التعميم السياسي رقم 17 – الحزب الشيوعي اللبناني

التعميم السياسي رقم 17 – الحزب الشيوعي اللبناني
12/04/2011
التعميم السياسي الشهري (17)
لجنةالعلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي اللبناني
الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية
يقدم هذا التقرير، في قسمه الأول، تقييما أوليا للتغيرات السياسية التي تعصف بمنطقتنا، بدءا بثورتي تونس ومصر؛ كما ويتابع التطورات الخطيرة للوضع الليبي وما يمكن أن يؤول إليه هذا الوضع نتيجة الجرائم التي يرتكبها نظام القذافي (واستجلابه للتدخل الأميركي – الأوروبي – الأطلسي في لبيبا)، إلى جانب انطلاق عملية تفتيت السودان وزيادة احتمالات الفتنة في لبنان على وقع “قرارات” المحكمة الدولية التي برهنت ارتباطها بالأجندة الأميركية.
أما القسم الثاني من هذا التقرير فيقدم، وبشكل تفصيلي، عرضا تحليليا للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي مر فيها لبنان خلال العام 2010 والبرنامج النضالي للحزب على ضوء ذلك.
أولا- التطورات العربية عموما
يشهد العالم العربي اليوم نهوضا ثوريا استثنائيا، إن من حيث اتساعه أم من حيث عمق تجذره، ليس فقط داخل الطبقة العاملة، بل كذلك لدى فئات واسعة من البرجوازية الصغيرة والمتوسطة. ذلك أن الأوضاع الصعبة، التي عاشتها هذه الفئات من جراء السياسات النيوليبرالية المتطرفة التي اعتمدتها الأنظمة العربية عموما منذ تسعينيات القرن العشرين، ازدادت تفاقما بشكل ملحوظ بعد العام 2008، نتيجة انفجار الأزمة العامة للرأسمالية وانعكاساتها على الاقتصادات العربية المتشابهة إلى حد كبير، إن من حيث طابع التبعية أم من حيث نمطها الريعي. وتجلى التفاقم من خلال الارتفاع الملحوظ لمعدلات البطالة والهجرة، خاصة داخل الفئات الشابة وبين النساء، ولإقفال العديد من المؤسسات والمعامل وتسريح العاملين فيها؛ هذا عدا عن آلاف التحركات الاجتماعية والإضرابات التي كانت غالبا ما تقمع بوحشية… دون أن ننسى القمع العام للحريات ورفض الترخيص للأحزاب وتكبيل وسائل الإعلام وتدجين الحركة النقابية.
كل ذلك، مترافقا مع الاحتلال المباشر الأميركي-الأوروبي-الأطلسي لأكثر من بلد عربي والدعم المقدم لإسرائيل في سياستها العدوانية ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني (بدءا بعدوان صيف 2006 ووصولا إلى حصار قطاع غزة) الذي شارك فيه القسم الأكبر من الأنظمة العربية، خلق المناخات التي أدت إلى الانتفاضات المتتالية التي انطلقت من تونس لتشمل اليوم الرقعة الإجمالية للعالم العربي.
1 – ثورتا تونس ومصر والانتفاضات الأخرى
وإذا كانت مرحلة الثورات والانتفاضات الحالية تذكر بالمرحلة التي تلت نكبة فلسطين، أي بالتغييرات (انقلابات وثورات) التي أطاحت، يومها، بأنظمة مماثلة كانت تابعة إجمالا للاستعمارين البريطاني والفرنسي، إلا أنه يتعين رؤية الفارق المتمثل، هذه المرة، بالطابع الشعبي الواسع لهذه الثورات والانتفاضات وخاصة بالدور الذي تلعبه الحركة النقابية العمالية والحركة النسائية ضمنها، خاصة في ثورتي تونس ومصر، عدا عن دور الشباب (والإفادة من ثورة الاتصالات والتواصل) في تأطير الحركات الاعتراضية وتحديد شعاراتها الأساسية.
بالإضافة إلى ما تقدم، نشير كذلك إلى أهمية امتداد هذه الحركة، وللمرة الأولى، إلى كل منطقة الخليج العربي التي حاولت الامبريالية على الدوام (وباستثناء الخرق الذي جرى في الثورة العراقية ضد الملكية وكذلك في اليمن الجنوبي) إبقاءها “تحت السيطرة” المباشرة نظرا لأهميتها الإستراتيجية والاقتصادية. وما امتداد الانتفاضات إلى كل العالم العربي إلا دليل على أن المسيرة التحررية للشعوب العربية، وبغض النظر عن بعض التوصيفات التي تحاول صبغ تحركاتها بالمذهبية والاثنية، قد انطلقت باتجاه التغيير؛ وهي ستنتهي، رغم الهجمة التي تقودها بعض قوى الثورة المضادة بمؤازرة الولايات المتحدة الأميركية (وإسرائيل) إلى إفشال المشاريع الامبريالية – الصهيونية المعدة للمنطقة العربية، وأهمها “مشروع الشرق الأوسط الجديد”. هذا المشروع القائم أولا على تصفية الهوية العربية واستبدالها بهوية تستند إلى الانقسامات الدينية والمذهبية التي تعيد تفتيت العالم العربي وتؤدي إلى نشوء محاور جديدة ضمنه، قوامها ما يسمى “الهلالين السني والشيعي”، بما يثبت ضرورة المضي في مشروع “إسرائيل دولة اليهود في العالم”، من جهة، وبما يعيدها إلى الدور الذي أنشئت من أجله كقاعدة متقدمة للامبريالية في قلب المنطقة العربية من أجل الإمساك بمصادر الطاقة ومنابعها والسيطرة على قسم هام من المخزون العالمي. وما الدور الذي تقوم به إسرائيل اليوم في العراق (بالتحديد في كردستان)، شرقا، وفي السودان والمغرب إلا دليل على انطلاق المخطط.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن العامل الطبقي شكل خلافا للانتفاضات السابقة (بدءا بثورة الخبز التي انطلقت في مصر في العام 1977) المنطلق الأساس لنجاح ثورتي تونس ومصر ولاستمرار يتهما، على الرغم من كافة المحاولات التي بذلت ولا تزال باتجاه الالتفاف عليهما، إن من قبل بقايا النظامين أم من قبل الإدارة الأميركية التي تسعى جاهدة لاستعادة زمام المبادرة.
فالثورتان، كما أشرنا سابقا، وليدتا آلاف التحركات التي ارتبط فيها العامل السياسي (المطالبة بالمشاركة السياسية والحريات الديمقراطية) بالعامل الاقتصادي-الاجتماعي (حق العمل على وجه الخصوص). وهما استندتا، خاصة في تونس، إلى أحزاب سياسية ذات طابع تغييري خاضت غمار النضالات بالاستناد إلى الحركة العمالية والى برامج سياسية واضحة الأهداف في العلاقة ما بين المواجهة مع الطغم الحاكمة، والسياسات التي تنفذها على كافة الأصعدة، والمواجهة مع ما سمي بالنظام العالمي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية. ولا ننسى الدفع الذي شكلته كذلك انتفاضة الشعب الفلسطيني، في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن ثم المقاومة الوطنية اللبنانية في استنهاض كفاحية الشباب العربي والشعوب العربية من أجل التحرر الوطني والاجتماعي، خاصة بعد المواجهة مع المشروع الأميركي – الصهيوني في العام 2006 في لبنان وقبل ذلك وبعده في فلسطين المحتلة.
وتجدر الإشارة إلى أن شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، الذي أصبح اليوم شعارا عربيا عاما تحمله الجماهير العربية في كل ساحات النضال، قد ثبت الطبيعة الثورية للانتفاضتين اللتين لا تزالا مستمرتين في التركيز عليه، إن من خلال رفض أنصاف الحلول، كإدخال تعديلات جزئية على دستوري البلدين أو غض النظر عن مسألة إجراء انتخابات لهيئات تأسيسية تطلق عملية التغيير أو حتى غض النظر عن المساومات التي حاولت إمرارها بعض القوى المستظلة باليسار أو كذلك بعض القوى “الإسلامية”؛ هذا عدا عن التركيز على أولوية علنية الأحزاب ذات الطابع التغييري التي حظرتها السلطات البائدة وتشكيل الجبهات السياسية على أساس الجمع ما بين التغيير الديمقراطي ومواجهة المشاريع الامبريالية في المنطقة، وبالتحديد دور الولايات المتحدة الأساسي في قيادة هذه المشاريع وتوجيهها. وفي هذا المجال الأخير لا بد من توجيه التحية إلى جبهة 14 جانفيه في تونس والى لجان الثورة في مصر على الموقف من جولة وزيرة خارجية الولايات المتحدة هيلاري كلينتون، وقبلها مستشارها لشؤون الشرق الأوسط جيفري فيلتمان، ومن السياسة الأميركية في المنطقة.
أخيرا لا بد من القول إن هاتين الثورتين أسقطتا حاجز الخوف لدى الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج ودفعتا بها إلى الثبات في رفع شعار التغيير وفي صد القمع السلطوي والانتصار عليه.
2 – الثورات المضادة والتحركات المشبوهة
كل هذه العوامل مجتمعة ستؤدي ولا شك ، إذا ما تابعت القوى الثورية وجهتها نحو تثبيت التغيير، إلى تحولات هامة في كل بلد عربي وعلى الصعيد العربي العام. غير أنه من الضروري لفت النظر إلى أن الدول الرأسمالية، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وبالاعتماد إلى مكونات الأنظمة الاستبدادية السابقة (القوى العسكرية والأمنية)، قد بدأت ، بعد مرحلة قصيرة من الإرباك، هجوما مضادا في أكثر من بلد عربي، وبالتحديد في مصر وتونس حيث تحاول قوى الردة المدعومة من الإدارة الأميركية ومن البرجوازيات المحلية إعادة إنتاج النظامين السابقين بعد أن تم إقصاء رمزيهما المتمثلين بزين العابدين بن علي وحسني مبارك. ويتجلى الهجوم المضاد هذا في الأمور التالية:
-استعادة الأحزاب التي كانت ذراع النظامين السابقين لدورها داخل الحياة السياسية، إما مباشرة (مصر) أم بطرق ملتوية (تونس) والتغاضي عن دورها في القمع الذي تعرضت له الجماهير وحتى عن متابعة التحقيق في المجازر التي ارتكبتها القوات الأمنية في كلا البلدين .
-التراجع عن الإصلاحات الأساسية أو إقرارها بصورة مشوهة، بدءا بكيفية تشكيل الحكومات أو بالتعديلات التي أدخلت على الدستور في مصر والتي لم تغير من جوهره، مرورا بقوانين تشكل الأحزاب وصولا إلى تجريم التظاهر (مصر) وقمع المتظاهرين (تونس).
-تشجيع القوى الدينية على البروز ودعوتها للتعاون مع الممثلين الجدد للأنظمة المتساقطة,
أما في ليبيا، فيوظف التحالف الامبريالي جرائم النظام الديكتاتوري الليبي للاستيلاء على الثروة النفطية كلها، بعد أن كان القذافي قد وزع على البعض – الأوروبي خاصة- مساعدات مادية كبيرة، إما على شكل تبرعات لحملة انتخابية من هنا أو من خلال صفقات سلاح من هناك أو الإذن بالتنقيب عن النفط من هنالك. ويمكن القول أن النظام الرسمي الدولي، المتمثل بالأمم المتحدة، قد التقى مرة جديدة، كما في العدوان على العراق، مع النظام الرسمي العربي ليؤسسا معا إلى قرار العدوان الذي اتخذ وما تبعه من قصف عشوائي أدى إلى قتل المدنيين بالآلاف والى تحويل الثورة تدريجيا إلى حرب أهلية لا يعرف متى تنتهي وكيف. والأمر نفسه يلاحظ في الخليج العربي حيث تعتدي قوات ما يسمى بـ”درع الجزيرة” على الشعب البحريني في وقت يتلقى فيه علي عبدا لله صالح كل الدعم العسكري المقرون بصمت سياسي لتنفيذ جرائمه الوحشية ضد المعتصمين والمتظاهرين في مدن اليمن بدءا بالعاصمة صنعاء.
وإذا ما أضفنا إلى كل ما تقدم بدء عملية تقسيم السودان، ومخاطر اندلاع حرب بين الجنوب والشمال، والمجازر المستمرة في العراق المنقسم على ذاته، وانفجار الوضع في سوريا لقلنا أن الامبريالية الأميركية، ومعها كل قوى التحالف الرأسمالي، تحاول اليوم، بالاستفادة من قوى الثورة المضادة في العالم العربي، إمرار مشروعها المسمى “الشرق الأوسط الجديد” الذي يستند إلى شعار تفجير العالم العربي إلى دويلات متصارعة.
يبقى أن نشير إلى تسارع محاولات إنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي. فبالإضافة إلى الاعتداءات التي لا تهدأ ضد قطاع غزة، تحاول إسرائيل، مدعومة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تصفية القضية الفلسطينية بالاستناد إلى مشاريع الصهيونية العالمية المتجسدة اليوم في مشروع نتانياهو (المشار إليه بالتفصيل في التقرير السابق) حول تأجيل إعلان الدولة الفلسطينية، أو إعلانها ضمن حدود مؤقتة. هذا، في وقت يتم فيه وضع اليد على أراض فلسطينية جديدة، من خلال بناء آلاف الوحدات الاستيطانية سنويا وتهويد القدس، مع الحديث عن “تبادل للأراضي” والسعي لتنفيذ ترانسفير جديد يطال قسما من فلسطينيي 1948. أما الهدف النهائي لهذه السياسات فيتجسد في فرض إسرائيل كدولة اليهود في العالم.
وتجدر الإشارة، أخيرا، إلى مسألتين أساسيتين، الأولى وتتعلق بالدور الذي تلعبه تركيا، بقيادة رئيس وزرائها أردوغان، في دعم بعض الأنظمة العربية، هذا الدور الذي تحركه توجهات طالما عبرت عنها السياسة التركية منذ صدور كتاب داوود أوغلو؛ والثانية وتتعلق بالدور الذي تقوم به الأحزاب الدينية على امتداد البلدان العربية.
لقد سبق أن أشرنا إلى محاولات قوى الثورة المضادة مع تلك الأحزاب. إلا أنه من الضروري لفت النظر إلى تجاوب قسم منها مع تلك المحاولات المترافقة وسعيها الحثيث لركوب المد الجماهيري العربي الثوري وطرح مشاريعها التي لا تنتج تغييراً جذرياً لبنية الأنظمة القائمة، مما يضعف الحالة الثورية في العالم العربي. والملفت في هذا السياق محاولة أنظمة عربية الإفادة من دور هذه الأحزاب وتلك القوى لتثبيت أنظمتها بأشكال مختلفة، إن بالتحاور معها وتحقيق بعض مطالبها غير التغييرية، أو الموافقة على التحالف معها وعلى جعل بعض ممثليها في مواقع القرار. كما لا تزال الأنظمة العربية الرجعية تسعى، من خلال التركيز الإعلامي على دور تلك الأحزاب، لإيصال رسالة مباشرة إلى الإمبريالية الأميركية مفادها أن البديل عنها هو بديل ديني. كل ذلك ، ومعه بعض المواقف الإقليمية المغالية، يدخل في إطار خدمة المشروع الإمبريالي الأميركي المعروف بـ “الشرق الأوسط الجديد” أي تقسيم العالم العربي إلى دويلات دينية متصارعة، وبالتالي الحؤول دون تحقيق أهداف الثورة العربية.
ثانيا – تطورات الوضع اللبناني
هذه التطورات العربية بشقيها الايجابي والسلبي أثرت على الوضع الداخلي اللبناني الذي يعيش، منذ ما بعد العدوان الإسرائيلي صيف 2006، أزمة كيانية خانقة باتت تهدد وجود لبنان نفسه.
وتتمثل هذه المرحلة الجديدة من الأزمة بتنامي مضطرد وغير مسبوق للمذهبية، بحيث يمكن القول أن التجاذبات والاستقطابات قد وصلت إلى حد يمكن توصيفه بأنه حرب أهلية مستمرة، وان يكن التصعيد فيها لم يصل إلى انفجار شامل كما في الحروب الأهلية السابقة. إلا أنه لا بد من التوقف عند ظواهر الانقسام الخطير الذي يعيشه لبنان اليوم والذي يتمثل بعجز كلي للنظام عن استيعاب التناقضات والصراعات الجديدة-القديمة خاصة في ما يتعلق بسلاح حزب الله، والمقاومة ضد إسرائيل عموما، وكذلك بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان وما فضحه موقع “ويكيليكس” من وثائق ومراسلات تؤكد على الدور الموجه للولايات المتحدة (وسفيراها جيفري فيلتمان وميشيل سيسون) في العدوان الإسرائيلي وفي محاولة توجيه السلطة باتجاهات تتناقض والمصلحة الوطنية اللبنانية.
1 – الوضع السياسي
ويمكن الجزم في وصول النظام الطائفي إلى الحائط المسدود من خلال أزمة الحكم المستمرة منذ ما بعد الانتخابات النيابية التي تمت في العام 2009 والتي أبقت البلاد يومها في فراغ حكومي لمدة 5 أشهر انتهت باتفاق سوري-سعودي كان الهدف منه هدنة ليس إلا.
وتتجدد الأزمة اليوم من خلال عجز الرئيس المكلف الجديد، منذ أكثر من شهرين، عن تشكيل حكومة وكذلك من خلال عجز الأكثرية الجديدة (التي نتجت عن انتقال وليد جنبلاط إلى جانب مجموعة الثامن من آذار) في الاتفاق على تشكيلة. في الوقت عينه، يحكى عن ضغوط أميركية تمارس على أكثر من صعيد في لبنان لنزع سلاح حزب الله، من جهة، ولإبقاء البلاد على ما هي عليه بانتظار تحديد وظيفة النظام اللبناني الجديدة في ضوء الخطة الأميركية العامة للمنطقة.
بالمقابل، يمكن القول أن اتفاق الطائف قد سقط بفعل ما نتج عن اتفاق الدوحة (2008) من تطبيق مخالف له، إن من خلال إقرار مبدأ “الديمقراطية التوافقية” أم من خلال الاتفاق على “الثلث المعطل” اللذين أديا إلى شل الحياة السياسية كليا ومعها المؤسسات. فالحكومة السابقة انفجرت بفعل الانقسام الداخلي الحاد بين الطرفين المكونين لها حول المحكمة الدولية وقرارها الظني وحول سلاح حزب الله والمواجهة مع إسرائيل. ويمكن الجزم أن أي قضية سيكون لها المفعول نفسه طالما أن النظام القائم يمنح ممثلي الطوائف الأساسية “حق الفيتو”، أي يعطيهم الحق في تعطيل كل قرار لا يتلاءم ومصالحهم الآنية والبعيدة المدى.
انطلاقا من استفحال الأزمة السياسية التي أسقطت ورقة التين عن اتفاق الطائف بعد أن كانت قد دقت إسفينا في الكثير من المفاهيم التي تضمنها، عادت بعض القوى اليمينية إلى إطلاق الدعوات باتجاه الفيدرالية والتقسيم، من جهة، مقابل دعوات أخرى تهدف إلى إعادة النظر باتفاق الطائف انطلاقا من السعي لوضع ميثاق جديد يأخذ بالاعتبار التغيرات الديموغرافية وخصوصا التحولات داخل الطبقة البرجوازية الكبرى الحاكمة.
2 – الشعب يريد إسقاط النظام
هذا الوضع المتفاقم أوصل البلاد إلى طريق شبه مسدود هو طريق الأزمات المتلاحقة والانفجارات الدموية. وما يحكى عن فتنة طائفية قريبة ليس من نسج الخيال، خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التطورات المستجدة في الوضع العربي عموما وعودة مشروع “الشرق الأوسط الجديد” إلى الواجهة ومعه الصراع المذهبي السني-الشيعي الذي يتجلى في أكثر من بلد عربي. وهذا يعني بالنسبة للبنان أن صيغة الانقسام حول السلطة بين أطراف البرجوازية (وحلفائهم من إقطاع سياسي وطائفي) ستؤدي، إذا لم يتم التصدي لها من خلال خطة وطنية متكاملة، إلى انفجار جديد يسهم في إعطاء الفرصة لإسرائيل كي تقوم بعدوانها الذي تعد له منذ أواخر صيف 2006 للانتقام من الهزيمة التي تكبدتها ولتدمير إمكانية وجود أي مقاومة ضدها وضد خطة الشركات الأميركية وضع اليد على حقول الغاز والنفط المكتشفة في مياهنا الإقليمية بعد أن جيرت لها تل أبيب الحقول المقابلة الممتدة باتجاه غزة.
على هذا الأساس، طرح الحزب الشيوعي اللبناني برنامجه للتصدي، آخذا بعين الاعتبار أهمية تطوير دور اليسار العربي في المواجهة الشاملة للمشروع الامبريالي-الصهيوني إلى جانب أولوية المواجهة الداخلية للنظام الطائفي باتجاه التغيير الديمقراطي المستند إلى حركة شعبية وشبابية ديمقراطية ترفع قضية الإصلاح في وجهيها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، عبر التالي:
– النضال من أجل إقرار قانون انتخاب ديمقراطي يعتمد النسبية خارج القيد الطائفي ولبنان دائرة انتخابية واحدة، بما يعيد الاعتبار إلى دور السلطة التشريعية ويؤسس للمساءلة والمحاسبة. يضاف إلى هذه البنود الثلاثة بندان آخران لا يقلان أهمية عنها، هما: الكوتا النسائية المؤقتة والمرحلية بنسبة 30٪، بما يؤكد على مشاركة المرأة فعليا في صنع القرار السياسي، وتخفيض سن الاقتراع إلى 18 سنة، بما يعطي الشباب اللبناني دوره في الحياة السياسية ويفسح في المجال أمام التغيير.
– النضال من أجل إقرار قانون مدني للأحوال الشخصية يؤسس لتحويل اللبنانيين من رعايا لدى زعماء الطوائف إلى مواطنات ومواطنين متساوين في الحقوق المدنية والسياسية.
– النضال من أجل تعديل الدستور ليتلاءم وهاتين الوجهتين، بل وكل ما هو ضروري للانتهاء من الشرذمة الطائفية وفصل الطائفية عن الدولة.
هذه هي العناوين التي أطلقت الحملة الشعبية الداعية إلى “إسقاط النظام الطائفي” التي انطلقت مرحلتها الجديدة في أواسط شباط-فبراير، بالاستفادة من الانتفاضات العربية. وقد قامت حتى الآن بالعديد من التحركات، من اعتصامات ومظاهرات ضمت عشرات الآلاف في العاصمة والمناطق. والملاحظ أنها تستمر وتتسع لتشمل كل جوانب الحياة العامة، من خلال انخراط كل الذين يريدون بناء لبنان الديمقراطي العلماني النقيض للنظام الطائفي الحالي المسبب للفتن والحروب الأهلية وما ينتج عنها من قتل ودمار وخراب.
3 – الوضع الاقتصادي-الاجتماعي للعام 2010
وما يقال في السياسة يقال أيضا في الاقتصاد. فالأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية، المأزومة أساسا بفعل السياسات التي انتهجتها البرجوازية منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، آخذة في التفاقم بفعل الأزمة الرأسمالية العامة والتطورات العربية والأفريقية. وتظهر بعض المؤشرات المهمة التي صدرت خلال شهر كانون الثاني- يناير حول الأوضاع الاقتصادية للعام ٢٠١٠، خطورة هذا الوضع، خاصة في المواضيع التالية:
أ – السياسة النقدية والقطاع المصرفي وكلفة الإنتاج في لبنان
بشكل عام ما زالت السياسات النقدية، الممثلة بالفوائد المرتفعة نسبيا وغيرها من الأدوات النقدية، تستقطب رؤوس الأموال إلى المصارف اللبنانية حيث ارتفعت موجودات العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان في نهاية العام الماضي بنسبة ۸٫٢٪ نتيجة استمرار التدفقات المالية. ومن هذا المنطلق لا بد من التشديد مرة أخرى أن السياسة النقدية يجب أن يتم تعديلها من اجل أن تساهم في التنمية الشاملة والمستدامة وتحفيز القطاعات الإنتاجية. ومن غير الجائز والمنطقي فصل السياسة النقدية عن الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي يطمح إليها أبناء شعبنا. بالتأكيد من منظور التنمية والعدالة، إن فعالية أي قطاع مصرفي لا يجب أن تقاس بحسب ربحيته التي تذهب لحفنة من الأغنياء ؛ بل يجب أن تقيّم بحسب قدرته على توزيع التوظيفات نحو كافة القطاعات الاقتصادية لتحقيق معدلات مرتفعة نسبيا من النمو المتوازن، وتحقيق تنمية شاملة ودائمة- وهذا ما فشل القطاع المصرفي في لبنان أن يفعله أو حتى ما لم يرد ولم يحاول فعله. أما التحجج بأن معدلات الفوائد متروكة لعوامل السوق، أي العرض والطلب على النقد، هو قول فيه الكثير من النفاق لسببين:
البنية الاحتكارية للسوق المالية اللبنانية، فجمعية المصارف اللبنانية، تشكل مؤسسة احتكارية، وبالتالي تسقط دور آليات السوق في تحديد معدلات لفوائد.
الدور الضاغط لجمعية المصارف في الحياة السياسية والاقتصادية اللبنانية. فمعدلات الفوائد تحددها المصارف التجارية بسبب حجم الدين العام الذي يستقطب قرابة نصف الإقراض المصرفي، وحيث تشكل الديون بالليرة حوالي نصف الدين العام. وبذلك يمكننا القول أن معدلات الفوائد على الليرة والدولار، وكذلك حجم الهوة بين الفوائد على العملتين لا تحددها عوامل السوق وفر وقات المخاطر بل يحددها جشع المصارف وقدراتها على ممارسة الضغوطات السياسية والمالية على وزارة المالية ومصرف لبنان.
إذا، يمكننا القول أن معدلات الفوائد السائدة كانت موجهة لخدمة المصارف والأثرياء على حساب قطاعات الاقتصاد الحقيقية، بل على حساب المستهلكين كافة وعلى حساب توفير فرص العمل وتضييق الفروقات الطبقية. فالفوائد المرتفعة ترفع من أسعار سلع الاستهلاك كافة ، إذ أن قطاع التجارة يزيح كلفة الفوائد عن كاهله ليضعها على كواهل المستهلكين . والفوائد المرتفعة، تقلص القدرة التنافسية لقطاعات الإنتاج ،وتوجه الأموال بعيدا عن التوظيف المنتج إلى سندات الخزينة والمضاربات، وتدفع بالعديد من مؤسسات الإنتاج إلى الإفلاس، ومعدلات البطالة والهجرة إلى الارتفاع ، وهذا ما حدث فعلا منذ ١۹۹٣. كما إن ارتفاع معدلات الفوائد أدى إلى تسارع تراكم الدين وارتفاع كلفته . فقد شكلت الفوائد المتراكمة أكثر من ٦٠٪ من مجمل الدين العام حتى سنة ٢٠٠۷ حسب تقديرات وزارة المالية . وارتفعت كلفة الدين إلى أكثر من ثلاثة مليارات دولار سنويا . مما شكل أداة ضخ أموال هائلة من جيوب الطبقات الشعبية وأصحاب الدخل المحدود إلى حسابات المصارف وجيوب قلة من اللبنانيين وغير اللبنانيين . أما التنمية الشاملة والمستدامة التي كانت مطلوبة بإلحاح بعد احتلال ومن ثم عدوان إسرائيلي شامل ومدمر، وبعد حرب أهلية مديدة، فكانت تتطلب معدلات فوائد متدنية لتحفيز الاستثمار والإنتاج.
ب – السياسات الاقتصاديّة ضدّ الاقتصاد المنتج
يمكن تقييم السياسات الاقتصادية بحسب تدخل أو عدم تدخل الدولة من اجل تحفيز وحماية القطاعات الاقتصادية المنتجة؛ وبالتحديد بحسب البنود التالية:
جرى تحرير التبادل الخارجي، وتُرجم هذا الأمر بإلغاء الرسوم الجمركية في عام ٢٠٠٠، فلم يعد لدينا أي نوع من الحماية الجمركية، ما أدّى إلى ضرب القطاعات الاقتصادية الإنتاجية، وبالتالي كان النظام اللبناني نقيض كل العالم الثالث الساعي إلى رعاية القطاعات الاقتصادية الإنتاجية الناشئة. كما أن مخططات “التكامل الرباعي الاقتصادي بين لبنان وسوريا والأردن وتركيا” التي يتم الترويج لها فانعكاساتها خطيرة جدا، إذ أنها قد تؤدي إلى محو صناعات بكاملها من لبنان، فضلاً عن أنها تهدّد الإنتاج الزراعي، ولا سيما أن هذه الدول لديها قدرات هائلة في قطاعات زراعية وصناعية معينة؛
جرى تحرير التبادل الخارجي، وتُرجم هذا الأمر بإلغاء الرسوم الجمركية في عام ٢٠٠٠، فلم يعد لدينا أي نوع من الحماية الجمركية، ما أدّى إلى ضرب القطاعات الاقتصادية الإنتاجية، وبالتالي كان النظام اللبناني نقيض كل العالم الثالث الساعي إلى رعاية القطاعات الاقتصادية الإنتاجية الناشئة، أما مخططات “التكامل الرباعي الاقتصادي بين لبنان وسوريا والأردن وتركيا” التي يتم الترويج لها فانعكاساتها خطيرة ولا شك، إذ أنها ستؤدي، في ظل ضعف دعم القطاعات المنتجة، إلى محو صناعات بكاملها من لبنان، فضلاً عن أنها تهدّد الإنتاج الزراعي، ولاسيما أن هذه الدول لديها قدرات هائلة في قطاعات زراعية وصناعية معينة.
على صعيد الاستثمار في البنى التحتية والخدمات العامة والتي هي ضرورية لتأمين حد ادني من مقومات المنافسة لدى القطاعات الإنتاجية، كان هناك تجاهل لأهمية توفير الخدمة العامة. فعلى سبيل المثال، يعد لبنان الأكثر تخلفاً بين الدول العربية لجهة المواصلات العامة، والكهرباء، والمياه. ومن هذا المنطلق تعتبر الكهرباء ضرورية جداً من اجل خفض التكلفة في القطاعات الإنتاجية الصناعية مثلما تعتبر المياه ضرورية جداً من اجل تنمية القطاعات الزراعية والصناعات الزراعية المرتبطة بها.
بحسب دراسة لصندوق النقد الدولي، ارتفع سعر الصرف الحقيقي لليرة (وهو سعر صرف الليرة بالنسبة لمجمل عملات شركائنا التجاريين مثقلا weighted بنسبة التجارة معهم، يضاف إلى ذلك الفروقات في معدل التضخم)، ما بين سنة ١۹۹٠ وسنة ،٢٠٠٠ بنسبة ١٠٠٪ تقريبا، مما عوق كل الاستثمارات المحلية والخارجية. والسبب، هو أن ارتفاع ١٪ في هذا المؤشر، يعني زيادة كلفة الإنتاج. وبالتالي بين أعوام ١۹۹٠ و ٢٠٠٠ كانت تكاليف الإنتاج تزيد، وتضعف القدرة على استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة والمحلية.
غياب أي جهد للتخطيط من قبل الدولة من اجل توجيه عملية التنمية الشاملة؛ لا بل حتى غياب التوظيف في القطاع العام على مدى فترة ما بعد الحرب، بحيث ازدادت الوظائف الإدارية الشاغرة إلى ثلثي الملاك العام، ويصل في بعض الإدارات إلى ۹٠٪، فضلاً عن أنه يشمل الوظائف الوسيطة والعليا.
ولقد أدّت السياسات المعتمدة من أجل إعادة توزيع الدخل والثروة إلى التركيز على بيروت على حساب المناطق، ولمصلحة الطبقة البرجوازية الكبرى على حساب باقي الطبقات، وضربت قطاعات عديدة لمصلحة القطاعات الريعية وسيطرة القطاع المصرفي على القطاع الريعي ، أي لمصلحة حفنة من أصحاب المصارف والأغنياء على حساب كل الشعب اللبناني.
ت – الدين العام والمكتتبون
بلغ الدين العام، المعترف به، ٥١٫١ مليار دولار بحلول تشرين الأوّل الماضي (بينما يقال أنه تجاوز ال60 مليارا). ومثّل الدين المحرّر بالليرة نحو ٥۹٪ منه، والباقي بالعملات الأجنبية. وبهذا يكون الدين العام قد استقر على ما كان عليه في نهاية عام ٢٠٠۹، علماً بأنه سجل ارتفاعاً ملحوظاً بقيمة ٤٢٥٥ مليار ليرة في الأشهر العشرة الأولى من عام ٢٠٠۹.
ث – ملف الخلوي والكهرباء ومحاولات خصخصتهما
حكمت سياسة الإهمال والتدمير المنهجي، خلال الأعوام السابقة، مجال المعلومات والاتصالات، والسبب في هذا الإهمال يعود إلى قرار خصخصته بأبخس الأسعار. علما أنه يمكن لهذا القطاع، كما تقول المحاولات الجارية اليوم، أن يدر على الخزينة العامة أكثر بكثير من المليار دولار الذي يدره الآن إلى خزينة الدولة مع نهاية كل عام.
كما يجري الحديث حالياُ عن خصخصة مؤسسة كهرباء لبنان، ولاسيما على مستوى خدمات التوزيع، مما قد يهدد بارتفاع سعرالطاقة الكهربائية لتشكل ثقلاً على كاهل الفقراء، بالإضافة إلى تهديد مصير المستخدمين والعمال: فهناك نحو 1800 مستخدم في مؤسسة كهرباء لبنان وأكثر من 2000 عامل متعهد يرون أن ديمومة عملهم في خطر بسبب الخصخصة. ومن هذا المنطلق يؤيد حزبنا مطالب العمال المتمثلة في أهمها بالتالي: إدخال العمال المتعهدين والجباة في نظام الأجراء؛ موافقة وزير الطاقة على الدراسة التي أنجزتها اللجنة المكلفة حفظ حقوق العمال، وإحالتها إلى مجلس الوزراء؛ إقرار الهيكلية الإدارية وتسوية أوضاع المتعاقدين في المصلحة الوطنية لنهر الليطاني وكهرباء لبنان؛ إقرار الترفيع في المصلحة الوطنية لنهر الليطاني وفي مؤسسة كهرباء لبنان.
ج – القطاع العقاري
وصلت قيمة حسابات قطاع العقارات إلى 6 مليارات دولار في الاقتصاد المحلّي، بحسب وزارة المال. غير أنّ هذا المؤشّر لا يعكس قسوة الظلم التي يلحق بأبناء المدن الذين لا يجدون مكاناً للسكن في مدنهم. ففي أوائل هذا العام، صنّفت بيروت المركز الأكثر غلاءً بين الدول العربية في أسعار الشقق الصغيرة التي تبلغ ١٢٠ متراً مربعاً. ويشير تقرير «غلوبل بروبرتي غيد» إلى أن بيروت جاءت في المرتبة ٣٣ في التصنيف، وذلك من بين ۹٢ سوقاً عالمية جرى مسحها في العام ٢٠١٠، حيث يبلغ السعر الوسطي للمتر المربع الواحد في بيروت ٤٢٥۸ دولاراً. ويشير التقرير إلى أن لبنان شهد انفجاراً في أسعار العقارات خلال السنوات القليلة الماضية: فقد ارتفع سعر الشقة المتوسطة من ٦٠ ألف دولار في نهاية ٢٠٠٤الى ٥١٠ آلاف دولار اليوم. وهنا لا بدّ من التشديد على أنّ استمرار النمط التصاعدي للأسعار بسبب طلب الأجانب وغير المقيمين سيؤدّي إلى تشديد الأزمة، بحيث سيصبح من المستحيل -وفقاً لتقارير عن القطاع العقاري نشرته إحدى البنوك الكبرى – الحصول على مسكن بالنسبة إلى متوسّطي الدخل وذوي الدخل المحدود.
ح – الاحتكارات والفساد
أما في موضوع الفساد، فقد جاء النظام اللبناني في المرتبة السابعة والعشرين بعد المائة من بين مئة وثمانية وسبعين دولة شملها مؤشر منظمة الشفافية الدولية للعام ٢٠١٠، وجاء في المرتبة الثانية عشر عربياً بين ثمانية عشرة دولة بعد النظام المصري (المرتبة العاشرة) والنظام التونسي (المرتبة السابعة). وقد فضح التقرير الذي أعدته منظمة الشفافية الدولية أن لبنان لم يتخذ خطوات فعالة لمواجهة الفساد. واعتبر التقرير أن من أسباب استشراء الفساد «ضعف ثقافة المساءلة وضعف آلياتها القانونية». أما ابرز أنواع الفساد هو الرشوة على أنواعها وصولاً إلى اختلاس أموال طائلة من الدولة.
خ – موازنة الـ2010، الضرائب والعجز التجاري
خلال السنوات الخمس الأخيرة تضاعف العجز التجاري في لبنان، فقد ارتفع من ۷١١٦ مليون دولار في نهاية عام ٢٠٠٦ إلى ١٣۷١١ مليوناً في نهاية عام ٢٠١٠، أي بزيادة نسبتها ۹٢٫۷٪. وهو مؤشّر واضح إلى مدى الانحراف وارتفاع مستويات الاستهلاك المرتكز على الاستيراد. وقد بلغ المعدل الشهري لنمو الواردات في عام 2010 ما نسبته 22%، مقابل 11% للمعدل الشهري لزيادة الصادرات. وهذه الرتابة في الصادرات والواردات، من حيث نوعها وبلدان المقصد والمنشأ، تظهر أن النظام اللبناني ببرجوازيته الريعية الطائفية ليس قادراً على تطوير قدراته الإنتاجية باتجاه كفاية استهلاكه المحلي، أو لناحية تطوير نوعية صادراته وكميتها، ولا فتح أسواق جديدة. أي بمعني أخر إن هذا النظام اللبناني ببعده الاقتصادي، تماماً كما في بعده السياسي، ليس قادراً على تطوير نفسه وتخطي أزماته وبالتالي لا بد من الخلاص منه.
د – غلاء المعيشة الفقر وارتفاع الأسعار والبطالة
في تقرير “الحالة والتوقّعات الاقتصاديّة في العالم ـــــ ٢٠١١”، الذي صدر عن الأمم المتّحدة أوائل العام الحالي، من المتوقّع أن ينحصر النمو بنسبة ٥٫٦ ٪ فقط في العام ٢٠١١، و٥٫٤٪ في العام المقبل، لكن هذه النسب تبقى متفائلة كثيراً حيث أُعدّ التقرير قبل بدء مرحلة التأزّم السياسي الحالية التي يتوقّع بعض الخبراء أن تطول. فالمصرف الأميركي “JP Morgan Chase” يتوقع أنّ المعدّل سيتراجع إلى ٤٪. وهذا سيكون له تأثيرات مباشرة على معدّل البطالة الذي سجل، بحسب تقديرات اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، نسبة مرتفعة تتجاوز ١٦% (أكثر من ٢٠% بحسب بعض الدراسات الأخرى)، فيما تزداد البطالة المكبوتة والبطالة المقنّعة والبطالة بين الشباب والطبقات الفقيرة مع وصول نسبة التضخم وغلاء الأسعار إلى ١٢% للعام المنصرم.
أما في مجال الضمانات فتشير آخر فضائح السلطة الطائفية أنها لا تلتزم بتسجيل موظفي القطاع العام في الضمان، حيث بينت الإحصاءات الأخيرة أن عدد أجراء الدولة غير المصرّح عنهم للضمان، أي المكتومين، يتجاوز ٣٢ ألفاً، وهم محرومون من جميع اطر الحماية الاجتماعية والصحية. فيما يقدّر عدد المكتومين في القطاع الخاص بنحو ٥٠٪ من مجمل الأجراء المصرّح عنهم، أي نحو ١٥٠ ألف أجير. ومن غير المتوقع أن تبذل السلطة أي جهد لمعالجة هذا الظلم الذي تمارسه هي بحق موظفيها.
في مقابل هذا الوضع القاتم تستمر السلطة في بسط سيادتها على جزء كبير من النقابات التي تستند في تشكلها إلى المحاصصة السياسية – الطائفية. ومن اجل هذا جري العمل تقسيم الاتحاد العمالي العام وشرذمته وإعطاء تراخيص كثيرة لنقابات واتحادات أقل ما يقال فيها أنها هياكل فارغة أقيمت بهدف واحد:أن يصبح لكل طرف من طرفي السلطة الطائفية نقابات يسيطر عليها بالكامل.
3 – الإصلاحات الحقيقية
يرى الحزب الشيوعي اللبناني أن منظومة الفساد المتفشية في الدولة اللبنانية، من أعلى الهرم إلى قاعدته، تعوق التقدّم والرفاهية للشعب اللبناني، ولذلك لا بد من برنامج مرحلي يتلخص في صياغة مشروع تحديثي للدولة تشارك فيه جميع الهيئات الشعبية ذات المصلحة في إسقاط النظام وتفرض البدء بتنفيذه سريعا. و يرتكز البرنامج، بالإضافة إلى التغيير في المجال السياسي، على النقاط التالية:
وضع برنامج نضالي بهدف تحقيق التنمية المتوازنة بين المناطق، والتي لها دور رئيسي في تأمين الوظائف ومحاربة الفقر، وذلك من خلال دعم قطاعات الإنتاج لتحويل اقتصاد لبنان من اقتصاد رأسمالي متخلف ذي طابع ريعي إلى اقتصاد منتج؛ وهذا يحتاج إلى خطة طويلة الأمد وتوفير البنية التحتية للزراعة والصناعة في وقت تشير فيه الدراسات أن نسبة قطاعي الزراعة والصناعة من الناتج المحلي لا تتعدى 5 و 7 بالمائة.
تنظيم حملة نقابية وشعبية واسعة حول تطوير تقديمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وبالتحديد فرعي المرض وضمان الشيخوخة.
إعادة النظر بالهيكلية النقابية وتحديثها بما يحول النقابات، خاصة العمالية منها، إلى منظمات جماهيرية مناضلة وإبعاد كل الصيغ التقسيمية الطائفية عن هياكلها.
معالجة الدين العام وإعادة هيكلته، من أجل جعل آجاله طويلة الأمد، وبفوائد مخفضة، فضلاً عن ضرورة خفض رأسمال الدين المبني على فوائد متراكمة، كوننا نرى أن المعالجة الجذرية لهذا الدين ستتيح للدولة واردات كافية لتوظيفها في الاستثمارات العامة في البنى التحتية.
إصلاح النظام الضريبي واعتماد الضريبة التصاعدية على الدخل والضريبة على الأرباح بديلا للرسوم والضرائب غير المباشرة التي تطال الفئات الدنيا من المجتمع.
معالجة جذرية لأزمة الطاقة في لبنان، لتوفيرها على نحو دائم
معالجة جذرية لأزمة المياه لحفظ حقوقنا وتأمين خدمات المياه بشكل دائم لجميع المواطنين
تعزيز ديوان المحاسبة والأجهزة الرقابية كافة.
لقد كرس اتفاق الطائف وضعا يحكمه نظام سياسي طائفي في صياغته الدستورية وأصبح الآن، بفعل المحاصصة والأحلاف التي تلته، مذهبيا في تطبيقه ومؤسساته مما أدي بدوره إلى مأسسة المذهبية في لبنان. لذا، نعمل كي نرتقي بالوعي الشعبي إلى مستوى إسقاط هذا النظام ومن يمثله ويدافع عنه. فحركة الشعب والشباب اللبناني ، كما الشعوب العربية الأخرى، انطلقت في المواجهة مع الزعماء الطائفيين الفاسدين والمفسدين ومن أجل التغيير الديمقراطي.
والشعب يمهل ولا يهمل!
12 نيسان – ابريل 2011
لجنة العلاقات الخارجية للحزب الشيوعي اللبناني

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الحزب الشيوعي اللبناني وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s