لا للشرعيات الطائفية

لا للشرعيات الطائفية

«لما التزمت النصح والحقيقا لم يتركا لي في الوجود صديقا» ابن عربي

يضع اللبنانيون أيديهم على قلوبهم، وهم يعدّون الأيام التي تمر ببلدهم من دون حكومة، فيما القضايا التي تحتاج إلى قرارات جريئة ومسؤولة تُترك لتتراكم وتنفجر، على غرار ما حصل في قضية سجن رومية، والنكبة التي يواجهها المغتربون اللبنانيون في ساحل العاج الذين تُركوا لمصيرهم في ظل حكومة تصريف أعمال تعتبر ان «كل عنزة معلقة بكرعوبها»، على ما يقول المثل الشعبي اللبناني، وان على كل جماعة ان تقلّع أشواكها بيديها!

ولا يفسَّر بغير هذين المثلين اجتماع المجلس الأعلى للدفاع للبحث في قضية اللبنانيين العالقين في أبيدجان، في حين ان المطلوب كان اجتماعاً في السرايا لوزراء حكومة تصريف الأعمال برئاسة الرئيس سعد الحريري، الذي بدا في اجتماع المجلس الأعلى للدفاع كأنه في مأتم، نظراً إلى انقطاع التواصل بينه وبين عدد من أركان الدولة ووزرائها، وفي مقدمهم رئيس مجلس النواب نبيه بري، ووزير الخارجية علي الشامي، وكذلك النائب وليد جنبلاط.

وقد كشفت أزمة المغتربين في افريقيا عيباً أساسياً في النظام السياسي اللبناني، هو غياب التضامن الوطني.

وكم نتمنى ان تكون الثورات التي تعم العالم العربي قد أيقظت في اللبنانيين الإحساس المشترك في ما بينهم، حتى يُقبلوا على التضامن مع كل جماعة منكوبة، بصرف النظر عن منطقتها، وطائفتها ومذهبها. ثم التعبير عن هذا التضامن باحتضان منكوبي شاطئ العاج بكل الوسائل، بما فيها «الصندوق الوطني للإغاثة والإسعاف» مع الثقة بقدرة المغتربين هناك على النهوض مجدداً، وتعويض الاضرار، عبر التكاتف والتضامن في ما بينهم، مسلمين ومسيحيين، مقدمين المثال الصالح للمقيمين المحبطين الذين ينتظرون بفارغ الصبر فك الأسر الطائفي والمذهبي الذي وُضع فيه موضوع تأليف الحــكومة، والذي تزامن مع تحركات «أسرى» سجن رومية المتروكين منذ سنوات لمنطق «العنزة المعلقة بكرعوبها»!

ولا نظننّ أنّا كنا في حاجة إلى قضيتي مغتربي ساحل العاج والعصيان في سجن روميه لنكتشف مدى افتقارنا إلى التضامن الوطني، وإلى الإحساس المشترك بضرورة التفاهم حول الحكومة التي كُلف الرئيس نجيب ميقاتي مهمة تشكيلها منذ أكثر من شهرين، وهو يدرك جيداً الأسباب التي أدت إلى انهيار حكومة الرئيس سعد الحريري، كما يدرك مدى الثقة التي وضعتها الأكثرية الجديدة في شخصه ومنحته شرعية سياسية ودستورية تختلف كثيراً عن الشرعية التي يحاول ان يستمدها من المرجعية الطائفية والمذهبية التي يمثلها المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى.

وبدلاً من العمل على تطبيق الفقرة الثانية من المادة 64 من الدستور التي تنص على: «يجري (رئيس مجلس الوزراء) الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويوقع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها»، بحيث يؤلف حكومة تضامن وطني لجبه الضغوط التي تتعرض لها البلاد، راح الرئيس نجيب ميقاتي يستدرج مرجعيته الطائفية، إلى تفسير لهذه الفقرة بعيد عن روح النص، مصوّراً الصعوبات التي واجهها في مفاوضاته مع رئيس كتلة التغيير والإصلاح العماد ميشال عون حول نصيب الكتلة من التشكيلة الوزارية، استناداً إلى حجم تمثيلها المسيحي في الدرجة الأولى، بأنها محاولة لوضع شروط على الرئيس المكلف، و«إيجاد أعراف غير دستورية»، و«محاولة إضعاف موقع الرئاسة الثالثة»، و«عدم تمكين الرئيس المكلف من ممارسة دوره الدستوري بالتعاون مع رئـــيس الجمهورية في تشكيل الحكومة»، فضلاً عن رفضه «مشاركة أي طرف ســياسي في هــذا الـدور».

وقد استفز هذا التفسير للنص الدستوري المرجعية الطائفية للرئيس ميقاتي، فوجدت في بيان لها الأحد الماضي، اثر اجتماع حضره ميقاتي، ضرورة «احترام القواعد والتقاليد والتوازنات المتعارف عليها في دور أي رئيس مكلف وصلاحياته في اختيار الوزراء بمسؤولية».

وإذ لم تشر المادة الدستورية إلى ما يتعدى «اجراء الاستشارات النيابية»، والتوقيع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيل الحكومة، جاز للمراقبين التساؤل عن مدى انطباق تفسير المجلس الإسلامي للدستور بشروط وضعها من جانب واحد متجاهلاً بقية المرجعيات الطائفية التي ينبغي ان يكون لها هي الأخرى رأي في التشكيل، نظراً إلى ان الذين عملوا على وثيقة الوفاق الوطني في الطائف وأعدوا التعديلات الدستورية من خلال «لجنة عتالة» ترأسها رئيس مجلس النواب آنذاك الرئيس حسين الحسيني، قالوا ان قوانين أو مراسيم كان مقرراً ان تصدر لاحقاً وتحدد طريقة ممارسة كل من رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء صلاحياتهما، وخصوصاً في التأليف، وحدود هذه الصلاحيات قانونياً ودستورياً، وليس طائفياً، علماً بأن النص لم يذكر طائفة كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، كما لم يحدد مرجعيتيهما الدينيتين وصلاحياتهما. وهذه نقطة مهمة نظراً إلى ان مجلس الوزراء الذي انتقلت إليه في الطائف صلاحيات رئيس الجمهورية وامتيازاته، قد تحول الى مركز للشراكة الوطنية في صنع القرار السياسي بواسطة ممثلي الطوائف الأساسية المنتخبين. وهذا ما يجب على الرئيس المكلف التزامه، وإدراكه تالياً في الاختلاف الحاصل في وجهات النظر بينه وبين العماد ميشال، عون ممثل الغالبية المسيحية في الأكثرية الجديدة.

كذلك، يجب النظر إلى ماهية عبارة «ويوقع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيل الحكومة»، التي تعني عدم استئثار الرئيس المكلف بالتأليف، وان ممثلي المسيحيين والمسلمين يجب ان يتفاهما على التشكيلة، بحيث تأتي متوازنة وطنياً، الأمر الذي يستبطن حتماً وجود تفاهم على التمثيل المسيحي في التشكيلة بين رئيس الجمهورية ورئيس أكبر تكتل مسيحي داخل الأكثرية الجديدة، الأمر الذي تعذّر حدوثه بسبب استدراج الرئيس ليكون شريكاً في التشكيلة من خلال عدد من الوزراء، وذلك خلافاً للطائف الذي جعله حَكَماً وليس فريقاً. وقد وضع هذا الموقف الجنرالين في وضع لا يحسدان عليه.

وسيكون من الخطأ افتعال صراع بين ميقاتي وعون حول الصلاحيات من أجل تقديم المرجعية الطائفية لميقاتي على المرجعية الدستورية. كما يكون من الخطأ تصوير الصراع داخل الفريق المسيحي بأنه صراع على الحصص، بينما هو تغطية لخطة ترمي إلى عدم «استفزاز» الفريق الذي أُخرج من السلطة، والإبقاء على الفساد، وعدم محاسبة المفسدين. وهذا يظهر ان الحريري كان مظلوماً! فهل هذا هو المطلوب من سليمان وميقاتي؟

 

 

 

ادمون صعب

 

السفير – ٠٧ نيسان ٢٠١١

 

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر, أخبار من الصحف وكلماته الدلالية , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s