الديمقراطية … للمرأة أبضا

الديمقراطية … للمرأة أبضا

السفير/ سمير دياب

ترتفع في لبنان جدران طائفية فولاذية تقًطع أوصال الوطن، وتقلص مساحة حرية وحركة المواطن في التواصل مع الآخر من دون خوف، وتحشره بقوة في زاوية الانتماء للرعية الطائفية والمذهبية سياسيا واجتماعيا وحياتيا، من لحظة الولادة حتى لحظة ما بعد الموت. وطائفية تحجب عن المواطن حقوقه الطبيعية، وهي الحقوق القائمة أصلا على الحرية والمساواة بين جميع البشر رجالاً ونساءً.

اعتبر الدستور اللبناني في المادة السابعة منه، أن المرأة مواطن مساوٍ للرجل بالحقوق والواجبات. بيد أن قوانين الأحوال الشخصية، وقانون الجنسية وقانون العقوبات… وسواها، تتعارض في مضمونها مع الدستور، حيث تؤكد أن المرأة مهما كان وضعها الاجتماعي والسياسي، تبقى مواطنة من الدرجة الثانية، ويلحق بحقها تمييز صارخ في قضايا الزواج والطلاق والارث والجنسية وجرائم الشرف… وهي قوانين تنتقص من حقوقها كإنسان، وكمواطنة.

والمواطنة، مفهوم ارتبط بمبادئ الحرية والمساواة، واكتمل معناه مع طرح مفهوم الدولة الديموقراطية الحديثة. وتم تعريف المواطنة على وجوب وجود حقوق وواجبات للمواطن في الإطار السياسي العام الذي ينتمي إليه، أي الدولة.

لكن استناد المواطنة إلى هذه المبادئ العامة، لا يجعل طريقها سالكا ولا بسيطا بفعل تعقيدات النظام السياسي ـ الطائفي اللبناني، منذ لحظة تأسيسه.

تميز لبنان، في علاقة الفرد – المواطن وحقوقه بالدولة،ما أدى الى فقدان اللحمة الوطنية، عبر الحاق الفرد بالعائلة، والعائلة بالعشيرة، والعشيرة بالمذهب، والمذهب بالطائفة، والطائفة بالزعيم السياسي… وهكذا تدور الدائرة على المواطن، بعدما استطاع النظام السياسي سلب حقوقه الطبيعية بحجة الحماية الطائفية، واقام امامه جدراناً عالية من التمييز.

ولان إشكالية «المواطنة» في لبنان معقدة ومركبة تبعا لتركيبة النظام السياسي ـ الطائفي، فإن إشكالية التمييز ضد المرأة متلازمة معها منذ لحظة التأسيس، حيث تضرب بجذورها في تاريخ مجتمعنا اللبناني، وما إعادة تسليط الضوء مجددا على قضية المرأة ما هو إلا للتأكيد على أهمية القضية، بصفتها قضية وطنية كلية، وقضية صراع بين ثقافتين متناقضتين،تنشد الاولى: الحفاظ على الوضع الدوني للمرأة داخل العائلة والمجتمع مستخدمة مسوغات دينية وثقافية تقليدية موروثة، وتنشد الثانية: تعميم ثقافة الشراكة بين المرأة والرجل، والغاء كل أشكال التمييز اللاحق بها، في النصوص القانونية وفي الممارسة. وما يدفعنا للتأكيد على طرح قضية ثقافة الحقوق المتساوية مسألتين: هما مسألة التنمية الاجتماعية كمنهجية شمولية متكاملة الابعاد، ومسألة حقوق الإنسان. كون حقوق المرأة يعني حقوق الإنسان، وبالتالي فإن أية معالجة لمسألة تكريس واحترام حقوق الإنسان في أي مجتمع يجب أن تشتمل بالضرورة على مؤشرات تطال مدى استفادة المرأة من هذه الحقوق.

ولا شك في أن الرابط بين حقوق الإنسان وحقوق المرأة ما زال أمرا مفقودا ومحاربا في لبنان. والصراع القائم والمستمر بين التيارات اليسارية والعلمانية والديموقراطية والمدنية من جهة، وبين السلطة السياسية بأحزابها الطائفية والمدعومة من التيارات الدينية المحافظة من جهة اخرى، ما زال على حاله من التباين والتناقض والِحَدة… فرغم ان مقدمة دستور دولة «الطائف» تكرس مبدأ العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين من دون تمييز، ورغم وضوح النصوص الدستورية وصراحة المادة السابعة من الدستور، فإن الطبقة السياسية ما زالت تقطع الطريق على تطبيقاتها، وتحاصر حق مشاركة المرأة في الحياة المدنية والسياسية، وأكثر من ذلك تمنع معالجة كل أشكال التمييز اللاحق بها في التشريعات القانونية وفي التطبيق.

ووفقا لهذه الثوابت، فقد حدد الميثاق الوطني لعام 1943 حصة تشريعية و قانونية محددة لكل طائفة في لبنان للتمثيل السياسي والإداري، وفي مختلف المؤسسات العامة. وجاء اتفاق الطائف في العام 1989 ليكرس الطائفية دستورا، معتمدا المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، ومستندا الى ذات القواعد الطائفية الثابتة. ومكرسا بقوة الاستقلالية الذاتية للطوائف في بعض الميادين التي عًبرت عنها خير تعبير كل من المادتين 9 و 10 من الدستور اللتين أقرتا بحق العائلات الروحية اللبنانية على اختلافها بممارسة شعائرها الدينية بكل حرية وكذلك بإنشاء مدارسها وبحًرية التعليم فيها وبتطبيق تشريعات الأحوال الشخصية الخاصة بكل منها على أبناء الطائفة…

وعليه يمكن القول إن الدولة اللبنانية تخلت عن سيادتها الوطنية العامة، وأرتضت أن تكون واقعة تحت سيطرة سيادة الطوائف الخاصة.

إن علة النظام السياسي اللبناني هي الطائفية. ولا يمكن ولوج طريق الانقاذ الوطني إلا من خلال إصلاحات ديموقراطية جذرية. وإذا كان قانون الإنتخاب الديموقراطي على أساس لبنان دائرة إنتخابية واحدة قائمة على النسبية وخارج القيد الطائفي يشكل باب الإصلاح السياسي، فإن إصلاح قوانين الاحوال الشخصية يشكل مفتاح المواطنة والمشاركة الديموقراطية الحقيقية، نحو الدولة المدنية، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال استئصال الورم الطائفي، تتمثل أولا في رفع التحفظات عن مواد إتفاقية سيداو، ثم دراسة وإقرار قانون مدني موحد للاحوال الشخصية كحاجة موضوعية وطنية ضرورية ينظم شؤون المواطنين وفق قواعد قانونية مدنية توفر العدالة والمساواة من دون تمييز بين الجنسين.

جريدة السفير / 23 نيسان 2011

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر وكلماته الدلالية , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s