هل الثورات العربية هى ثورات الطبقة الوسطى ؟

هل الثورات العربية هى ثورات الطبقة الوسطى ؟

عماد مسعد محمد السبع

2011 / 4 / 23

ثمة أجماع بين الراصدين لمعطيات الحركات الشعبية الإحتجاجية فى واقعنا على أن الفئات الشابة من ” الطبقة الوسطى العربية ” هى التى تتصدر مشهد الفعل الثورى القائم والمحتدم.

فمن رحم التردد وثقافة الخوف والحفاظ على الإستقرارالتى تتصف بها ( الطبقة الوسطى ) خرج جيل جديد من بين شرائحها يرفع شعارات الحرية والديموقراطية والمساواة ويرومالتغيير السياسى ويتصدى بشجاعة لأنظمة الحكم واجهزتهاالأمنية .

اذا كانت القاعدة أن كل نمط أنتاجى يحدد خصائص البنية الطبقية – فأن حراك هذه الفئات الوسطى وتأثيرها الملحوظ على مسرح الحدث السياسى والإجتماعى العربى يعد دالة – يعتمد على – فى نمط الإنتاج المهيمن بهذه المرحلة التاريخية .

ولذلك يمكن القول – وفق طبيعة نمط الإنتاج المهيمن ونوعية البناء السياسى داخل التكوينات الإجتماعية العربية – بأن القاسم الأكبر من هذه المواقع الثائرة تنتمى أجرائيآ للقسم الأحدث من هذه الطبقة الوسطى بشقيها : ( المتبلور) فى القطاع المهنى التقليدى و( البازغ ) ممثلآ فى الفئات التى أفرزتها العولمة الرأسمالية وخلقت معها شرائح متعدية للجنسية تنشط فى مجال الإستثمار والبرمجيات والإقتصاد الرمزى والفضاء السيبرى .

هذه الشرائح الأخيرة تعد نتاجآ لعملية التحول التى أصابت البنية الإقتصادية والمعرفية فى مجتمعاتنا العربية – التابعة للمركز الراسمالى – ولارتباط هذه الجماعات بجهاز الأثمان السعرى وتكنولوجيا المعلومات والقيم السوقية والرمزية الجديدة .

ولذلك فأن موقعها ووعيها الطبقى لا يتحدد وفق عملية الإنتاج المادى التقليدى للطبقة – و أنما وفق تواجدها الفعلى المحاكى virtual class – ومن ثمة تبدوهذه الفئة أكثر تناغمآ وأتساقآ مع العولمة فى جانبها السياسى والإجتماعى , وحيث تمتاز بالطابع البرجماتى والإيمان بالحلول المباشرة وعدم أعتدادها بالتناقضات النظرية والإيديولوجية .

فقد أتاحت لها مكانتها الإقتصادية والإجتماعية تلقى قدرعال من التعليم وأستيعاب ثقافة الغرب وبمعزل عن عقدة النقص من خلال الفضاء السيبرى ووسائط الإتصال الحديث , وهوالأمرالذى فتح الطريق أمامها لإدراك موقعها بين التيارالحقوقى والديموقراطى العالمى , ومن ثمة خلق ثقافة مضادة ومعارضة ما هو سائد فى واقعها سياسيآ وأجتماعيآ .

التساؤل الذى يفرض نفسه هنا : هل يتعين أن نراهن على هذه الفئة الوسطى لإنجازعملية التغييرالسياسى والديموقراطى والعدالى المنشود فى واقعنا العربى , وأن تسلم لها الكتل الإجتماعية زمام قيادة هذا التحول التاريخى حتى نهاية الطريق ؟ .

واقع الأمر أن ثمة أتساق نسبى لأنماط الوجود الطبقى الذى يسم هذه الشريحة الوسطى الشابة فى واقعنا بغيرها من الشرائح الشبيهة ذات الإمتداد الكوكبى أذ تتبنى قيمآ أقتصادية ذات نزوع رأسمالى واضح فيما يتصل بالعمل وسوقه ومتطلباته .

ذلك أن هناك كم و نوع من الإستفادة من النظام الرأسمالى طالها وفق مواقعها داخل بنية طبقة متعدية الجنسية فرضت هيمنتها ووعيها بشأن قدرة العولمة ” الرأسمالية ” على أنجاز مشروع الرفاهة والتنمية والعدالة الإجتماعية والإقتصادية .

ورغم توافر هذا ” الوعى الزائف ” فقد كان اللافت أن تلك الفئة وضعت على رأس مطالبها الإحتجاجية ( العدالة الإجتماعية ) – وهو مطلب يسارى بالتأكيد – كما أنها تحركت بثورتها ضد سياسات يمينية وأستبدادية فى كل من تونس ومصر .

فالثابت أن واقع الفقر والفساد والتفاوت الإجتماعى كان نتاجآ لسياسات الخصخصة وللإلتزام بتوجيهات مؤسسات التمويل الدولى بشأن تحرير الإقتصاد وفتح السوق وتصفية القطاع العام .

ومن هنا يمكن القول بأن ” الوعى الطبقى ” لهذه الفئة كان عنصرآ محمولآ اليها من الخارج وإلى حيث نضالها وحركتها الإجتماعية .

فهؤلاء الشباب من الفئات الوسطى لو تركوا بمفردهم ما كان بأمكانهم الإ الوصول إلى ” وعى أصلاحى ” أى وعى بمجرد تحسين موقعهم الطبقى وتحقيق مكاسب أقتصادية مباشرة فى حين أن ما قاموا به يتجاوز تجربتهم الخاصة وشرطهم الإجتماعى .

واقع الأمر أن هناك ” تجربة سياسية خاصة للجماهير ولكتلتها الحرجة ” مثلت روافع أساسية لتثوير وعى تلك الفئة ودفعت بها نحو تجاوز موقف ” الحياد ” مع النظام السياسى خياراته الإجتماعية .

ولذلك من العبث القول بأن أنتفاضة الشغيلة فى ” الحوض المنجمى ” بتونس لم تكن وقودآ لشباب العاصمة التونسية , أوأن احتجاجات وأعتصامات عمال مصانع المحلة الكبرى لم تكن حافزآ لشباب ميدان التحرير فى قلب القاهرة .

ثمة عوامل ساعدت ولا شك ساهمت فى توفير البيئة المناسبة لتطوير الوعى السياسى و الثقافى لهذه الفئة الوسطى التى أضطلعت بالفعل الإحتجاجى , ولكن هناك قناعة بأن التحول النوعى فى مسار الثورتين التونسية والمصرية كان الإنحياز الأخير لأتحاد الشغل إلى جانب ثوارتونس , وأنخراط عمال المصانع فى مشهد الثورة المصرية منذ الخامس من فبراير .

ومن هنا يمكن القول بأن جذورالإنتفاضات العربية المطروحة تظل ” يسارية ” بحكم مطالبها الطبقية الأساسية وموقعها من السطوات الداخلية والخارجية – حتى وأن تصدرتها وكانت فى طليعتها ( فئات وسطى مدينية شابة وواعدة ) .

كما أنه لن يكتب لهذه الثورات الإستمرار والنجاح فى تحقيق أهدافها السياسية والعدالية ومواصلة مسيرتها إلإ بالإرتباط باجندة التغييراليسارى وهجرة مواقع اليمين التى تتخندق فى النهاية حول الإبقاء على الأمر الواقع والإلتفاف عليه والتمسك به بصيغ وأساليب مختلفة.

والواقع أن الجماهيرالعربية أرهقتها الحلول ( الإنتقائية والتلفيقية والمرحلية ) لفئاتها الوسطى التى استسلمت وهادنت أنظمة الإستبداد العربى على مدارعقود طويلة , وحانت الفرصةلأن تنتفض أحد شرائحها البازغة وتخرج عن هذا السياق وترد اليها أعتبارها المهدر.

فهل ستكون تلك الفئة أسيرة للتردد و التراجع بحكم قيم ( الطبقة الوسطى ) التى تنحدر منها وموقعها فى التقسيم الإجتماعى وتجربتها التاريخية ؟ أم ستنحاز إلى مطالب السواد الأعظم من العمال والكادحين والفقراء العرب أصحاب المصلحة الأكيدة فى عملية التحول التاريخى ؟ .

هذا هو الإختبارالحقيقى لهذه الفئة التى ستظل حارسة على أنتفاضتها , وهو أيضآ سؤال المستقبل الذى ستحدد أجابته معضلة ما أذا كنا بصدد ثورات عربية حقيقة أم لا .

عماد مسعد محمد السبع .

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر, الماركسية وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s