماتها ووضعها. وليست آراء الطليعيين، بل أعمال الملايين من الناس هي التي بينت لنا الفرق الجذري بين البورجوازية الليبرالية من جهة ، والفلاحين البورجوازيين الديمقراطيين من جهة أخرى، من حيث الوضع الاقتصادي والسياسي المعاصر. ومن هنا الفرق الجذري بين المصالح الطبقية حيال “القوى الآمرة” في روسيا الحالية، ومن هنا الفرق الجذري في جميع نقاط الانطلاق وفي كل نطاق النشاط السياسي.

وقد يبدو لليبرالي وللترودوفيكي على السواء أنهما رفيقان سياسيان بالفكر، لأن كلاً منهما “ضد بوريشكيفيتش”. ولكن انزلوا أعمق بقليل من آراء الساسة هذه إلى وضع الجماهير الطبقي، تروا أن البورجوازية الليبرالية تتقاسم في الحياة الامتيازات السياسية مع البوريشكيفيتشيين، وأن الفريقين يتجادلان فقط فيما إذا كان البوريشكيفيتشييون سيحصلون على ثلثي هذه الامتيازات، والميليوكوفيون على الثلث، أم العكس. خذوا “الحياة” ، خذوا الوضع الاقتصادي للفلاحين الروس المعاصرين، بوصفهم فئة من صغار المالكين في الزراعة، تروا أن المقصود ليس البتة تقاسم الامتيازات السياسية، وأنه ينبغي أخذ كلمة “الحياة” هنا في قوسين صغيرين ، لأن وجود البوريشكيفيتشيين نفسه يعني الموت جوعاً لمليون من أمثال هؤلاء المالكين الصغار.

توجد في روسيا المعاصرة بورجوازيتان. إحداهما فئة ضيقة جداً من الرأسماليين الناضجين والمفرطين في النضوج، المنصرفين فعلاً، بشخص الأكتوبري والكاديتي، إلى تقاسم السلطة السياسية الحالية والامتيازات السياسية الحالية بينهم وبين البوريشكيفيتشيين. وينبغي فهم كلمة “الحالية” بصورة واسعة جداً ، بحيث تشمل ، مثلاً، الامتيازات التي يصونها قانون 3 حزيران (يونيو) 1907 اليوم، والامتيازات التي كان يصونها أيضاً قانون 11 كانون الأول (ديسمبر) 1905 أمس. البورجوازية الأخرى هي فئة واسعة جداً من مالكين صغار، وجزئياً من مالكين متوسطين، غير ناضجين إطلاقاً ولكنهم يسعون بهمة إلى بلوغ النضوج، وهم على الأغلب فلاحون يتعين عليهم فعلاً أن يحلوا مسألة لا تتعلق البتة بالامتيازات في العهد الحالي من حياة روسيا التاريخية، بل تتعلق بعدم الموت جوعاً بسبب من البوريشكيفيتشيين على العموم، مسألة مصادر سلطة البوريشكيفيتشيين أياً كانت هذه السلطة.

إن كل تاريخ تحرر روسيا السياسي هو تاريخ الصراع بين الاتجاه البورجوازي الأول والاتجاه البورجوازي الثاني. وإن كل معنى الآلاف من الكلمات الجميلة عن الحرية وعن المساواة وعن توزيع الأرض”بالتساوي” وعن “الشعبية” يتلخص في الصراع بين هذين الاتجاهين البورجوازيين . وفي حاصل الصراع ، ستظهر حتماً روسيا برجوازية تماماً، مطلية كلياً أو على الأغلب بأحد هذين “اللونين”.

ولا داعي إلى القول أن هذا الصراع ليس البتة، بالنسبة للعامل المأجور، أمراً لا يؤبه له، بل على العكس، فإذا كان العامل واعياً، فإنه يتدخل فيه بشديد الحزم ساعياً إلى أن يسير الفلاح وراءه، لا وراء الليبرالي.

وفي هذا بالذات تنحصر كذلك تلك المسائل التي كان لا بد لكونفرانس الترودوفيك أن يتناولها. وعن هذه المسائل سنتحدث بالتفصيل في المقالات التالية. أما الآن، فإننا نستخلص رصيداً صغيراً بما قيل. إن مسألة الترودوفيك والكاديت هي من أعظم المسائل في كامل تحرر روسيا السياسي. وليس ثمة ما هو أخس من حصر هذه المسألة في “قوة” هذه الأحزاب أو تلك في نظام الثالث من حزيران (يونيو) ، في “منفعة” هذه الاتفاقيات أو تلك في الانتخابات بموجب هذا النظام. بل العكس. فإن المسألة الجزئية المتعلقة بالاتفاقيات، والدورة الثانية من الانتخابات، الخ… لا يمكن حلها حلاً صحيحاً من وجهة نظر العامل المأجور إلا إذا فهمت الجذور الطبقية لهذا الحزب وذاك، حزب الديمقراطيين البرجوازيين (الترودفيك) وحزب الليبرالية البورجوازية (الكاديت، “التقدميون” ، وما إلى ذلك).

2

طرح كونفرانس الترودوفيك جملة كاملة من المسائل السياسية المهمة جداً والواسعة الدلالة. ولدينا في الوقت الحاضر تعليق رائع على قراراته، هو مقال السيد ف.فودوفوزوف عن “البرنامج الانتخابي لفريق العمل” في العدد 13 من الصحيفة الأسبوعية الصادرة في بطرسبورغ، “زابروسي جيزني” (“مقتضيات الحياة”) (278)، بمشاركة السيدين كوفاليفسكي وبلانك المباشرة. إن تعليق السيد فودوفوزوف هو “رائع” لا من وجهة نظرنا، بالطبع ، بل لأنه يعكس بصورة صحيحة آراء وتطلعات الترودوفيك ، وكل من يعني بأهمية القوى الاجتماعية الديمقراطية في روسيا يتعين عليه أن ينظر إلى مقال السيد فودوفوزوف بكل الانتباه. فقد كتب يقول:

“إن فريق العمل ينطلق من الاقتناع بأن مصالح الفلاحين والطبقة العاملة والمثقفين الكادحين لا تتناقض في اللحظة التاريخية الراهنة، وليس هذا وحسب، بل هي كذلك متماثلة تقريباً، ولهذا كان بوسع حزب واحد تماماً أن يخدم مصالح هذه الطبقات الاجتماعية الثلاث. ولكن الطبقة العاملة وجدت تمثيلها في شخص الحزب الاشتراكي-الديمقراطي بحكم الظروف التاريخية، ولهذا كان لا بد لفريق العمل أن يكون بالطبع وعلى الأغلب ممثلاً سياسياً للفلاحين. ولقد كان كذلك”.

هنا يبدو في الحال الخطأ الأساسي الذي يشاطره جميع الشعبيين بمن فيهم أقصى “اليساريين”. فهم ينطلقون من هذا “الاقتناع” الذي يناقض جميع حقائق العلم الاقتصادي وكل تجربة البلدان التي عاشت عهوداً تشبه العهد المعاصر في روسيا. وهم يواصلون التمسك بهذه “الاقتناعات” حتى حين تضطرهم تجربة التاريخ الروسي إلى الاعتراف بأن سير الأحداث يدحض هذه الاقتناعات في تربتنا أيضاً.

إن الجملة الثانية تقضي على الجملة الأولى عند الترودوفيك . فإذا كان بمقدور حزب واحد أن يخدم مصالح العمال والفلاحين على السواء. فمن أين ينبع الحزب الخاص للطبقة العاملة؟ وإذا كان هذا الحزب قد نشأ وتوطد في مرحلة هامة بخاصة وحرجة بخاصة من التاريخ الروسي (عام 1905)، وإذا كان يتعين حتى على الترودوفيك أن يقولوا بأنفسهم لأنفسهم أن الطبقة العاملة قد “وجدت” حزبها “بحكم الظروف التاريخية”، فإن هذا يعني أن “حكم الظروف التاريخية” قد دحض “اقتناعات” الترودوفيك .

وإذا كان الترودوفيك هم حزب الفلاحين، وإذا كان يتعين عليهم حسب اقتناعاتهم أن لا يكونوا حزب الفلاحين وحسب، فإن هذا يعني أن اقتناعاتهم غير صحيحة، وأنها وهم من الأوهام.

وهذا الوهم يشبه على وجه الضبط وهم جميع الأحزاب البورجوازية الديمقراطية في أوروبا في مرحلة النضال ضد الإقطاعية والحكم المطلق. فإن فكرة “الأحزاب خارج الطبقات” كانت تهيمن بشكل أو آخر، مع العلم أن “حكم الظروف التاريخية” كان يدحض هذه الفكرة على الدوام، كان يقضي على هذا الوهم. إن محاولات أو مساعي احتضان طبقات مختلفة “بحزب واحد ” ملازمة على وجه الدقة للديمقراطية البورجوازية في ذلك العهد الذي كان يجب فيه عليها أن ترى عدوها الرئيسي وراءها، لا أمامها، في الإقطاعيين لا في البروليتاريا.

إن الادعاء “باحتضان” طبقات مختلفة يقرّب الترودوفيك من الكاديت: فإن هؤلاء يريدون هم أيضاً أن يكونوا حزباً فوق الطبقات، ويؤكدون هم أيضاً أن “مصالح” الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين الكادحين “متماثلة تقريباً” . وبالمثقفين الكادحين يفهمون كذلك السادة ماكلاكوف وأضرابه! إلا أن العامل الواعي سيناضل على الدوام ضد شتى الأفكار عن الأحزاب ما فوق الطبقات، ضد كل طمس للهوّة الطبقية بين العمال الأجراء وصغار المالكين.

ولكن إذا كان تشابه الترودوفيك والكاديت يقوم في كون هؤلاء وأولئك يشاطرون الأوهام البورجوازية بصدد إمكانية اندماج مختلف الطبقات، فإن الفرق بين الطرفين يقوم فيما يلي: إلى أي طبقة يدفع سير الأحداث هذا الحزب وذاك خلافاً لرغباته، وأحياناً خلافاً لوعي مختلف أعضائه. إن التاريخ قد علّم الترودوفيك أن يكونوا أقرب إلى الحقيقة، أن يقولوا أنهم حزب فلاحي. أما الكاديت، فإنهم يواصلون القول عن أنفسهم بأنهم ديموقراطيون مع أنهم بالفعل ليبراليون معادون للثورة.

ومن المؤسف أن هذه الحقيقة الأخيرة لا بد من أن يدركها الترودوفيك بوضوح. – إنهم يدركونها بقدر من قلة الوضوح بحيث لا يوجد في قرارات كونفرانسهم الرسمية أي وصف للكاديت. فالقرارات الرسمية لا تتحدث إلا عن الاتفاقيات “مع الاشتراكيين-الديمقراطيين في المقام الأول، ثم مع الكاديت”. وهذا قليل. فلا يمكن حل مسألة الاتفاقيات الانتخابية بصورة صحيحة ومنسجمة ومبدئية إلا إذا اتضحت تماماً الطبيعة الطبقية للأحزاب المتوافقة، وكنه الخلاف الأساسي بينها، وكنه التطابق المؤقت بين المصالح.

وهذا لا يتناوله الحديث إلا في تعليق السيد فودوفوزوف. وحين أشارت “الريتش” إلى هذا المقال وعلّقت عليه، حاولت أن تخفي كلياً عن القراء هذه النقاط على وجه الضبط. ونحن نعتقد أنه ينبغي التوقف إلزاماً عند هذه النقاط بانتباه.

كتب السيد فودوفوزوف: “إن فريق العمل قد أدرك جيداً أن النظام المعاصر في روسيا هو نظام الحكم المطلق والتعسف، ولهذا ندد قطعاً بجميع الأقوال والأفعال التي أراد بها الحزب الكاديتي أن يعلن *urbi et orbi (للعالم أجمع-الناشر) عن وجود نظام دستوري في روسيا، ووقف سلبياً من اللقاءات الاحتفالية التي أقيمت تكريماً لممثلي البرلمان البريطاني والبرلمان الفرنسي لأجل إظهار الدستورية الروسية. ولم يكن يخامر فريق العمل أي شك في أنه لا يمكن أن يدفع روسيا إلى طريق التطور الصحيح والسليم غير الانقلاب الجذري والعميق في كل النظام السياسي والاجتماعي. ولهذا تعاطف مع جميع تجليات هذا الاقتناع في حياتنا الاجتماعية. فإن هذا الاقتناع بالذات هو الذي أنشأ الهوّة العميقة بينه وبين الحزب الكاديتيّ “…وبعد ذلك بقليل، تتكرر الفكرة نفسها عن “تطور الكاديت السلمي وتكتيك الكاديت الناجم عن هذا التطور”، “والذي كان دائماً يبعد الترودوفيك عن الكاديت أكثر مما عن الاشتراكيين-الديمقراطيين”.

ومفهوم لماذا كان يتعين على “الريتش” الكاديتية أن تعنى بإخفاء هذا الرأي عن قرائها. فهو يعبر بوضوح عن الرغبة في إقامة حد بين الديمقراطية والليبرالية . لا ريب أنه يوجد حد، ولكن السيد فودوفوزوف يفهم هذا الحد بإفراط في السطحية، رغم أنه يتحدث عن “الهوّة العميقة” . والحاصل عنده أن الفرق هو ، في الحقيقة، تكتيكي، ويكمن في تقييم الظرف: فإن الترودوفيك ينادون بالانقلاب الجذري، في حين أن الكاديت تطوّريون سلميون، الترودوفيك يعتبرون أن النظام عندنا هو نظام الحكم المطلق، في حين يعتبر الكاديت أنه يوجد، والحمد لله، دستور. ومثل هذا الفرق ممكن بين الجناح الأيمن والجناح الأيسر في طبقة واحدة بالذات!

هل يقتصر الفرق بين الترودوفيك والكاديت على هذا؟ أو لم يعترف السيد فودوفوزوف نفسه بأن الترودوفيك حزب الفلاحين؟ أفلا توجد في وضع الفلاحين الطبقي ، بالنسبة لبوريشكيفيتش والبوريشكيفيتشية على الأقل، سمات تميزه عن وضع البورجوازية الليبرالية ؟

فإذا لم تكن موجودة، فإن الفرق بين الترودوفيك والكاديت غير عميق حتى من حيث الموقف من الإقطاعية والحكم المطلق. وإذا كانت توجد، فإنه يجب أن يوضع في المقام الأول الفرق بين المصالح الطبقية على وجه الدقة، لا الفرق بين “النظرات” إلى الحكم المطلق والدستور أو إلى التطور السلمي.

إن الترودوفيك يريدون أن يكونوا أكثر راديكالية من الكاديت. وهذا حسن جداً. ولكن راديكاليتهم ستكون أكثر انسجاماً وعمقاً إذا ما فهموا بوضوح الجوهر الطبقي للبرجوازية الليبرالية الملكيّة، إذا تحدثوا صراحة في منهجهم عن ليبرالية الكاديت المعادية للثورة.

ولهذا عبثاً “يبرز” السيد فودوفوزوف “نفسه” بالاستشهاد بالعقبات الخارجية التي “اضطر” الترودوفيك بسببها، حسب زعمه، “إلى صياغة قرار أخفيت فيه أهم النقاط وراء الاستشهاد غير الواضح تماماً بالنسبة لأغلبية القراء “بمنهج فريق العمل” العسير المنال عليهم”. أولاً، إن الترودوفيك كانوا غير ملزمين بالاكتفاء بميدان محدود بالعقبات المذكورة، وباكتفائهم به، يكتشفون ، مثل تصفويينا تماماً، عدم كفاية عمق فرقهم عن الكاديت. ثانياً، كانت هناك إمكانية كاملة ولا أكمل لأجل صياغة الكنه الطبقي لليبرالية الكاديتية وعدائها للثورة، وذلك في أي ميدان كان.

وهكذا نرى أن تذبذبات الترودوفيك بين الكاديت والاشتراكيين-الديمقراطيين ليست من باب الصدفة، بل تنبع من ظروف عميقة جداً وجذرية جداً يعيش الفلاحون في ظلها. إن الوضع الوسطي المائع في معزل عن الصراع المباشر بين البرجوازي والبروليتاري يغذي الأوهام بصدد الحزب خارج الطبقات أو فوق الطبقات. إن الأوهام البرجوازية العامة الملازمة للمالك والمالك الصغير تقرب بين الترودوفيك والكاديت. ومن هنا الانسجام الناقص عند الترودوفيك بوصفهم ديموقراطيين برجوازيين، حتى في نضالهم ضد أسس سلطة البوريشكيفيتشيين.

إن مهمة العمال الواعين أن يساعدوا في تراص الديمقراطية الفلاحيّة، التي تكون أقل تبعية ما أمكن حيال الليبراليين وتستسلم أقل ما أمكن لنفوذهم، والتي تكون أكثر انسجاماً وحزماً ما أمكن. إن وضع الأغلبية الساحقة من جماهير الفلاحين لعلى نحو بحيث أن للتطلعات التي صاغها السيد فودوفوزوف إلى “الانقلاب الجذري والعميق” جذوراً خارقة الرسوخ، واسعة التشعب، وممتدة عميقاً في الأرض.

جريدة “زفيزدا” (“النجم”)

العددان 27 (63) و32 (68)،

8 و19 نيسان (إبريل) 1912 المجلد 21، ص ص237-246

مختارات لينين العشرة بالعربية المجلد الثالث طبعة دار التقدم 1976 الصفحات 546-557 ضمنا . التنضيد : واصل العلي ، حمص 28/8/2005

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في لينين وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s