لينين: أهمية فكره اليوم

نايف سلوم

الحوار المتمدن – العدد: 1531 – 2006 / 4 / 25

في الحادي والعشرين من يناير/كانون الثاني 1924 توفي قائد الدولة السوفيتية و الأممية الشيوعية بعد مرض طويل. كان عمره عند وفاته 53 سنة. وقد حفلت حياته بسنوات من الهزّات و الأزمات و التحول. فقد توجت الفترة الممتدة من الربع الأخير في القرن التاسع عشر إلى الربع الأول من القرن العشرين بالحرب العالمية الأولى و بالثورة البولشفيّة سنة 1917. عُرف باسم “لينين”، وهو اسم مستعار اكتسبه من خلال عمله السرّي. وكان لينين بدون شك أعظم ثوري في عصره، رجل غيرت أعماله مجرى التاريخ في القرن العشرين.

إن الآتي ليس جرداً تفصيلياً لحياة لينين، فمثل هذا المشروع يتطلب مجلداً أو أكثر. و للغرض هذا، ندعو قراءنا للإطلاع على كتاب هنري لوفيفر، “فكر لينين” وكتاب تروتسكي، “الثورة الروسيّة” وكتاب اسحق دويتشر، “الإنسان الاشتراكيّ” . وقراءة أعمال لينين المتاحة.

الغرض من هذا المقال هو التركيز على بعض أفكاره المفتاحيّة و الدور التاريخي لهذا الثوريّ الماركسيّ العظيم. و بهذا فهو دفاع عن لينين الثوريّ ضد كافة الهجمات و الافتراءات التي أُلحقت باسمه، خلال حياته و مماته على السواء. و هذا ليس إطراءاً لبطل ثوريّ، و إنما تكمن قيمته في مساعدتنا على معرفة لينين الحقيقي، وإسهامه الثوريّ، و كذلك المهام الملقاة على عاتقنا في العصر الحاضر. وخاصة استخلاص العبرة و المعرفة لمعارك اليوم.

في إشارة إلى ماركس، حذّر لينين ضد أولائك الذين سيقومون بعد مماته بالطعن في رسالته الثورية: “خلال حياة الثوريين العظماء تمارس الطبقات المضطهدة قمعاً لا هوادة فيه ضد الثوريين و تواجه أدبهم بشتى أنواع العداء وحشية و أشدها كراهية و حملات شعواء من الأكاذيب و الافتراءات. إلا انه بعد رحيلهم تحاول هذه الطبقات أن تجعل منهم قديسين طيبين و ترفع من مكانتهم و تحيط أسماءهم بهالة “لتعزية” الطبقات المضطهدة (بفتح الهاء) و بهدف خداعهم و تقوم في نفس الوقت بخصي و تشويه الفحوى الحقيقي لنظرياتهم الثورية و عملهم الثوري”. (لينين، “الدولة و الثورة”). و هذا ما وقع للينين. فعلى أيدي البيروقراطية تم تحريف أفكاره من أجل تبرير كل سياسة مضادة للثورة تنتهجها البيروقراطية السوفياتية. و الداعي لغبطة البرجوازية العالمية هو أن المبرّرين للستالينية قاموا بدون حياء بتشويه الروح الثورية لدى لينين و حولوها إلى نقيضها من أجل إخفاء تدجينهم وإخضاعهم للطبقة العاملة. و بهذا يحاول المؤرخون البرجوازيون دائماً تصوير الستالينية على أنها هي اللينينية أو الشيوعية ذاتها بهدف تشويه اسم لينين.

ولِد فلاديمير ايليتش لينين في العاشر من أبريل/نيسان من سنة 1870 في سمبريسك على نهر الفولغا. و كان الثالث من ستة أطفال ولدوا في عائلة ميسورة. في ذلك الوقت كانت روسيا القيصرية تمرُّ بتحولات هائلة. و قد عبّر قانون التطور المركب و اللامتكافئ عن نفسه أحسن تعبير في وقت كانت روسيا شبه الإقطاعية تستعير أكثر النماذج الرأسمالية تطوراً، والتي كانت قد أقيمت بوضوح في بريطانيا و ألمانيا وفرنسا. فقد تم إلغاء القنانة في سنة 1861 و بدأت تأثيرات غربية جديدة تُحدث تخمراً في صفوف الطبقة العاملة الفتية والفلاحين و الانتلجنسيا الروسية (فئة المثقفين) التي عانت جميعها طويلاً من القمع القيصري. و قد وجدت عائلة أوليانوف نفسها في خضم هذا التيار و سارت فيه إلى النهاية. كانت تلك فترة النارودنايا فوليا أو “إرادة الشعب”، وهي منظمة ثورية سرّية للشعبيين الإرهابيين، كانت تسعى للإطاحة بالحكم المطلق القيصري عن طريق الإرهاب الفردي [تكتيك الاغتيالات]. في 1881 نجحت في اغتيال القيصر ألكسندر الثاني و كان فشلها الحقيقي هو ما تلا ذلك من إضعاف لإرادة الشعب بسبب موجة القمع. و كان شقيق لينين الأكبر ألكسندر قد التحق بـ “النارودنايا فوليا” وشارك بصفة مباشرة في محاولة اغتيال القيصر ألكسندر الثالث. و تم القبض عليه و أُعدم مع أربعة آخرين في مايو/أيار 1887. و خلّفت هذه المأساة الشخصية أثراً كبيراً على لينين الشاب وهو في السابعة عشر من عمره. و في خريف نفس السنة التحق لينين بجامعة قازان لدراسة القانون. و لكن سرعان ما تم طرده من الجامعة لمشاركته في احتجاج طلابي ضد السلطات، و هو ما مثل بداية حياته الثورية.

مع أنه كان للينين أن يتعاطف مع أراء أخيه، إلاّ أنه قرّر الالتحاق بحلقة ماركسيّة في قازان حيث درس كتاب ماركس، “رأس المال” و وكتاب انجلز، “أنتي- دوهرنغ” و مؤلفات ماركسية أخرى.”

يقول لينين: بفضل الهجرة التي فرضها القيصر، اكتسبت روسيا الثورية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر روابط دولية جيدة وفَهْم عال لأشكال نظريات الحركة الثورية لم يكتسبها بلد آخر”. (لينين، جناح الشيوعية اليساري: داء صبياني)

كان لينين بدون شك ماركسياً بأتم معنى الكلمة. و لم يكن التزامه بالماركسية ليتحقق بسهولة. فاعتباراً من عام 1891، و بعد دراسة دقيقة و مركّزة للأدب الماركسيّ أصبح لينين ماركسياً عن اقتناع، و كرّس نفسه من أجل الثورة الاشتراكية. جاعلاً من هذه المهمة ، محوراً لحياته، مخضعاً كل شيء لهذا الهدف. و تخلّى عن أصوله الاجتماعية البورجوازية الصغيرة ، و التحق بكل حماسة و حب بموقع البروليتاريا الطبقي. جاعلاً من نفسه مثقفاً عضوياً للطبقة العاملة، وواحداً من أبرز قادتها العالميين . و قد غيّرت هذه التجربة في الحركة الثورية المبكِّرة كامل حياته.

واجهت الأفكار الجديدة للماركسية جملة من الاتجاهات المشوشة لبقايا النارودنيين (الشعبويين؛ الاشتراكيين الثوريين لاحقاً) الذين عظّموا من شأن الفلاحين و أنكروا ضرورة التطور الرأسمالي لروسيا، و اعتبروا “المشاعة القروية” قاعدة لبناء الاشتراكية. و كما رأينا فقد اعتمد النارودنيون (الشعبويون) الإرهاب الفردي كوسيلة للقضاء على الاضطهاد. و بالمقابل اعتبرت الماركسيّة أن نمو الرأسمالية في روسيا و معها نمو حفّار قبرها المتمثل في الطبقة العاملة أمراً قائماً. فعلى نقيض الإرهاب الفردي، طرح الماركسيون الصراع الطبقي بوصفه السلاح الثوري الوحيد القادر على الإطاحة بالأوتوقراطية [الحكم المطلق] القيصرية و تحقيق الثورة الاشتراكية. كتب جورج بليخانوف، مؤسس الماركسيّة في روسيا: “تمضي الرأسمالية في طريقها، إنها تقتلع المنتجين المستقلين من مواقعهم المتقلبة خالقة جيش من العمال في روسيا بنفس الطريقة التي كانت قد جرت من قبل في الغرب”. إلا أن الماركسيين أنفسهم كانوا منقسمين، و يتمظهرون في شكل لا ثوري قانونيّ (الماركسية الشرعيّة) بزعامة ستروفه. و قد اعتنقت هذه المجموعات الماركسية تحليل ماركس الاقتصادي للرأسمالية، و لكنها بقيت بعيدة عن استنتاجات هذا التحليل الاجتماعية الثورية. لقد وقعت في الفهم “الاقتصادوي” للماركسية؛ فعزلت فهم ماركس الاقتصادي عن فهمه السياسي الطبقي.

جورج بليخانوف، الذي يعتبر، إذاً، مؤسس الماركسيّة في روسيا، كان في البداية عضواً نشطاً في “النارودنيك”. و عندما يئس من هذه الحركة قام بالاتصال بـ فريدريك انجلز. و مذّاك أصبح ماركسياً عن اقتناع. لقد قام بليخانوف بتأسيس أول منظمة ماركسية روسية – “جماعة تحرير العمل”– في جينيف/ سويسرا في 1883. و ناضل ليــس ضد النارودنيك وحسب، و إنما كذلك ضد تحريفية برنشتاين و ما يسمى بالماركسية “الشرعية”، منتجاً خلال ذلك مؤلفات ماركسية كلاسيكية، خاصة في الفلسفة. [المؤلفات الفلسفية الكاملة لـ بليخانوف مترجمة إلى العربية، عن دار دمشق]

خاض لينين نفسه هذا النضال. ففي روسيا و بحلول سنة 1895 أثمر عمله المتماسك تكوين “اتحاد نضال و تحرر الطبقة العاملة”، جنين حزب العمال الاشتراكي- الديمقراطي في روسيا. و لكن قامت السلطات بإيقاف لينين و بعد سنة من السجن تم نفيه إلى سيبيريا حيث قضى ثلاث سنوات أخرى. و في الظروف السريّة تلك أكمل عمله الكلاسيكي تطور الرأسمالية في روسيا. ثم سرعان ما التحقت به كروبسكايا التي كانت كادراً سياسياً رئيسياً في منظمة بطرسبورغ. و منذ ذلك الوقت واصلا العمل معاً كرفيقين و زوجين حتى وفاته سنة 1924. على العموم، كتبت كروبسكايا متذكرة: “لم يكن النفي سيئاً جداً فقد كانت تلك سنوات من الدراسة الجديّة”.

في سنة 1898 تكوّن حزب العمال الاشتراكي- الديمقراطي في روسيا خلال انعقاد مؤتمره الأول في مِنْسك. و كان لينين لا يزال في المنفى. و لم يُتم المؤتمر أعماله، فقد تم اقتحامه من قبل الشرطة القيصرية و أوقف أغلب المشاركين فيه. في هذه الأثناء برز اتجاه إصلاحيّ انتهازي داخل الأممية الثانية التف حول شخصية الألماني الاشتراكي- الديمقراطي إدوارد برنشتاين. فقد حاول تحريف الماركسية معتبراً أن النظرية أصبحت قديمة و تحتاج إلى تكيُّف مع الوضع الجديد. و مع أن برنشتاين انهزم سياسياً فان هذا التيار الإصلاحيّ ظهر في روسيا تحت قناع “الاقتصادويّة”. و ذهب هذا التيار إلى القول بأن السياسة تتعدى عقول العمال و أن الحركة الاشتراكية- الديمقراطية تحتاج إلى التركيز على الاقتصاد أي، المطالب اليومية النقابية. و هي مقاربة أهملت الحقل السياسي لصالح البرجوازية الليبرالية في الصراع ضد الأوتوقراطيّة (الحكم المطلق) تاركة الطبقة العاملة تقتفي ظل هذه البرجوازية، وتسير وراءها كتابعة.

باشر لينين بكل حماس الصراع ضد “الاقتصادويّة” كاتباً سلسلة من المقالات نشرت فيما بعد في شكل كتاب يحمل عنوان “ما العمل؟” سنة 1902. و لم يكن الكتاب يقتصر على الرد على “الاقتصادويين” ، و لكنه احتوى أيضاً على تطور لأفكار لينين حول مفهوم التنظيم والحزب السياسي الثوري ، و لا سيّما الحاجة لبناء حزب بقيادة ثوريين محترفين، و جريدة مركزية لعموم روسيا تلعب دور ” المثقِّف ، والمنظِّم الجماعيّ “. و سيكون الحزب الاشتراكي- الديمقراطي حزباً منضبطاً يقوم على الديمقراطية- المركزية و مشكّل على غرار الحزب الاشتراكي- الديمقراطي الألماني. وقد أشار الكتاب إلى حاجة الطبقة العاملة إلى مثقفين عضويين ينقلون إليها الوعي السياسي “من الخارج” from without يكتب لينين: “نثبت هنا كلمات كارل كاوتسكي التالية الهامة والعميقة في صدقها، هذه الكلمات التي قالها بصدد مشروع البرنامج الجديد للحزب الاشتراكي- الديمقراطي النمساوي . [يقول كاوتسكي] : “يحسب كثيرون من نقادنا المحرفين أن ماركس قد أكد أن التطور الاقتصادي والنضال الطبقي لا يخلقان الظروف من أجل الإنتاج الاشتراكيّ conditions for socialist production, وحسب، بل يخلقان مباشرة أيضاً وعي ضرورته. وهاهم هؤلاء النقاد يعترضون بأن إنكلترا ، البلاد الأكثر تطوراً من الناحية الرأسمالية، هي أبعد الجميع عن هذا الوعي… إن وجهة النظر هذه، التي يُزعم أنها ماركسية مستقيمة، .. يدحضها المثال المشار إليه… صحيح أن الاشتراكية ، بوصفها مذهباً as a doctrine ، تستمد جذورها من العلاقات الاقتصادية الراهنة كشأن النضال الطبقي البروليتاريّ سواء بسواء ، وأنها كالنضال الطبقي البروليتاريّ تنبثق من النضال ضد ما تسببه الرأسمالية للجماهير من فقر وبؤس . غير أن الاشتراكية والنضال الطبقي ينبثقان أحدهما إلى جانب الآخر . إنهما ينبثقان من مقدمات مختلفة . فالوعي الاشتراكي الحديث لا يمكنه أن ينبثق إلا على أساس معارف علمية عميقة . وبالفعل إن العلم الاقتصادي الحديث هو شرط من شروط الإنتاج الاشتراكي، شأنه مثلاً ، شأن التكنيك الحديث سواء بسواء، والحال أن البروليتاريا ، بالرغم من كل رغبتها ، لا تستطيع أن تخلق لا هذا ولا ذاك ، فكلاهما ينشأ من التطور الاجتماعي الحديث. هذا وأن العلم ليس بيد البروليتاريا ، بل بيد المثقفين البورجوازيينbourgeois intelligentsia : فالاشتراكية الحديثة نفسها قد انبثقت هي أيضاً في رؤوس بعض أعضاء هذه الفئة، وقد نقلها هؤلاء إلى أكثر البروليتاريين تطوراً من الناحية الفكرية، الذين أخذوا بعد ذلك يدخلونها في نضال البروليتاريا الطبقي حيث تسمح الظروف. وعلى ذلك كان الوعي الاشتراكي عنصراً يؤخذ من الخارج وينقل إلى نضال البروليتاريا الطبقي، لا شيئاً ينبثق منه بصورة عفوية.”” [ما العمل؟ مع تدقيق الترجمة وفق الطبعة الإنكليزية ] . إضافة لذلك فإن ظهور أرستقراطية عمالية في بلدان عديدة يؤكد قول كاوتسكي. وقد استُخدم الكتاب لتربية جيل كامل من نشطاء الحزب، و أرسى قاعدة بناء الاشتراكية – الديمقراطية في روسيا.

قام لينين بالخصوص بالتشديد على أهمية الوعي النظري في الحزب مؤكداً أنه “بدون وجود نظرية ثورية لا يمكن أن توجد حركة ثورية”. و يستشهد بقول انجلز في هذا المجال : “فلنذكر ما قاله انجلز سنة 1874 في ما يتعلق بأهمية النظرية، والنضال النظري في الحركة الاشتراكية- الديمقراطية. يعتبر انجلز أنه لا يوجد شكلان في النضال الكبير للحركة الاشتراكية- الديمقراطية (السياسي و الاقتصادي) فحسب، كما هو الحال بيننا، و لكن هناك ثلاثة أشكال، واضعاً النضال النظريّ في الدرجة الأولى…

“ينفرد العمال الألمان بسابقتين على رفاقهم في باقي أوروبا. فهم أولاً ينتمون إلى أكثر المتكونين نظرياً في أوروبا، بل و حافظوا على ذلك الحس النظري والذي فقدته كلياً ما يسمى بالطبقات المثقفة في ألمانيا. فبدون الفلسفة الألمانية، و بخاصة فلسفة هيغل، ما كان للاشتراكية العلمية الألمانية؛– الاشتراكية العلمية الوحيدة، – أن تعرف الوجود. و بدون حس نظري لدى العمال ما ترسّخت هذه الاشتراكية العلمية كما هو عليه الحال الآن. إنها أسبقية لا تقاس مقارنة باللامبالاة الموجودة تجاه النظريات عامة و التي هي أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الطبقة العاملة الإنجليزية تزحف ببطء شديد برغم التنظيم الرائع للاتحادات…” (لينين، ما العمل؟). يكتب غرامشي: “الوعي الذاتي النقدي يعني تاريخياً وسياسياً خلق نخبة من المثقفين : فالكتلة البشرية لا تتميز ولا تصير مستقلة من “تلقاء ذاتها” ، من دون أن تنظم نفسها بالمعنى الواسع، ولا تنظيم بدون مثقفين، أي بدون منظمين وبدون قادة ” (دفاتر السجن). ويقول ماركس: “أفكار الطبقة السائدة هي أيضاً ، وفي كل العصور طراً، الأفكار السائدة ؛ وبعبارة أخرى، أن الطبقة التي هي القوة المادية السائدة في المجتمع هي كذلك القوة الروحية السائدة . والطبقة التي تملك وسائل الإنتاج المادي تمتلك ، في الوقت نفسه، وسائل الإنتاج الفكري، وهذا بحيث أن أفكار أولئك الذين يجدون أنفسهم محرومين من وسائل الإنتاج الفكري تخضع بالفعل ذاته لتلك الطبقة السائدة ” (الأيديولوجية الألمانية). لهذا يتوجب على هؤلاء المحرومين أن يوجدوا وسائل إنتاج فكري مستقلة عن الطبقة السائدة ولا إنتاج فكري مستقل من دون مثقفين عضويين للطبقة العاملة . و منذ ديسمبر 1900 فصاعداً، و نظراً للقمع في روسيا تمّ العمل في الخارج على إنشاء جريدة للحزب و ذلك باسم الاسكرا (الشرارة) . عند بلوغه الثلاثين من العمر انتقل لينين إلى ميونخ للعمل مع بليخانوف و آخرين من أجل الإشراف على تحرير الجريدة . و مع سنة 1902 أصبح من العسير جداً نشر الاسكرا في ألمانيا. و تحوّل معظم طاقم هيئة التحرير إلى لندن. في أبريل/نيسان وصل لينين و كروبسكايا إلى لندن للالتحاق بـ مارتوف، و فيرا زازوليتش، و بوتروسوف. فيما ظلّ المحررون الآخرون، بليخانوف و أكسلرود، في سويسرا، حيث يذهبان إلى لندن للتشاور. و تمّ تحرير العددين 22 و 23 في كلاركنوال غرين آين تقاسما مكتباً مع هنري كوالش، أحد زعماء الفدرالية الاشتراكية- الديمقراطية البريطانية. و في أكتوبر/تشرين أول قَدَِم كذلك إلى لندن ليون تروتسكي، الملقب بـ “القلم” لأسلوبه البليغ، للالتحاق بالمهاجرين الآخرين. و مثلما تتذكر كروبسكايا في الطبعة الأولى (1930) من مذكراتها، التي تم حذف فقرات منها من قبل البيروقراطيين، رحّب لينين بحرارة بـ تروتسكي و أكّد على أن يكون أحد المساهمين في الاسكرا. و خلال بضعة اشهر في مارس 1903 اقْتُرح لينين اسم تروتسكي في رئاسة التحرير.

في ذلك الوقت كانت التحضيرات للمؤتمر الثاني لحزب العمال الاشتراكي- الديمقراطي في روسيا لسنة 1903 على قدم و ساق. و قد مثل في الواقع المؤتمر التأسيسي للحزب و أعطيت مهمة إعداد برنامجه للينين. و التأم الحزب في تشرين الأول في بروكسال و كان محاصراً من البوليس فأُجبر على إنهاء أعماله في لندن. و من ضمن 44 مندوبا ممثلين عن 26 منظمة لم يكن هناك إلا أربعة عمّال. و في النهاية فاق عدد مناصري الاسكرا بكثير عدد الاقتصادويين و منشقِّّي البوند(^) اليهوديّة.

منذ المؤتمر الأول تكونت “البوند” كفرع مستقل بذاته من حزب العمال الاشتراكي- الديمقراطي في روسيا. فرع يدّعي تمثيل العمال والحرفيين اليهود. أما في المؤتمر الثاني فقد أرادوا تقليص روابطهم بالحزب أكثر. و مثلما شرحت كروبسكايا: “كانت المسألة تتمثل في أن يكون للبلاد حزباً عمالياً قوياً موحداً يلتف حوله عمال كافة القوميات الموجودة على الأرض الروسية، لا أن يكون هناك عدة أحزاب منفصلة على أساس قومي. كان الأمر يتعلق بتحقيق تضامن “عالمي” داخل البلاد. و قد وقفت رئاسة تحرير الاسكرا من أجل تمتين عرى الطبقة العاملة عالمياً وفي روسيا خاصة. في حين وقفت البوند من أجل الانفصال القومي و كانت علاقتها مجرد علاقات تعاقدية مع الأحزاب العمالية القومية في روسيا.” (كروبسكايا، “ذكريات لينين”). و حول هذه المسألة حققت الاسكرا انتصاراً كبيراً من أجل وحدة العمــال في حزب اشتراكي – ديمقراطي واحد في روسيا. إلا انه لاحقاً خلال المؤتمر حدث انشقاق عميق في معسكر الاسكرا. فقد برز الانقسام بين البلاشفة (أغلبية) بقيادة لينين و المناشفة (أقلية) بقيادة مارتوف حول فقرة في القانون الأساسي و تكوين الكوادر!(أنظمة الحزب) تقول الفقرة التي تقدم بها لينين: “عضو الحزب هو من يوافق على برنامجه، ويدعم الحزب مالياً، وبمشاركته الشخصية في إحدى منظمات الحزب” [لينين، خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء!] . أما عبارة مارتوف فتقول: “عضو حزب العمال الاشتراكي-الديمقراطي الروسي هو من يوافق على برنامجه، ويعمل بنشاط لتحقيق أهدافه تحت إشراف وتوجيه إحدى منظمات الحزب” [لينين، خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء!] لقد أراد مارتوف استبدال عبارة “المشاركة الشخصية في إحدى منظماته” بعبارة مطاطة: “العمل بنشاط لتحقيق أهدافه تحت إشراف إحدى منظمات الحزب “. و أراد لينين كذلك تقليص أعضاء رئاسة تحرير الاسكرا إلى ثلاثة. لتتكون من: لينين، مارتوف و بليخانوف. و رغم فوزه بالأغلبية فان الانقسام ترك لينين معزولاً داخل الحزب بعد أن انحاز بليخانوف إلى جانب مارتوف. و إثر هذه المحاولة الفاشلة في إضفاء صبغة تحريفية على الحزب قدم لينين استقالته من رئاسة تحرير الاسكرا .

توجد عدّة تصورات حول المؤتمر الثاني و الانقسام المشهور. فقد قيل أن البلشفية قد برزت و تكونت بالكامل منذ ذلك المؤتمر. و مذّاك تقدم الحزب البلشفي الموحّد تحت قيادة لينين إلى أن استولى على السلطة بنجاح في أكتوبر/تشرين أول 1917. و في الواقع، إن في هذا شيء من التبسيط غير المفيد. فقد حدث انقسام 1903 ليس بسبب اختلافات جوهرية بل بسبب اختلافات تنظيمية ثانوية. و هذه الأخيرة لم تكن واضحة أبداً بين الاتجاهين في تلك الفترة و لكنها تطورت مع مرور الأيام تحت ضغط الأحداث. فالاختلافات الأساسية بين البلشفية و المنشفيّة – والتي يجسّدها– الموقف من البرجوازية الليبرالية- لم تطفو على السطح إلا في عام 1904. و لم يصبح خط الخلاف واضحاً إلا مع ثورة 1905.

يكتب لينين: “إن البلشفية بوصفها اتجاهاً للفكر السياسي، وبوصفها حزباً سياسياً، موجودة منذ سنة 1903 …فمن جهة ظهرت البلشفية في سنة 1903 على أرسخ قاعدة نظرية هي نظرية الماركسية . أما صحة هذه النظرية – وصحتها فقط – فقد أثبتتها ليس الخبرة العالمية طوال القرن التاسع عشر وحدها ، بل أثبتتها على الخصوص خبرة الفكر الثوري في روسيا، وهي خبرة الضلالات والتذبذبات والأخطاء والخيبات . ففي غضون نصف قرن تقريباً ، أي منذ حوالي العقد الخامس من القرن التاسع عشر، كان الفكر الطليعي في روسيا يبحث بظمأ، في ظل اضطهاد القيصرية الهمجية والرجعية للغاية، عن نظرية ثورية صحيحة ويستقصي بمثابرة ودأب مدهشين أية، وكل “كلمة حديثة” تقولها أوربا وأميركا في هذا المضمار. إن توصل روسيا إلى الماركسية، هذه النظرية الثورية الصحيحة الوحيدة، كانت عملية مضنية حقاً استغرقت نصف قرن مليء بالعذابات والضحايا التي ليس لها مثيل، وبالبطولة الثورية المنقطعة النظير وبالنشاط والتفاني الهائلين في الاستقصاء والتعلم والتجريب العملي وبخيبة الآمال وبالتحقق من تجربة أوربا وتقييمها المقارن . وبفضل الهجرة الاضطرارية هرباً من تعسف القيصرية، توفرت لروسيا الثورية كثرة من الصلات العالمية ومن إمكانيات الإطلاع الجيد على أشكال ونظريات الحركة الثورية في العالم أجمع، بحيث لم يضارعها في ذلك أي بلد آخر.” [لينين: ” “اليسارية” مرض الشيوعية الطفولي “]. ويضيف قائلاً: “من جهة أخرى ، فلدى البلشفية التي نشأت على هذه القاعدة النظرية الصلدة تاريخها العملي الذي يمتد خمسة عشر عاماً (1903-1917 ) والذي لا يضارعه مثيل في العالم من حيث غنى خبرته؛ إذ لم يشهد أي بلد آخر خلال هذه السنوات الخمس عشرة حتى بصورة تقريبية ، مثل هذا المجموع الكبير من التطورات بمعنى الخبرة الثورية والسرعة والتنوع في تبدل مختلف أشكال الحركة ، من علنية وغير علنية ، هادئة وعاصفة ، سرية ومكشوفة ، ضيقة النطاق وجماهيرية ، برلمانية وإرهابية . لم تتجمع في أي بلد آخر ، في هذه الفترة القصيرة من الزمن ، مثل هذه الوفرة من الأشكال والتلاوين والأساليب في نضال جميع طبقات المجتمع الحديث” [لينين: جناح الشيوعية اليساري: داء صبياني”]

بالنسبة للمناشفة كانت مهمة الثورة التي تواجهها روسيا كنس بقايا الإقطاعية و توفير ظروف تطور الرأسمالية. فهي ثورة برجوازية ديمقراطية كانت قد وقعت منذ زمن في الغرب. و الظروف الملائمة من اجل ثورة اشتراكية كانت غائبة تماما في روسيا و بالتالي فان مهمة الطبقة العاملة الصاعدة هو أن تُخضِع نفسها للبرجوازية كقائدة للثورة البرجوازية الديمقراطية القادمة. أما لينين و رغم اعترافه بالطبيعة البرجوازية الديمقراطية للثورة في روسيا إلا أنه وصل إلى استنتاجات مخالفة. فبالنسبة له فان البرجوازية الليبرالية الروسية قد دخلت مسرح التاريخ متأخرة. بالإضافة إلى أنها مرتبطة عضوياً بالاوتوقراطية. و بناء على ذلك فان الدور الوحيد المقدّر عليها أن تلعبه هو الثورة المضادة. و القوة الوحيدة القادرة على قيادة الثورة هو التحالف بين البروليتاريا و الفلاحين الفقراء تحالف يؤدي إلى إقامة ” ديكتاتورية البروليتاريا و الفلاحين الديمقراطية الثورية” [ خطتا الاشتراكية في الثورة الديمقراطية] . علاوة على ذلك فان مصير الثورة الروسية سيكون مرتبطا بنجاح ثورة اشتراكية في الغرب التي من شأنها أن تعطي دفعاً للثورة في روسيا نفسها. وبرزت الآن الاختلافات الحقيقية بحيث أن المناشفة أصبحوا يمثلون دعاة الوفاق الطبقي مدافعين عن البرجوازية في مقابل الجماهير الثورية. و في الحقيقة فان انقسام 1903 نبّأ بخلافات سياسية مستقبلية. و في النهاية ستصبح هذه الخلافات انقساماً بين تيارين: الاشتراكية الثورية و الإصلاحية المنشفيّة.

قام تروتسكي في آخر الأمر بالتصويت مع المناشفة حول المسائل التنظيمية. و سيعترف بعد ذلك و بكل صراحة بأنه كان مخطئاً فيما قام به. فهو لم يدرك الفحوى الحقيقي للخلاف، و ما كان لينين يرمي إليه. و بالرغم من ذلك، و في ما يتعلق بالأمور السياسية، فقد اتفق تروتسكي مع لينين حول جميع المسائل الجوهرية معارضاً المناشفة. في الواقع كانت لـ تروتسكي رؤية واضحة حول القوى الاجتماعية المشاركة في الثورة. و كانا الاثنان على اتفاق بان الطبقة الثورية الوحيدة القادرة على قيادة الثورة؛ – الثورة البرجوازية الديمقراطية – هي البروليتاريا بالتحالف مع الفلاحين الفقراء. كان وضوح تروتسكي فيه الكثير من التجريد الذي لا يأخذ درجة وعي البروليتاريا الفعلي، ودرجة تنظيمها وقوتها السياسية وتحالفاتها الفعلية ، بعين الاعتبار، وكطرف في التحليل العلمي للواقع. لقد طرح صيغته الواضحة منذ البداية ، بينما كانت صياغات لينين محددة بهذه الدرجة أو تلك من درجات النضج الذاتي (الوعي والتنظيم) للطبقة العاملة وحلفائها من الفلاحين الفقراء.

فقبل سنة 1917 كانت فكرة لينين هو أن تبقى الثورة الروسية في حدود الثورة البرجوازية. و ربط مصير الثورة في روسيا بالثورة الاشتراكية في الغرب. إلا أن تروتسكي ﺁمن منذ عام 1904 بان البروليتاريا الروسية ستصل إلى السلطة قبل شقيقاتها في أوروبا. و يكون ذلك بداية للثورة الاشتراكية العالمية. وهو ما حدث بالفعل في 1917. و قد عرفت هذه النظرية بـ “نظرية الثورة الدائمة”. و في سنة 1917 أصبح واقع الحال واقع أفق ثورة اشتراكية. لم يطرح لينين مسألة الانتقال من الثورة الديمقراطية البورجوازية إلى الثورة الاشتراكية إلا في نيسان 1917 عبر موضوعاته الشهيرة باسم “موضوعات نيسان” .

أثارت مذبحة التاسع من يناير في بطرسبورغ ثورة 1905 في روسيا. و جاءت الأحداث الثورية لتلك السنة لتؤكد الأعمال المضادة للثورة التي قامت بها البرجوازية الليبرالية. كما أثبتت الدور الثوري و المستقل للطبقة العاملة الفتية. فخلال مجرى الثورة قام العمال بعفوية بتكوين مؤسساتهم النضالية في شكل مجالس سوفييت [مجالس ممثلي العمال والجنود والفلاحين الفقراء] و التي مثلت جنين السلطة العمالية. فخلال 12 شهراً شملت الحركة الثورية حيزاً من النضال امتد من لوائح الإضرابات و الإضرابات العامة إلى الاستيلاء على السلطة. و قد لعب تروتسكي دوراً مهماً في تلك الأحداث ووقع انتخابه رئيساً لسوفييت بتروغراد؛ السوفييت الذي قاد الإضراب العام في أُكتوبر. إلا أنه و بعد انكسار انتفاضة ديسمبر في موسكو تراجعت الحركة الثورية إذ فرضت الحكومة سلطتها بكل وحشية. ومع ذلك فقد اعتبر لينين ثورة 1905 بمثابة “تمرين أو بروفا “. فبدون تلك التجربة ما كان لثورة أكتوبر سنة 1917 أن تنجح .

في غضون سنوات بدأ ردّ فعل دموي من قبل السلطات القيصرية . فـ لينين الذي كان قد عاد إلى روسيا في نوفمبر 1905 أجبر مرة أخرى على اللجوء إلى المنفى مع حلول سنة 1907. و قد جلبت فترة ردة الفعل الرجعيّة مصاعب كثيرة، إذ فقد الكثير من الثوريين النشطين سراً العزيمة و تركوا الحركة . “لقد كانت أياماً عصيبة”. كتبت كروبسكايا. “ففي روسيا كانت المنظمات تتفكك”. في حين كانت بعض التحركات المنشفية تهدد بـ “القضاء” على الحزب غير المعترف به، و كان عزم جميع القوى على العمل العلني القائم تحت سطوة الرجعية، كان كل ذلك يعني رفض النشاط الثوري. و البلاشفة من جهتهم قد وقعوا تحت تأثير نزعات يسارية متطرفة ترمي إلى مقاطعة العمل العلني بالكامل، وهو ما يعني أيضاً التخلي عن العمل الثوري. و غرق آخرون في فلسفة مثالية ردّ عليها لينين عبر كتابه المعروف: “المادية والمذهب النقدي التجريبي” (1908) و الذي يظل عملاً فلسفياً كلاسيكياً. و مرة أخرى كان على لينين الاعتماد على مجموعة صغيرة من الثوريين في المنفى لقيادة النضال ضد “التصفويّة” . من جهتيّ اليمين و اليسار على السواء. فحتى في ذلك الوقت كان يطغى على العمل كفاح و مشاحنات حياة المهجر. و بعد هزيمة ثورة 1905 بقليل انحسرت المنظمة البولشفيّة داخل روسيا في قوقعة صغيرة . و لم يكن لديهم أي خيار سوى التعاون مع المناشفة منتجين بذلك صحيفة مشتركة سميت الاشتراكي- الديمقراطي رئِس تحريرها مارتوف. و لكنها لم تُعمِّر . كتب تروتسكي: ” في 1910 كان في كامل البلاد بضعة عشرات من المناضلين. كان البعض الآخر في سيبيريا. و لكنهم لم يكونوا منظمين. و الذين تمكَّن لينين من الاتصال بهم عن طريق المراسلة لم يتعدَّ عددهم الثلاثين أو الأربعين.” و خلال فترة هجوم الرجعية حاول لينين أن يُبقي البلاشفة في الطريق الصحيح بمحاربة النزعات اليسارية المتطرفة التي أثرت فيهم. و كان لا بد أن يؤدي هذا التشدد إلى انشقاقات و خاصة مع أنصـار المقاطعة أو الانسحابية على العموم كان نهج لينين مرناً في المسائل التكتيكية و التنظيمية و لكنه صارماً في المبادئ. و بنهاية 1910 كان قد بدأ مدّ ثوري جديد في روسيا تواصل إلى حد اندلاع الحرب العالمية في 1914. و كان الانشقاق سنة 1912 بين المناشفة و البلاشفة قد اتخذ وجهاً واضحاً بتأسيس حزبين منفصلين. و قام البلاشفة بنشر صحيفة يومية جديدة سميت البرافدا أو الحقيقة ، و في غضون عامين، وإثر عمل متواصل كانوا قد جلبوا إلى صفوفهم أكثر من أربعة أخماس العمال المنظمين. ففي انتخابات مجلس الدوما (البرلمان القيصري) المزوَّرة تمكّنوا من الفوز بستة مندوبين أُوقفوا جميعهم مع بداية الحرب.

لقد مثلت الحرب العالمية لسنوات 1914 -– 1918 منعرجاً كبيراً. فقد بينت أن الرأسمالية قد أنهكت نفسها و أن تناقضاتها قد بلغت مستويات حادة. فقد اختنق تطور قوى الإنتاج بين كماشتي المِلكيّة الخاصة و الدولة القومية. و كان امتحان الحرب، و لا يوجد امتحان أعظم من ذلك، برهانا على عجز قيادات الأممية الثانية. ففي سنة 1914 خانوا الطبقة العاملة و أضرّوا بمصداقية الاشتراكية الأممية بانحيازهم إلى جانب رأسمالييهم. فبتصويت الزعماء الاشتراكيين-الديمقراطيين على حرب الطبقة الحاكمة كانوا قد دعوا العمال إلى التقاتل باسم “العدالة” و”الوطنية”. و برغم معارضتهم للحرب في بادئ الأمر فقد تراجعوا عن موقفهم. و صُدم العمال بذلك و اعتقد لينين أن تصريح مساندة الحرب الذي نشر في صحيفة الاشتراكيين-الديمقراطيين كان تزويراً ! و في الواقع، فقد عرفت الأممية الثانية (تأسست 1889) انهياراً مخزياً. و على حد قـول روزا لوكسمبورغ أصبحت “جثة نتنة ” و لم يقف ملتزماً بخط الاشتراكية الأممية إلا حزباً روسياً، وحزباً صربياً. فقد صوت المندوبون البلاشفة في الدوما ضد قرار الحرب و تم إبعادهم إلى صربيا. في ديسمبر 1914 في ألمانيا صوت كارل ليبنيخت ضد الحرب. و بقي على عاتق حفنة صغيرة من الأمميين المضطَّهدين و المعزولين في العالم أن يقودوا عملية إعادة بناء قوى الاشتراكية الأممية.

وجه لينين الخطاب من منفاه في سويسرا إلى العمال الواعين طبقياً الذين أربكتهم الخيانة الكبرى. ووصف الحرب العالمية بكونها حرباً إمبريالية بزعامة القوى الإمبريالية للرأسمال المالي من أجل نهب العالم و الأسواق و اقتسام مناطق النفوذ و الأرباح. وميز بوضوح بين الحروب الإمبريالية من جهة وبين الحروب التقدميّة من أجل التحرر الاجتماعي و الوطني التي يشنها المضطَّهَدون من الطبقات و الأمم من جهة أخرى، و التي تلقى مساندة الاشتراكيين. و قال لينين إن تلك الحرب تحمل صبغة جوهرية مختلفة و دعا الطبقة العاملة إلى “تحويل الحرب الإمبريالية إلى حرب أهلية “؛ تحويل حروب الغزو الاستعماري ، والحروب بين الأمم إلى حرب للإطاحة بالرأسمالية و انتصار الاشتراكية. . و الكفاح النزيه ضد الامبريالية هو كفاح ضد الحكومة الإمبريالية المحلية. وربط لينين هذا التحليل بنداء جريء من أجل أممية ثالثة للحفاظ على راية الاشتراكية العالمية. و كان من شأن التجمعات العالمية في كل من تزيمرفالد (1915) و كينثال (1916) أن وفّرت نقطة ارتكاز حيوية للأمميين اليساريين و التي ستؤدي في النهاية إلى تأسيس الأممية الثالثة ؛ أو الأممية الشيوعية في مارس/آذار 1919.

قضى لينين خلال سنوات الحرب وقتاً طويلاً في دراسة جديدة للنظرية الماركسية. و على الخصوص في جمعه لمعلومات عن المسائل الاقتصادية و التي سيستعملها لإنتاج كتابه الكلاسيكي “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” (1916). و قام كذلك بدراسة شاملة للدياليكتيك المادي و الفلسفة ملخصاً منطق هيغل عبر ما عُرف لاحقاً باسم “دفاتر فلسفية” وأساسها “خلاصة كتاب هيغل علم المنطق ” وهي ثلاثة دفاتر ملأها لينين بين أيلول وكانون الأول 1914 في مكتبة مدينة برن بـ سويسرا . كمواصلة لدروسه خلال سنتي 1908-1909. و قد غاص في دراسة علم المنطق لـ هيغل بهدف مواصلة منهج ماركس الديالكتيكي. لقد كان التمكن من المادية الديالكتيكية و النظرة الماركسية للعالم ضروريان لفهم الأحداث الجارية و المعقدة .” يقول لينين: “إن الأمر الحاسم في الماركسيّة هو ديالكتيكها الثوري.” وهذا الديالكتيك تاريخي، وهو يغتني بالمحتوى العلمي المتطور. فـ هيراقليط الديالكتيكيّ لم يدر شيئاً عن فضل القيمة، لكنه “كان يعتبر النار سيرورة ، يقول هيغل: النار هي الزمان الفيزيائي؛ هي غياب الراحة المطلق.. ويقول حول فلسفة الطبيعة لـ هيراقليط: الطبيعة سيرورة بذاتها .. هي ما ليس أبداً في حالة سكون، وكل شيء هو مضي من الواحد إلى الآخر، من الانشطار الثنائي إلى الوحدة ومن الوحدة إلى الانشطار الثنائي “ وأرسطو تحدث عن الكائن بالقوة ، والكائن بالفعل. لأنه ما يزال يجرّد مقولاته الفلسفية على أساس الكون (cosmos) ، وليس على أساس الكائن الاجتماعي التاريخي. مع هيغل ومع تطور مقولات الحداثة وابتكارها ضمانات خاصة بها غير معتمدة على استعارات (قمصان) من الماضي ، ومع بداية تطور النضالات الاقتصادية والعمالية، راح هيغل يتحدث عن الكائن في ذاته، والكائن لذاته بمحتوى جديد مختلف عن حديث هيراقليط، حيث الكائن في- ذاته كائن بالفعل النقابي ، ولا يصير كائن- لذاته إلا بصيرورته كائناً سياسياً ، أي بصيرورته برنامجاً سياسياً وحزب . فبفعل الوعي والتنظيم السياسي سوف تنتقل البروليتاريا لا حقاً من النضال النقابي إلى الصراع السياسي. وبما أن الفلسفة بعد هيغل قد راحت تنخرط مباشرة في الصراع السياسي والاجتماعي، وبما أن “كائن الفلسفة” أو موضوعها لم يعد الكوزموس ؛ أي الكون بالعموم بل بات هو المجتمع البورجوازيّ وشرطه في الملكية الخاصة وأسلوب الإنتاج والاستهلاك ، فقد بات لزاماً أن تعالج الفلسفة حقول “خاصة ” كـ الاقتصاد السياسي. وباتت المكتشفات العلمية في هذا الحقل جزء لا يتجزأ من حركة تطور المنهج الديالكتيكي، فمقولات القيمة و فضل القيمة النسبية والمطلقة، ومقولة الإمبريالية باتت مقولات منهجية في الديالكتيك المادي وهي أساسية في أي تحليل للاقتصاد العالمي وتطوراته الراهنة. هذه المقولات إذا ما أخذت بكل تفاصيلها تغدو “نظرية” وتغدو مؤدلجة بالمعنى السيئ للكلمة؛ أي إذا أخذنا جميع النتائج التي خرج بها لينين من دراسة الإمبريالية في عصره 1916 يعني أننا دخلنا بمسألة الأيديولوجية والوعي الزائف ، أماّ إذا استخدمنا مقولة الإمبريالية التي تعني أساساً الاحتكار في الاقتصاد والنزوع إلى السيطرة والتحكم بالأمم الأخرى الضعيفة،كمقولة مفتاحية فحسب، فقد دخلنا بشكل علمي إلى دراسة واقع الاقتصاد العالمي الراهن والذي يدعى بشكل مغالط بـ “العولمة”. نقرأ عند هاري ماجدوف الكاتب الماركسي الأمريكي الشمالي، يقول: “من الجدير بالملاحظة، أنه برغم التحولات العديدة التي حدثت في الستين سنة التي تلت ظهور مؤلف لينين “الإمبريالية” هذه التحولات التي تمثلت في الحرب العالمية الثانية وانتشار الاشتراكية وتصفية الاستعمار وفورة الإمبراطورية الأميركية [وقضايا أخرى بعد ذلك من تفكك الدولة السوفييتية وانتصار ثورة إيران بقيادة رجال الدين الشيعة، وانتشار السلفية الدينية واحتلال بلدان عدة من قبل الإمبريالية الخ..]، فإن النظرية التي رسم خطوطها الأولى ما تزال هي أفضل إطار لاستيعاب مسيرة الرأسمالية ، شريطة تطبيقها بطريقة غير جامدة ، وأعتقد أن السبب في ذلك هو الطريقة التي حدد بها لينين المرحلة الاحتكارية الجديدة للرأسمالية ، ومن ثم وضع إصبعه على أهم سماتها المميزة .”

لقد أدرك لينين أن تجربة الحرب كانت تُعدّ حتماً لموجات ثورية جديدة. و في الأخير انفجرت الأزمة في روسيا في فبراير/شباط 1917 . أي انفجرت الأزمة في “أضعف حلقة” من سلسلة الرأسمالية العالمية. وهذا تأكيد على صحة تحليل ماركس لنتائج فشل ثورة 1848 في فرنسا، حيث يكتب: ” فبينما تحدث الأزمات بادئ الأمر الثورات على القارة ، فإن أسس هذه الثورات توضع دائماً في إنكلترا . [كانت إنكلترا في صدارة الدول الرأسمالية] ومن الطبيعي أن تحدث الانفجارات العنيفة في أطراف البدن البور جوازي بالأحرى منها في قلبه ، ما دامت إمكانية التصحيح أعظم هنا منها هناك . ومن جهة أخرى ، فإن درجة رد فعل الثورات القارية على إنكلترا هي في الوقت نفسه المقياس الذي يشير إلى مدى ما تطرح هذه الثورات حقاً وفعلاً مسألة الشروط البورجوازية للحياة على بساط البحث ، أو مدى ما تكتفي بصدم تشكيلاتها السياسية ” [كارل ماركس ، “الصراعات الطبقية في فرنسا”] .

ففي يوم المرأة العالمي توقف العمال عن العمل و تظاهروا في الشوارع رافعين شعارات: لتسقط الحرب! ، لتسقط القيصرية! ، و نريد خبزاً! و تطورت الاحتجاجات و الإضرابات لتصبح ثورة أطاحت بالمؤسسة القيصرية التي عمّرت ألف عام. و مثلما حدث في سنة 1905 برزت السوفييتات إلى جانب الحكومة المؤقتة مكّونة بذلك نظاماً من “السلطة المزدوجة” و لكن هيمنت عليها في البداية أحزاباً إصلاحية: المناشفة و الاشتراكيين الثوريين. فلم يكن للمذكورَين أي أفق من اجل انتزاع السلطة من البرجوازية. فقد وضعت الثورة السلطة في أيدي الذين قاموا بها: العمال و الجنود. و لكنهم لم يكونوا واعين بسلطتهم. لذا تحولت إلى الزعماء الإصلاحيين و الذين نقلوها بدورهم إلى الحكومة البورجوازية تحت قيادة برايس لفوف. و لكن وضعية “السلطة المزدوجة” تلك لم تكن لتدوم، فإما أن تفرض السوفييتات نفوذاً كاملاً ، أو أن تكون هناك ثورة مضادة. و في غضون أشهر فقط و بعد أن غادر منفاه في زيورخ أصبح لينين من “أكثر المنبوذين و أكثر المحبوبين على الأرض.” و مرت أكثر من ثمانية أشهر على الثورة الأولى، مع كل ما رافق ذلك من منعطفات حادة و احتدام سريع للصراع الطبقي بين الثورة و الثورة المضادة قبل أن يعي العمال قوتهم و حيازة سلطة الدولة و تنظيم الجمهورية السوفيتية بقيادة البلاشفة.

لم يكن ذلك طبعاً بالأمر الهين. فعندما وصل لينين إلى محطة قطار فنلندا بـ بتروغراد في الثالث من أبريل/نيسان، حيّا جموع الجماهير بالكلمات التالية: “تحيا الثورة الاشتراكية العالمية!” فلم تكن لديه أي ثقة في الحكومة المؤقتة التي قام محررا البرافدا ، كامينيف و ستالين، بتزكيتها. فقام بتوبيخهما. بدأ العمل على إقناع حزبه من أجل الطرح الفوري للثورة الاشتراكية. و في رسائل من بعيد المشهورة التي كتبها في ذلك الوقت كان لينين قد طرح المهام الرئيسية: “(1) البحث عن أفضل طريق يقود إلى المرحلة المقبلة للثورة أو إلى الثورة الثانية وهي ثورة اشتراكية (2) تقوم هذه الثورة بنقل سلطة الدولة من حكومة ملاك الأرض و الرأسماليين (أمثال غوشوف و لفوف و ميليوكوف و كيرنسكي) إلى حكومة العمال و الفلاحين الفقراء. (3) تُنظم الحكومة الأخيرة على مثال مجلس مندوبي العمال و الفلاحين.” أو مجالس سوفييتات العمال والفلاحين الفقراء.

كان على لينين أن يقود كفاحاً مريراً لتجاوز المعارضة الأولية بين “البلاشفة القدامى”، و وضع الحزب البلشفي على طريق كسب الجماهير من أجل ثورة ثانية اشتراكية. و لما كان البلاشفة أقلية كانت مهمتهم الرئيسية تتمثل في “الشرح بصبر و مثابرة ” لسياستهم. و في الأخير، و على أساس الأحداث التي توالت تمكنوا من كسب الأغلبية حول شعارات الخبز ، الأرض و السلام .

تمثل كتابات لينين في تلك الفترة رصيداً من المعرفة العميقة للماركسيين عن القيادة في خضم الثورة و عن فن الاستيلاء على السلطة. فخلال تلك الأحداث التاريخية أتمّ احد أهم أعماله النظرية: الدولة و الثورة. و فيه يوضح الخط الفاصل و الحيوي بين الإصلاحية و الثورة. و مع بداية شهر سبتمبر/أيلول كان البلاشفة قد فازوا بالأغلبية في سوفييتات بتروغراد و موسكو. و في الخامس و العشرين من اوكتوبر/تشرين الأول تم كنس النظام القديم و تكونت حكومة سوفيتية من بلاشفة و ثوريين اشتراكيين يساريين . تكونت من لينين كرئيس و تروتسكي كوزير خارجية. و كان ذلك بداية لتحول كبير في التاريخ العالمي.

لقد كان دور لينين الشخصي في 1917 حاسماً، و يعمل على تسليط الضوء على الدور الحيوي، و في ظروف محددة، للفرد في التاريخ. ففي المجرى العارم للأحداث التاريخية يلعب الأفراد في العموم دوراً ثانوياً. إلا أنه توجد لحظات حاسمة و خاصة حينما يكون الوضع خطراً يلعب فيه الأفراد دوراً حاسماً إيجابيا أو سلبياً. و قد ثبت أن دور لينين كان لا غنى عنه . فقد كان في خضم الأحداث، مدركا لقوانينها فاعلاً في تشكيل القوى السياسية والاجتماعية التي قامت بالثورة. ولخص تروتسكي تجربته و دوره في سنة 1917 كما يلي: “إن لم أكن حاضراً في بطرسبورغ في 1917 فإن الثورة كانت ستحدث على أساس أن لينين كان قائداً لها. و إن لم يكن لينين أو أنا موجودين، فما كان لثورة اوكتوبر أن تقع. و لأعاقت قيادة الحزب البلشفي وقوعها. ليس لدي أي شك في ذلك !” ( يوميات المنفى، 1935). ما كان في ذلك شك فقد كانت مقاومة زعماء الحزب البلشفي للخط الجديد شديدة . و بدون لينين لكانت أشد بكثير. و تروتسكي، وحيداً، اعتقد انه لا يملك شخصيا السلطة لقلب الوضعية. في إطار تلك الظروف كان من الممكن أن يفشل الحزب البلشفي في سلوك الطريق الصحيح في الوقت الحاسم. و هو ما كان من المحتمل أن يسمح للبورجوازية بأن تسلم بتروغراد إلى الألمان و تدحر الانتفاضة العمالية التي لم تكن تملك قيادة مناسبة. و بالتالي تبسط سلطتها في شكل نظام عسكري بونابرتيّ [نسبة إلى نابليون الثالث؛ أو لويس بونابرت]. و لاتخذ مسار التاريخ بأكمله مساراً مختلفاً، و لسخر المؤرخون بعد ذلك من حلم البلاشفة الغريب!

إن تروتسكي الذي بقي خارج كلا المعسكرين البلشفي و المنشفيّ اعترف أخيراً بخطئه في محاولته توحيد كلا الشقين. فبعودته إلى روسيا في 1917 التحق بالبلاشفة و تم انتخابه في القيادة. و بعد عامين من نجاح الثورة كتب لينين متفكراً : ” عندما استولت البلشفية على السلطة و أنشأت الجمهورية السوفيتية قامت بجذب أفضل العناصر في تيارات الفكر الاشتراكي إلى صفوفها و التي كانت الأقرب من فكرها” . و من غير شك ينطبق ذلك على تروتسكي الذي كرئيس لسوفييت بتروغراد و اللجنة العسكرية الثورية قاد التحضيرات التقنية و العسكرية لثورة اوكتوبر الناجحة. “فلو قُتلنا”، قال لينين سائلا تروتسكي، “أتظن أن بوخارين و سفردلوف سينجحان؟” كان ذلك تساؤل بليغ في ظرف كان فيه مصير الثورة في محل سؤال.

مع بداية الحرب الأهلية التحق الاشتراكيون الثوريون بصف الثورة المضادة و حاولوا اغتيال القادة البلاشفة. ففي الثلاثين من اوكتوبر 1918 تعرض لينين لطلق ناري و أصيب برصاص اشتراكي ثوري يساري. و مع أنه تعافى و عاد إلى العمل فان الجرح كان إلى حد كبير سبباً في وفاته المبكرة بعد خمس سنوات من الحادثة. تم كذلك زرع قنابل لتفجير القطار الأحمر بـ تروتسكي و لكنه نجا بأعجوبة.

إن انتصار ثورة اوكتوبر غيرت الوضع العالمي. فلأول مرة في التاريخ استولت الطبقة العاملة على السلطة و أنشأت حكم البروليتاريا. و كانت المهام التي واجهها لينين و النظام السوفياتي هو تحقيق السلام، و تقوية النظام و نشر الثورة الاشتراكية عالمياً. إلا أن الجمهورية السوفياتية وجدت نفسها أمام أخطار جسيمة . فقد شرعت البورجوازية العالمية على الفور في العمل على تقويض النظام البلشفي عن طريق مساعدة الثورة المضادة و إرسال واحد و عشرون جيشاً إمبريالياً لهذا الغرض. و تحت قيادة تروتسكي تم بناء الجيش الأحمر العظيم من خمسة ملايين فرد لدرء الغزو الأجنبي و دحر الجيوش البيضاء داخلياً؛ جيوش الثورة المضادة.

خلال السنوات الجسيمة 1917 -– 1923 تركز كامل جهد لينين على المسائل الملحة حول الدفاع عن الثورة الروسية و حول الثورة العالمية. و يتخطى عمل لينين في تلك الفترة التلخيص البسيط. فقد شمل السياسة العالمية، الحرب الأهلية، النظام الاقتصادي الجديد، بناء الأممية الشيوعية، و الكفاح ضد البيروقراطية. و ذلك إلى جانب الخطابات و التقارير. كما انه كتب كلاسيكيات ماركسية مثل: جناح الشيوعية اليساري: داء صبياني ، و الثورة البروليتارية و المرتد كاو تسكي.

مع نهاية 1920 , و بدحر الجيش الأبيض بقيادة فرانغل تمت هزيمة الثورة المضادة و القوى المعتدية. كسبت الدولة السوفياتية مهلة كانت تكاليفها باهظة جداً. و منحت هذه المهلة نوعا من “التوازن” بين القوى المتناحرة و كانت تلك فرصة للبلاشفة لإعداد الطبقة العاملة عالمياً لموجة ثورية جديدة. كتب لينين: ” لقد تم بلوغ توازن و لكنه غير مستقر البتة . إنه توازن على كل حال. و أما إن كان سيدوم فإنني لا أظن ذلك. و لا اعتقد أن أحداً يمكن أن يتكهن بذلك. و لهذا علينا أن نكون على درجة عالية من الحذر” .

و للأسف، سبّب التفكك الاقتصادي الناجم عن الحرب العالمية الأولى، وعن الحرب الأهلية، والقضاء على طلائع البروليتاريا الروسية، والصدام الدمويّ مع الفلاحين نتيجة سياسات التجميع القسري، و انحطاط الهيمنة البروليتارية بفعل تشقق تحالف العمال والفلاحين، وفشل الثورة العالمية في أوربا (ألمانيا وإيطاليا). كل ذلك سبب نكوساً داخلياً تميز بنمو سرطان البيروقراطية في صلب الدولة السوفييتية و الحزب الشيوعي الروسي. و مع كل هزيمة و تراجع للجماهير الروسية المنهكة نحّى البيروقراطيون العمال جانباً، و ازدادت سيطرتهم. و كان حتمياً أن تبرز هذه البيروقراطية داخل الحزب البلشفي نفسه و انعكست في شخصية ستالين. و بعد موت لينين أدى هذا النمو الطفيلي من على ظهر دولة العمال إلى تجريد الطبقة العاملة من سلطتها السياسية، وإلى نمو نظام بيروقراطيّ عماليّ استبداديّ (توتاليتاريّ) استمر حتى تفكك الدولة السوفييتية.

منذ نهاية 1922 فلاحقاً كان نضال لينين الأخير ضد ذلك النكوس البيروقراطي. و من سوء الحظ أن إصابة لينين الأولى في ربيع 1922 أدت إلى شلل في ذراعه و ساقه اليمنى. و بعد تعافيه تمكن من العودة إلى العمل في آخر السنة. و في ديسمبر كانت الإصابة الثانية أشد من الأولى. و من على فراش موته كان لينين يعد ضربة ضد البيروقراطية المتفاقمة . كتبت سكريتيرة لينين فوتييفا تقول: “كان فلاديمير ايليتش يُعِدُّ ” قنبلة” لستالين خلال المؤتمر القادم”. وبناء على ذلك شكّل كتلة سرية مع تروتسكي حول المسالة القومية الجورجيّة و مسائل هامة أخرى. و أخيراً، و في وصيته التي كتبها بين الرابع و العشرون و الخامس و العشرون من ديسمبر، مع ملحوظة أرفقها في الرابع من يناير 1923 ، حثَّ لينين على تنحية ستالين كأمين عام للحزب. و بعد شهرين قطع جميع علاقاته الشخصية مع ستالين و نشر مقاله الشهير، اقل و لكن أفضل، و الذي احتوى هجوماً ضارياً على تفقديّة العمال و الفلاحين (رابكرين) برئاسة ستالين. و كتب مصرحاً: “إن لدينا بيروقراطية ليس في المؤسسات السوفياتية فحسب، بل و في الحزب أيضاً.” و في الوقت الذي كان ينتظر فيه رداً من ستالين أصيب لينين للمرة الثالثة و فقد القدرة على الكلام. و رغم استرجاعه لبعض صحته إلاّ أنه توفي من جرّاء نزيف في الدماغ في يناير/كانون الثاني 1924.

قام ستالين بكتم وصية لينين. و تمكن من وراء الكواليس من إحكام قبضته على جهاز الدولة والحزب. و ساعدت وفاة لينين و انعزال الثورة ستالين على تركيز السلطة بين يديه. و كجزء من ذلك طرد المعارضة اليسارية التي كان يقودها تروتسكي. و في منتصف الثلاثينات تحت حكم ستالين ظهر في الاتحاد السوفياتيّ توجه مضاد قائم على حقوق المِلكيّة القومية . و مثلت محاكم التطهير في منتصف الثلاثينات من القرن العشرين علامة من الدم على فصل نظام لينين عن نظام ستالين.

تشير الرسالة التي بعثت بها ناديجدا كروبسكايا زوجة لينين بعد أسبوع من وفاته إلى تروتسكي إلى العلاقة الحميمة بين الرجلين بعد الثورة : ” العزيز ليون دافيدوفيتش:أكتب إليك لأقول أنه قبل حوالي شهر من وفاته توقف لينين وهو بصدد قراءة كتابك عند وصفك لماركس و لينين و طلب مني أن أعيد عليه المقطع و كان يتابع باهتمام بالغ. ثم أعدت عليه القراءة مرات أخرى. و هذا ما أريد قوله: إن العلاقة التي ربطت بينك و بين لينين عندما قدمت إلى لندن من سيبيريا لم تتغير بالنسبة إليه إلى حين مماته. العزيز ليون دافيدوفيتش، أتمنى لك القوة و العافية. أعانقك.” ن. كروبسكايا. “

في أوائل 1926 ذكرت كروبسكايا في حلقة للمعارضة اليسارية: “لو كان لينين حياً لكان من المحتمل أن يكون في السجن الآن”.

كان لينين بدون شك رجلاً سياسياً عظيماً. كان أروع ثوري في القرن العشرين. متشبع ثقة بالانتصار النهائي للطبقة العاملة. كان أيضاً ثورياً و ماركسياً إلى حد النخاع. لم يولد لينين بهذه الخصال، و لكنه كوّن نفسه بالجمع بين العلم و التجربة، بين النظرية و الممارسة. و لم يبلغ سن الثالثة و العشرين حتى كانت ملامح شخصيته و نظرته للحياة و طريقة عمله قد تبلورت . لقد عاش و تنفّس من أجل انتصار الثورة الاشتراكية. و التزم أشد ما يكون الالتزام بإنجاز هذه المهام التاريخية الكبرى وبلوغ الهدف. و من خلال سنوات قضاها في دراسة أسس الفكر الماركسي والممارسة الجادة، أصبح لينين الرجل العظيم و المعلّم الذي نعرفه.

بالمعنى الواسع للكلمة ، و بعد موت ماركس و انجلز كان لينين المدافع عن الماركسية الثورية. و عبر الثقة و عمله الذي لا يكل ، مهّد الطريق أمام أول ثورة اشتراكية ناجحة غيّرت مجرى تاريخ العالم. كتب لينين مؤكدا: “فقط الثورة البروليتارية الاشتراكية بوسعها إخراج الإنسانية من الطريق المسدودة التي خلقتها الامبريالية و الحروب الامبريالية. و مهما كانت المصاعب و التراجعات الممكنة المؤقتة و موجات الثورة المضادة التي قد تعترض الثورة فان الانتصار النهائي للبروليتاريا أكيد”. إن أشخاصاً من أمثال لينين قلّة في الحركة الثورية. و مقالنا هذا لا يدعو كل شخص من أن يكون ماركس أو لينين. علينا أن نكون نحن. و لكنه تحدّ من أجل أن نُغّير أنفسنا و نطور معرفتنا النظرية و السياسية من أجل الدور الذي سنلعبه في المستقبل. و نفخر بسيرنا على خطى الماركسيين العظماء الذين سبقونا. ومِثْلهم، علينا أن نتشبع بفهم مادي للتاريخ و إيمان بمستقبل إنساني من دون طبقات. و اليوم، و في ظرف تتميز بتعمق الأزمة العالمية و عدم الاستقرار، فان المسؤولية ملقاة على عاتق الجيل الحالي من الماركسيين للمضي بهذا النضال إلى الأمام، من أجل فجر جديد للإنسانية، و من أجل انتصار نهائي ، كان لينين قد افتتحه، و لكنه لم يعش طويلاً لإتمامه.

(^)- البوند Bund: هو الاتحاد العام للعمال اليهود في ليتوانيا وبولونيا وروسيا. تأسس في أيلول 1897 في مؤتمر فيلنا، وقام بنشاط كبير، على الأخص بين العمال المهنيين اليهود. وقد انضم البوند إلى حزب العمال الاشتراكي – الديمقراطي الروسي في المؤتمر الأول للحزب عام 1898 ، بوصفه منظمة مستقلة وذاتية فقط في الشؤون المتعلقة بالبروليتاريا اليهودية بالخاصة. ولم يكن للبوند حتى عام 1901 سوى مطلب سياسي خاص وحيد ، ألا وهو المساواة المدنية بالنسبة إلى اليهود . وفي المؤتمر الثاني لحزب العمال الاشتراكي- الديمقراطي الروسي عام 1903 ، غادر البوند الحزب بعدما رفض المؤتمر مطالبه التي تنص على اعتباره الممثل الوحيد للبروليتاريا اليهودية وعلى قبول بناء الحزب على أسس فيدرالية . ومنذ ذلك الحين اتخذ موقفاً يمينياً متطرفاً مؤيد للمناشفة حتى عام 1920 حيث انضم باستثناء قسم منه إلى الحزب الشيوعي الروسي.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في لينين وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s