الماركسية والعمل النقابي

الماركسية والعمل النقابي

أغسطس 1998

الاصدار: الاشتراكية الثورية

الناشر:

تيار الاشتراكيين الثوريين

لا يمكن للثوريين أن يتغافلوا عن تطوير سياسة ثورية محددة ملموسة تجاه التنظيم الأكبر للعمال – النقابات. أو أن يتجاهلوا التحليل المستمر لوضع وسياسات النقابات المختلفة. ونحن على صفحات هذه المجلة سنطرح للنقاش الإشكاليات العديدة التي يثيرها وضع النقابات في مصر. وحتى نوضح القاعدة التي نقف عليها والمنظور الذي نتبناه في التحليل كان علينا أن نعيد التأكيد على بعض الأساسيات الماركسية بصدد موضوع النقابات بوجه عام، تلك الأساسيات التي طالما نسيها أو تناساها اليسار أو ألقاها من نافذته.

الخطوة الأولى في الاقتراب من النقابات هو تحديد وظيفتها في المجتمع الرأسمالي. فالنقابات هي التنظيم الرأسمالي للعمال. إن منطق نشأة وعمل النقابات هو تجمع العمال من أجل تحسين شروط استغلالهم وليس لرفع هذا الاستغلال. فمنطق عملها هو محاولة الحصول على سعر أفضل للسلعة الوحيدة التي يملكها العامل – قوة عمله – داخل إطار النظام الرأسمالي، وليس إلغاء كون قوة العمل سلعة تباع وتشترى ويتحكم سعر السوق السائد لهذه البضاعة في مصير وحياة العمال. والنقابات لا توحد العمال بصفتهم منتجين ولكن توحدهم على أساس وضعهم في السوق الرأسمالي – أي باعة لقوة علمهم وحاصلين في المقابل على أجر. باختصار تنظم النقابات العمال على أساس القانون الرأسمالي للأجور وفي معظم الأحيان فإن أقصى ما تستطيعه هو تحقيق مقتضيات هذا القانون في لحظة معينة. وتظل محددات سعر السوق لسلعة العمل خارج نطاق النقابات وعملها. وهذه المحددات هي:

– الطلب على العمل، وتحدده حالة النمو والانكماش في الاقتصاد.

– عرض العمل، ويحدده التكاثر الطبيعي للطبقة العاملة ودخول شرائح جديدة من الطبقات المتوسطة والفلاحين إلى الطبقة العاملة.

– درجة إنتاجية العمل، وهو ما يحدده مستوى التكنولوجيا السائدة في اللحظة.

وكل هذه العوامل لا تستطيع النقابات العمالية التأثير فيها، وإنما يحددها كلها السوق الرأسمالية العالمية. فالنقابات – لالتزامها بعلاقة الأجر الرأسمالية

– لا يمكن أن تحقق أكثر من الأسعار الراهنة في السوق

وأما عن التحسين المستر للأجور وشروط العمل، أي زيادة نسبة الطبقة العاملة من الثروة الاجتماعية فهو لا يمكن تحقيقه، لأن هذا النصيب طبقًا لقوانين رأس المال يجري تخفيضه بشكل مستمر بسبب زيادة إنتاجية العمل. وهكذا لا يكون في سوق العمل أمام النقابات إلا ردود الأفعال – مهما بدا غير ذلك في ذهن النشاطيين ذاتهم – فوضع قواعد السوق خارج أيديهم.

وموقف “رد الفعل” هذا يتكرر أيضًا داخل المصنع، ببساطة لقبول النقابات بحق الإدارة في توجيه الإنتاج والتحكم في العمال. أما “الأفعال” فهي إما خطة تضعها الإدارة أو قرار للمدير أو ما إلى ذلك.

وإذا كانت القوة الأساسية للنقابات تكمن في تجميعها للعمال، فهي تفرقهم أيضًا. فلأن منطقها هو المفاوضة من أجل تحسين شروط العمل داخل إطار الرأسمالية فهي تتشكل على أساس خريطة التقسيم الفئوي للعمال التي يرسمها ويحددها رأس المال.

فتكرس الانقسامية بين العمال على أساس المهن أو الصناعات وأيضًا تضع كل نقابة مصلحة الفئة التي تمثلها أمام مصالح العمل ككل. فطبقًا لمنطق النقابات لا يمكن لتنظيم واحد أن يضم ويمثل ويوحد نضال عمال الصناعات الهندسية وسعاة البريد مثلاً، لأن شروط عملهم وطبيعته مختلفة تمامًا مما يستدعي مفاوضات تفصيلية مختلفة نوعيًا ولا يمكن إلا لتنظيمين مختلفين أن يقوما بها. وهكذا تفرق بين هاتين الفئتين من العمال وتجزئ نضالاتهم فتضعف الاثنين، في حين أن الاستغلال الواقع عليهم من نوع واحد ومن مصدر واحد.

وفي جملة واحدة، فإن اقتصادوية البيروقراطية النقابية ولهاثها وراء رأس المال وجعلها من المطالب الجزئية الصغيرة حول علاقة رأس المال بالعمل المأجور قلبًا وهدفًا لعملها لا يمكن إلا أن يولد ويكرس الفئوية داخل صفوف العمال.

ولكن إذا كان التحليل الأساسي للماركسية هو استحالة إصلاح النظام الرأسمالي وفي نفس الوقت وجود الإمكانية الموضوعية لهدمه، فهل يعني هذا ابتعاد الثوريين عن النضال من أجل إصلاحات جزئية، من أجل بدل طبيعة عمل هنا أو وجبة ساخنة هناك مثلاً، ويكون عليهم الاكتفاء بممارسة الدعاية الثورية حول استحالة رفع الاستغلال عن العمال إلا بهدم النظام الطبقي؟

إذا كف الماركسيون، ولو للحظة، عن ممارسة الدعاية حول ضرورة وإمكانية الثورة فقدوا سبب وجودهم وفقدوا هدفهم، وإذا “تعففوا” عن التدخل في النضالات الجزئية وتقديم القيادة المكافحة الصلبة عدموا السبيل لتحقيق هذا الهدف.

والفرق الكبير بين من يحاولون تحسين النظام من أجل الحفاظ عليه ومن يحاولون تحقيق أكبر قدر من المكاسب في إطار النظام من أجل الإطاحة به. فبالنسبة للماركسيين لا تمثل المكاسب الجزئية التي تحققها الطبقة العاملة من خلال نضالها قيمة في حد ذاتها، ولكن الفائدة الأساسية هي فيما يضيفه النضال ذاته للطبقة العاملة.

فقط من خلال تلك النضالات الجزئية يشعر العمال بقوتهم ويلقون بأفكار الطبقة الحاكمة حول أن العمال لا يصلحون إلا خدمًا لها في سلة القاذورات، وفقط من خلال تلك النضالات يعي العمال أنهم طبقة واحدة ذات مصالح واحدة متعارضة جذريًا مع مصالح الطبقة الحاكمة ويشرعون في تنظيم أنفسهم كطبقة. فقط عبر تلك النضالات يتم بناء الحزب الثوري الذي يضم أكثر العمال وعيًا وصلابة ويستطيع قيادة كل الطبقة في معركتها الحاسمة. فالنضال داخل إطار النظام الرأسمالي يهيئ العمال للنضال من أجل تحطيمه.

والعمل الثوري وسط العمال يقوم على محورين مترابطين: مساعدة العمال في بلورة وعيهم بنفسهم كطبقة في صراع مستمر مع رأس المال ودولته لن يتوقف إلا بانتصارهم الحاسم، ومساعدة العمال على تنظيمهم لأنفسهم حتى يستطيعوا خوض هذا الصراع وحسمه لصالحهم.

ويكون على الثوريين وسط العمال الانطلاق دائمًا من التناقض الأساسي بين رأس المال والعمل المأجور وعليهم دائمًا وضع التناقض بين قمة الهرم النقابي وقاعدته نصب أعينهم – التناقض بين البيروقراطية النقابية وبين القاعدة العمالية. فبناءًا على دور النقابات وطبيعتها تتكون فيها شريحة من المتفرغين للعمل النقابي يكون دورهم الاجتماعي هو المفاوضة حول شروط استغلال العمال، وتتكون لدى هذه الشريحة مصالح اجتماعية – اقتصادية منفصلة ومتناقضة مع جماهير العمال وتجعل لهم مصلحة في إبقاء الصراع بين العمال ورأس المال في إطاره الرأسمالي.

فالنقابي المتفرغ يترك مكان عمله أمام الماكينة أو على خط الإنتاج ليتمحور عمله الجديد حول حقيبة أوراق وأدوات مكتبية وينفصل النقابي المتفرغ عن العنبر والمصانع بأوساخه وبمخاطره وبالصراعات الدائرة فيه، وينعزل عن تلك الصراعات اليومية إلى المساومات اليومية والمفاوضات التقنية المستمرة للتوفيق بين الأجور والأرباح. وتبدو التحركات العمالية عندئذ كتشويش أو عرقلة لعملية المفاوضة المستمرة دائمًا. وبالنسبة للنقابي المتفرغ يكون فقدانه لمنصبه عودة لاعتماد دخله على العمل بالقطعة وعلى العمل الإضافي وعودة للقهر اليومي الذي يلاقيه العمال من المشرفين والرؤساء والمديرين، (بعد أن كان دخله من اشتراكات العمال – والذي يزداد تميزه بارتقائه في المناصب النقابية – يعفيه من كل ذلك)، وهو ما يعمل جاهدًا من أجل تفاديه بإنشاء العلاقات الاجتماعية الجديدة التي تدعمه في مركزه وبإسداء الخدمات البسيطة للعمال والتوفيق بينهم في منازعاتهم والتحقيق في شكاواهم وما إلى ذلك، والأهم بتمرسه في تقنيات التوفيق بين الأجور والأرباح.

والسمة المحافظة للبيروقراطية العمالية تتبع من هذا التمايز الاجتماعي – الاقتصادي وهو التميز المبني بدوره على وظيفة البيروقراطية النقابية في الموازنة بين العمال والرأسماليين.

وفي المقابل يكون على الثوريين في أماكن العمل أن يكونوا أو يدعموا المنظمات القاعدية المبنية على العنابر والورش وتشجيع كل فعل عمالي مستقل ومحاربة محاول البيروقراطية احتواء تلك التحركات. وتتميز المنظمات القاعدية بأن العمال المنتخبين لا ينفصلون عن العنبر أو الورشة وبأنهم يمكن تغييرهم في أي وقت وأنهم لا يتقاضون أجرًا مقابل تمثيلهم للعمال.

وعلى الرغم من إصلاحية تلك المنظمات القاعدية – لأنها تضع على عاتقها ما تضعه النقابات عمومًا من محاولة تحسين وضع مجموعات مختلفة من العمال داخل إطار الرأسمالية – إلا أنه في حالات الأزمة تكون هناك الفرصة والإمكانية لتطورها إلى أدوات للسيطرة العمالية. وبالطبع هذا ليس حتميًا، فقوة المنظمات القاعدية وكفاحيتها تعتمد على موازين القوى في الصراع الدائر بين العمال ورأس المال، وعلى نجاح أو إخفاق البيروقراطية النقابية في احتوائها وإلى أي حد.

ويظل طوال الوقت على الثوريين تشجيع الفعل المستقل للقاعدة العمالية والضغط على البيروقراطية النقابية للتحرك أو التحرك دونها، وفرق كبير بين الضغط على قادة النقابات وبين الاعتماد عليهم.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في الماركسية, الحركة العمالية والنقابية وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s