13 نيسان: البقيّة أشباح في حياتنا

13 نيسان: البقيّة أشباح في حياتنا

عشرات آلاف الموتى يفتحون عيونهم اليوم. سيجدون مباني على خطوط التماس تحتفظ بصور الحرب التي غدرتهم. في بدارو، «تلصلصلنا» على مبنى أضواؤه مشتعلة فوق كراسٍ تنتظر الجالسين القدامى. وفي الضفة الأخرى «لمحنا» ثياباً ترقص على حبال نجت من جحيم 1975. أما البوسطة الشهيرة، التي قيل لمالكها الحالي يوماً ما، «هيدي أساس الحرب اللبنانية، خبّيها»، فلا تريد الإنطلاق مجدداً

هنا «بناية يونس» في جادة سامي الصلح. الشارع الهادئ يصدر أنيناً خافتاً. سرعان ما يتبيّن مصدر الصوت:المباني الباقية من زمن الحرب. يبدو مبنى يونس المؤلف من سبع طبقات لقيطاً، كشبحٍ ضخم. لا يشبه المباني الأخرى الجديدة – القريبة التي تحاصره. يعرّف ركامه عنه: مقطوع من شجرة، مقطوع من ذاكرة. وعوضاً عن عشرات الساكنين القدامى، تختصر ثلاثة محال تجارية فقط حاضر المكان. داخل أحد هذه المحال تجلس سيدة سبيعينية ودودة. السقف في محلها مرتفع. يُشعر الداخل إليه بنوع من الألفة، على نقيض المحال الجديدة التي تبدو سجوناً ملوّنة لشدة ضيقها عموماً. تتحدث السيدة الزحلاوية عن المبنى بشغف مفرط. سكانه رحلوا. جيرانه رحلوا. لكن، تطلب أن نتمهل. هذا الشارع شبه الميت شكلاً كان «شارع الرؤساء» مضموناً. وهذا ليس اسماً دغدغ ذاكرتها. هذا واقع، كما تؤكد. أمين الجميّل مر هنا. ومثله، إلياس الهراوي، وإلياس سركيس، قطنوا الحيّ الدافئ. لكنهم غادروه بعد «حرب السنتين». ومن بعدها «لم يبق أحد لم يسكنه». تدير وجهها يميناً إلى جهة الشارع وتتذكر تفصيلاً هاماً: «حتى الإسرائيليون احتلوه عقب اجتياح بيروت أيضاً». كان ذلك في معرض حديثها عن الدمار الذي لحق به. تلعن الحرب فتعاود الصور غزو رأسها. في تلك الأيام المشمسة كان «السيد موسى الصدر يلتقي محبيه لساعات قرب هذا المبنى»، قاصدةً المبنى الشبح. وهو شبح لأن روحه ماتت. ما من امرأة تخرج على شرفه المقتولة، أو طفل يجر دراجته الهوائية خارجاً من البوابة المحترقة. تبدل صاحبة المحل الملابس المعروضة منذ ثلاثين عاماً حسب الموضة ولا تبدل ذاكرتها.

وفي بدارو، مبنىً لافت آخر. المبنى التوأم لوزارة الشؤون الاجتماعية يحتفظ حتى هذا اليوم بشظايا الموت في أحشائه. الشارع 73 بريء هو أيضاً. لا تجد فيه سوى الأشجار العملاقة التي نجت من التسميات الفرنكوفونية لأنها أشجار. فالشارع، كما تشير لافتة زرقاء أخرى، ما زال شارع الجنرال كاترو، المفوّض السامي الفرنسي الأخير في لبنان. المباني المحترقة ورثت صورة الحرب، وأسماء الشوارع لم تستقل من الاستعمار بعد. أحد سكان المبنى يشير إلى أنه جديد هنا، منذ عامين تحديداً. وهل هناك سكان قدامى؟ يضحك. ثم يأخذ المبادرة: تقصد المهجرين؟ قالوا له إن مهجرين سكنوا هذه المباني ثم غادروا هم أيضاً، قبل أن يستعيده صاحبه مشوّهاً بحيطان مثقوبة تنذر الناظر شؤماً. وفي «منطقة البارك»، الشارع رقم 5، يسترخي مبنىً لقيط آخر: «بدارو 203». آخر سكانه والوحيد فيه، رغم طبقاته الثماني، هو صاحب محل التحف والأثريات فيه. حتى هذا الساكن سيغادر بعد شهور قليلة، لأن جمعية «مار زكريا البار»، قدمت هبةً لترميم المبنى. بكلمات أدق: لهدمه تماماً. وتالياً، سيرتفع مكانه في الأيام القليلة المقبلة مبنىً على النسق الحديث، على أمل بناء أرواح جديدة فيه، بدل الأرواح التي صالت فيه وجالت قبل اندلاع الحرب.

الحرب لم تنته في الشيّاح. أحد المارة، هناك، على بوابة شارع عبد الكريم الخليل، نصحنا بعدم الصعود للتحدث معهم فوق. يصعب التصديق أن هناك سكاناً في الأساس. كيف يقطنون في الركام؟ ومن يعلّق أشياءه في الهواء؟ وفعلاً، لم يرغب أحد في الحديث. ذلك لم يمنع بعض الفضوليين من استعادة المشهد كما كان عندما كانت المباني حقيقية. يحدد خمسيني جالس على كرسي خشبي قديم مواقع المتاريس، ويشير: «هذه كلها كانت منطقة بلا مبانٍ»، متاريس وحسب. قناصة هنا وقناصة هناك «والشاطر يمرق». يضحك أولاً، ثم يعاود العبوس. فقد تذكر «مقاتلين دافعوا عن المنطقة». ثمة من يتحدث أيضاً عن مقاتلين جدد، يستخدمون ركام المباني للتراشق بالحجارة، في أحداث سابقة، على سبيل المثال: أحداث مار مخايل.

وإذ نتحدث عن رذاذ الحرب يستحيل تجاهل المرور على بوسطة عين الرمانة الشهيرة مرور الكرام. البوسطة القابعة في «هنغار أمم»، اليوم، صورة وفيّة للأحداث الدامية. يبدو حجمها أصغر قليلاً مما يتوقع المرء، لشدة الكلام عنها. رغم أنها هيكل حديدي صدئ تلمّح أجزاؤها إلى احتمال انفجارها فجأة. فعلاً، ربما ينفجر كل شيء فجأة. وهذا استناداً إلى شهادة سائقها، مصطفى رضا حسين، نقلاً عن وثائقي حرب لبنان الذي أعدته قناة «الجزيرة» الفضائية. فوحده مصطفى، روى القصة الحقيقية التي تصف شناعة المجزرة الممتدة بين الذاكرة والأبنية والطرقات. قال مصطفى: «يوم الأحد 13 نيسان 1975، كنت عم بشتغل على خط صبرا، سيرفيس يعني، وتقريباً الساعة 12:30 إجوني ناس من الإخوان الفلسطينية منشان وصّلهن على تل الزعتر. بقى طلعوا بالأوتوبيس ومشيت أنا فيهن على تل الزعتر. وصلت على… وصلت على شارع… بدي قول هونيك بين الشياح وعين الرمانة. اسمها المراية. منطقة اسمها المراية. وإذْ بشوف مسلّح واقف ورا العمود آخذ متراس. يعني ما لحقت اتطّلع فيه حتّى اشتغل فينا الرصاص… وبعد ما اشتغل فينا الرصاص وقف تقريباً شو دقيقتين ثلاثة… طلبوا منّا إنو نرفع إيدينا. شي رفعنا إيدينا كمّلوا علينا. كفّوا علينا رصاص حتى قضيوا علينا. والحمد لله رب العالمين إنو نحنا ما خلص عمرنا وإجى أوتومبيل الأنبيلانس حمّلنا… اللي كانوا مجاريح… حملنا وأخدونا على المستشفيات».

ربما تعود المباني «أجمل مما كانت». وربما أيضاً، ترمّم حجارتها، ابتداءً من مبنى «الطابة» الناجي الوحيد من التنميط العمراني المروّع الذي ألمّ بوسط المدينة في التسعينات، ومروراً بمبنى بركات الشهير في السوديكو، الذي تقرر تحويله إلى متحف عن الحرب. لكن القلوب لم ترمّم.

فوفقاً لجمعية «سوليد» هناك 575 مفقوداً. الرقم مضاعف بالنسبة للجنة أهالي المخطوفين والمفقودين: 2064 مفقوداً. ولا حلول في الأفق. هذا كله من جهة، وآلاف القتلى من جهة أخرى.

تقام احتفالات سنوية تنبذ الحرب، والرعب الساكن تلك المباني ما زال. والركام يكاد ينطق: دعوا المدينة وشأنها.

أحمد محسن

الأخبار – ١٣ نيسان ٢٠١١

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s