قمع الحريات الجنسية: أداة للسيطرة على المجتمع

قمع الحريات الجنسية: أداة للسيطرة على المجتمع

هبة عباني

 

إن تعزيز الحقوق الجنسية والجسدية هو نضال يجب مقاربته من جهات ومستويات مختلقة. في حين يبقى إصلاح القوانين أمراً لا بدّ منه، إلا أن تشريح كافة جوانب المشكلة مع التطلّع بجدية إلى خصوصيات كلّ مجتمع على حدة يبقى أساسياً لإقرار الحقوق الجنسية والجسدية، ومعالجة جذور القمع تبقى الإجابة الوحيدة التي تضعنا في الاتجاه الصحيح من أجل اكتساب هذه الحقوق.

 

لا يقتصر القمع الجنسي والجسدي على المجتمعات الإسلامية فحسب. تمارس جميع الأديان والمؤسسات التابعة لها دوراً أساسياً في صياغة القوانين وتنفيذها بالإضافة إلى تأثيرها على عملية صنع القرارات التي تقع في صلب القمع والاضطهاد والحدّ من الحقوق الجنسية والجسدية وغيرها من الحقوق. ويُعتبر اقتراح القانون الذي يجرّم المثلية الجنسية في أوغندا خير دليل على ذلك.

 

نشهد اليوم على الكراهية الموجهة ضد المثليين التي تمّ تصديرها إلى أوغندا من قبل مجموعة من الإنجيليين الأمريكيين. يبين مثال أوغندا كيف أن اليمين الديني المتشدد في الولايات المتحدة يسعى إلى نقل معركته ضد كلّ ما له صلة بالمثلية الجنسية إلى مستوى عالمي. ولا يُعتبر مشروع القانون المقترح لمكافحة المثلية الجنسية، انتهاكاً جسيماً لحقوق المثليين فحسب، بل هو انتهاك لحقوق الإنسان كافة.

 

لا يُعدّ لبنان مجتمعاً إسلامياً، وعلى الرغم من ذلك ما زالت المؤسسات الدينية والنظام الطائفي يقفون كعقبة رئيسية أمام اكتساب حقوقنا وأمام التحكم بجنسانيتنا.

 

كما لا يعتمد الدستور اللبناني على الدين بصفته مصدراً أساسياً لنصوصه، وعلى الرغم من ذلك نرى أن المؤسسات الدينية/الطائفية تملك الحقّ الحصريّ في البتّ بكلّ ما يتعلّق بالأحوال الشخصية مثل الزواج والطلاق والمسائل المتعلقة بالأسرة، وبالتالي تسيطر على جنسانيتنا من خلال تحريمها أو تحليلها وفق نماذج وممارسات وأطر معينة.

 

ولا يستطيع أحد أن ينكر الفوائد المباشرة التي تكتسبها هذه المؤسسات من الزواج والطلاق من حيث المال ورأس المال والسلطة على المجتمع، وبالتالي المكاسب المتأتية من مؤسسة الزواج الغيري المصمّمة سلفاً وفق نموذج محدد.

 

ولا تزال المؤسسات الطائفية في لبنان تحارب كلّ من يختار العيش والتعبير عن حياته/ها الجنسية خارج المفهوم المُمأسس للأسرة والزواج. تتخذ هذه المؤسسة (الزواج) دور الكيان والمدرسة الأوليين لنشر وبناء القواعد الأساسية التي تقمع وتقيّد حقوقنا الجنسية والجسدية، كما وتشكّل المكان الأوّل لخلق وتثبيت الصور النمطية للمرأة وللرجل، حيث يتمّ تلقيننا هناك ماهية المرأة وماهية الرجل: فالمرأة هي ربّة منزل، هي والدة، هي مرتبطة بصورة معينة، وعليها بالتالي أن تغطّي جسدها كي لا تُغتصب، عليها أن تحافظ على عذريتها حتى تتزوج، وإلا سوف تكون عرضةً “لجرائم الشرف”. عليها أن تقمع جنسانيتها.

 

هناك في تلك العائلة نتعلم أن الجنس له وظيفة واحدة وهي التكاثر، في حين تبقى اللذة الجنسية أمراً محرماً؛ وهناك أيضاً على النساء والرجال أن يتبنوا أدواراً وسلوكياتٍ محددةٍ لكي يستحقّوا أن يكونوا “رجالاً ونساءً حقيقيين”. وهناك، يُحرم الفرد من اختيار الميول الجنسية الخاصة به ويُلزم بأدوار جندرية مصمّمة سلفاً لكي يكون مقبولاً ومرحباً به.

 

من الواضح أن ممارسة التمييز والانتهاكات والكراهية الموجهة ضد المثليات والمثليين والثنائيات والثنائيين والمغايرات ومغايرين وأحرار الجنس إنما هي نتاج عدم انسجامهم مع النموذج الوحيد لمؤسسة العائلة ولأنهم اختاروا أن يتحكّموا بأنفسهم بحياتهم الجنسية.

 

لطالما اتهمت المؤسسات الدينية المثليين والثنائيات والثنائيين والمغايرات والمغايرين وأحرار الجنس بتدمير “العائلة”، بينما جلّ ما نريده هو أن نعيش ونعبّر عن جنسانيتنا كما نريدها نحن.

 

تدّعي المؤسسات الدينية حماية “العائلة” من أجل الحفاظ على استمرارية الجنس البشري من خلال التكاثر، ولكن إذا نظرنا بموضوعية نجد، من جهة، أنّ تلك المؤسسات ليست إلا أداة قمع وسيطرة تروّج للملكية الخاصة واعتبار الناس كممتلكات، وهذا صلب مفهوم العائلة.

 

من جهة أخرى، إذا كان خوفهم على العائلة حقيقياً، لماذا إذاً بذلوا كلّ ما بوسعهم لعرقلة تمرير قانون الزواج المدني في لبنان؟ وبالتالي، الوقوف بوجه إصلاح، ولو كان بسيطاً، يضمن للمرأة بعض حقوقها ويُعتبر خطوة أولى لإبعاد الزواج عن سيطرة المؤسسات الدينية. أليس هذا تخوفاً واضحاً من فقدان السيطرة الشاملة على مؤسسة الزواج وبالتالي السيطرة على المجتمع.

 

إن “العائلة” بالنسبة لتلك المؤسسات هي الشكل الاجتماعي الذي يستجيب لمتطلبات القوانين الاجتماعية/الطائفية السائدة (حيث الغيرية هي المعيار الوحيد للعلاقات الاجتماعية) وبذلك تكون قادرة (هذه المؤسسات) على تحضير أجيال جاهزة لصهرها ضمن الطوائف والأحزاب الحاكمة التي بدورها تنسجم انسجاماً تاماً مع تلك المؤسسات. فالأحزاب الحاكمة تستقطب محازبيها على أساس الطائفة، وحيث إن برامج وأيديولوجية هذه الأحزاب أصبحت تتلاصق ومصلحة المؤسسات الدينية/الطائفية؛ كلّ ذلك من أجل ضمان استمراريتها وسلطتها ولكبت أي نضال اجتماعي جامع يهدّد سيطرتها علينا جميعاً. تلك الأحزاب ستخسر قدرتها على إدارة قواعدها ومؤيديها في حال خرج قانون الأحوال الشخصية من براثن المؤسسات الدينية.

 

هنا، يحقّ لنا أيضاً أن نشكّك بمخاوف المؤسسات الدينية على “العائلة”، حيث نجد تلك العائلة نفسها متروكةً لمواجهة أسوأ الظروف الاقتصادية، كالنقص في الخدمات الصحية والتربوية، التسرّب المدرسي، البطالة… كما أنه لدينا الحق أن نسأل ماذا تستفيد العائلة من خلال الترويج للعنف المنزلي ضد النساء، والتمييز بين أفرادها وقمعهم وفقاً لميولهم الجنسية؟

 

تدّعي المؤسسات الدينية حماية الأخلاق والقيم، ولكن أين هي تلك القيم عندما نرى أجساد النساء معروضة للبيع في الإعلانات والمجلات والبرامج والأفلام التلفزيونية وكافّة الدورة الثقافية المحددة من قبل السلطة؟ نحن لا نصدّق أن هدفهم هو حماية العائلة والإنسان، إنما السيطرة على الحقوق الجنسية والجسدية من أجل السيطرة، بالتالي، على كافّة الحقوق الأخرى كالحقّ في العمل والتعليم والمشاركة السياسية والاقتصادية.

 

نعي أيضاً أن قمع الجنسانية والترويج للعائلة الغيرية كالنموذج الوحيد للعائلة إنما هو نتاج مشترك للمؤسسات التي تحكم المجتمع كالحكومات والنظام التعليمي والمؤسسات التجارية والتعليمية.

 

إن قمع الحقوق الجنسية هي وسيلة لقولبة الناس وتحويلهم إلى منتج ينسجم مع المنظومة الأخلاقية من أجل ضبط إيقاع المجتمع لينسجم مع مصالح الطبقة الحاكمة وأركانها.

 

تسعى هذه العملية إلى الحفاظ على السلطة والمكاسب وزيادة نسبة الاستهلاك وفرض سلطة الطوائف والطبقة الحاكمة على الناس.

 

هذا وندرك أيضاً أن الحقوق الجنسية والجسدية هي حقوق أساسية للإنسان ولها تأثير كبير على حياتنا وعلى مختلف الصعد. لذلك، فإن المطالبة بالحقوق الجنسية والجسدية لا تنفصل عن مسيرة التحرر الاقتصادي والاجتماعي، وهي ركن من أركان النضال من أجل عالم افضل.

 

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر وكلماته الدلالية , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s