خطوة لفهم آليات عمل النظام الطائفي

خطوة لفهم آليات عمل النظام الطائفي

الكاتب أيمن فاضل

http://majalla.jammoul.net/index.php?option=com_content&view=article&id=97:2011-04-23-20-15-14&catid=48:2011-04-23-13-02-44&Itemid=41

يُجمع العلمانيون في لبنان على كرههم للنظام الطائفي القائم، لكن فعلياً لا يمكن معرفة مكامن الخلل في هذا النظام وطرق محاربته إلا من خلال معرفة آليات عمله، وهو ما سأحاول شرح نظرتي حوله، ثم الإنطلاق إلى الطريقة التي أراها أمثل لإضعافه تمهيداً للقضاء عليه.

يتحايل الفساد في جميع دول العالم على القانون من خلال آليات معقّدة ومخفية بطريقة مذهلة، هذا التعقيد ليس موجوداً في لبنان، لأن آليات الفساد مكشوفة وبالتالي المنظومة التي ترعى إنتاج الفساد وتوزيعه بنيوية وهي جزء من النظام السياسي، فما هو السر الذي يسمح لهذا النظام بالإستمرار كل هذه العقود وينتج بشكلٍ متواتر أسباب إضافية لبقائه؟.

النظام اللبناني فعلياً فريد من ناحية اتكاله على الفساد المقونن، وهو يشبه في هذه الناحية ما تقوم به الولايات المتحدة لكن بإسلوب أكثر انتشاراً، فالنموذج الفساد الأميركي يسمح بأشكال من الرشى الإنتخابية. وعمل للوبيات مالية ونفطية ولوبيات تجّار الأدوية في أروقة البيت الأبيض… ضمن إطار القانون، إضافة إلى قانون تعيين الوزراء والمستشارين والسفراء وما يصطلح على تسميته بقانون الغنائم (ففعلياً هذه المقاعد تعتبر غنائم للحاشية القريبة من الرئيس، وهي تشبه إلى حدٍ بعيد المحاصصة الطائفية القائمة على مبدأ 6 و6 مكرر في وظائف الفئة الأولى)!.

ويتقاطع نمط العمل في كلا النظامين عند نقطة أساسية هي في القوة التي تتوفر في شكل هذا النظام نتيجة هذه المنظومة المرنة والذكية، لكن مع اختلاف بسيط في أن النظام الأميركي يقوم على مبدأ قمع الفساد خارج إطار القوانين، إضافة إلى قمع للفساد الطبقي (لا يسمح للفساد بأن يكون للفقراء الذين تفرض عليهم قوانين صارمة بهذا الخصوص)، فهؤلاء الغانمين (الموظفين) لا يستطيعون أن يعمموا فسادهم على الطبقة التابعة لهم، وبالتالي يحافظ النظام الأميركي على منظومته الفاسدة بشكلٍ حاد ويركزها في إطار أزقة الدولة، بمعنى آخر يمكن اعتبار الفساد الأميركي المقونن (فساد مركزي)، في وقت يعيش لبنان حالة من الإنفلاش في الفساد (فساد لامركزي متعدد الرؤوس)، يبدأ مع الإقطاعي المناطقي، ولا ينتهي عنده، حيث يستطيع الحصول على حصة من الفساد داخل الدولة للتابعين له، وهؤلاء التابعين يستطيعون إفادة تابعين آخرين ضمن سلسلة طويلة لكن متشعبة، فكل إقطاعي مناطقي يقوم بهذه الآلية والتابعين يقومون بالآلية ذاتها ما يوجد شبكة عنكبوتية ضخمة (أفقية، على مستوى واحد)، وكل شكل عنكبوتي من هذه الشبكة يوجد شكل أخطبوطي (عامودي، ينطلق من طبقة إلى طبقة أدنى) ملتصق به يمهد لشبكة عنكبوتية أدنى لها تفرعاتها الأخطبوطية وهلم جراً.

ففي لبنان يتربع إقطاعي مناطقي يعتبر أن الأرض ومن يقيم عليها ملكه حتى ولو كانت مسجلة في السجل العقاري بأسماء مختلفة، ويتصرف مع إدارة العلاقات الإجتماعية باعتباره هو المالك، لذلك نلاحظ انتقال الإرث السياسي المناطقي كظاهرة طبيعية في لبنان في وقت تعتبر جزء من مرحلة الإقطاعية التي مرّت على الكثير من دول العالم، وبالتالي زال الإرث السياسي في تلك الدول مع زوال أسبابه. غالباً لا نتعامل مع هذه المواضيع باعتبارها مسائل يجب التصدي لها، بل يتعايش اللبناني معها ويقبلها بكل بساطة كأنها الوضع الطبيعي الذي يجب أن يكون.

كان من المنطقي أن ينهار هذا النظام، وعند ملاحظة التاريخ اللبناني يوجد مراحل تاريخية كان يمكن خلالها تغيير النظام، كصيرورة طبيعية، فمنطقياً مع زوال السلطنة العثمانية وتطور تركيا إلى دولة علمانية وخضوع لبنان لاحتلال فرنسا (العلمانية) كان منطقياً أن ينتقل لبنان إلى مرحلة (علمانية).

لكن في الواقع استغل الإنتداب الفرنسي النظام الذي كان قائماً في زمن السلطنة وطوّر بعض آلياته لحاجات تتعلق بمصالحه وغيّر موازين التوزيع لصالح المسيحيين. وعندما مر لبنان بمرحلة الإستقلال اختار الإقطاعيين المناطقيين إعادة إنتاج النظام ذاته لأنه يحفظ مصالحهم الطبقية بدل الذهاب إلى دولة ذات طابع علماني.

في وقت كانت الدول التي نشأت حول لبنان تخرج من الشكل المماثل للنظام اللبناني وتذهب صوب بناء مؤسسات دولة، كان لبنان يستكمل سياقه الطائفي ويستفيد من أحداث اقتصادية حوله (كازدهار المرافئ اللبنانية نتيجة مقاطعة مرفأ حيفا بسبب الإحتلال الإسرائيلي) لتبرير هذا النظام والقول أنه الأكثر ملائمة اقتصادياً للبنان، وذلك بسبب محافظته على آلية تركيب الثروة لدى نفس المستفيدين أيام السلطنة، اختار لبنان آلية مازال يتوارثها تقوم على قدر قليل من الدولة ترعى قدر عالي من الليبرالية الإقتصادية، ما أوجد مناخات تسمح بوجود ازدهار وهمي متركز في يد قلة من الإقطاعيين الطائفيين يقومون بمهمات توزيعية غير عادلة بشكلٍ بديل عن الدولة المفقودة.

ولكن فعلياً الآلية الإقتصادية في ذلك الوقت (الخمسينيات من القرن الماضي) كانت تقوم على زيادة كبيرة في تركز الثروة في أيدي قلِّة، ما يعني المزيد من التفاوتات الإجتماعية التي بدات بتغذية الصدامات الأفقية والعامودية في آن، لذلك نشأت بعد هذه المرحلة التجربة الشهابية التي حاولت رفع منسوب الدولة في محاولة للحفاظ على النظام لضبط الصراعات الأفقية والعامودية، فتم بناء مجموعة كبيرة من المؤسسات التابعة للدولة، وما هو موجود اليوم من الدولة اللبنانية هو ما بنته التجربة الشهابية (التفتيش المركزي، الضمان الإجتماعي، مصرف لبنان، المجلس التأديبي…).

لكن اصطدم الإقطاعيون المناطقيون بمشكلة جديدة تتعلق بالتضارب بين هذا القدر من الدولة ومصالحهم، فشاهدنا نوع من التحالف بين هؤلاء الحكام ضد ما أنجزه شهاب، ووصلنا إلى تعميق للصراعات الأفقية تفجّرت بالحرب التي بدأت في العام 1975.

كان يفترض على اللبنانيين أن يخرجوا من الحرب الطائفية لبناء نظام علماني أو مدني نتيجة الخسائر التي ترتبت كنتيجة للنظام القائم، لكن عاد اللبنانيون في اتفاق الطائف بدل الخروج نهائياً من هذا النظام عملوا على ترسيخه، وأصبحت المحاصصة بين الإقطاعيين المناطقيين أكثر وضوحاً وعلانية.

يفتخر اللبنانيون بنمط إنتاجهم، وبالهجرة اللبنانية، لكن بشكلٍ أكثر وضوحاً يعتبر هذا النمط الريعي معمِّق للشكل الحالي من النظام، وهو يغذيه بحاجته من السيولة للإستهلاك، ففعلياً (كما يعرف الجميع) الإقتصاد اللبناني قائم على ثنائية مرعبة بين البنوك الحاكمة (بنكوقراط يديرها إقطاعيين مناطقيين أو موظفين لديهم) وقطاع سياحي قائم على تحاصص بين هؤلاء الإقطاعيين وزبانيتهم (يستغلون غياب الدولة ويبنون منتجعات على طول الساحل اللبناني بطريقة متحاصصة خارجة على القانون بشكلٍ سافر) في وقت همِّشت القطاعات التي لم تعن شيئاً لهؤلاء الإقطاعيين الذين يبحثون عن الربح المالي السريع كبديلٍ عن الشكل الإنتاجي الزراعي والصناعي الذي يؤمن تنمية أكثر عدالة على الصعيدين المناطقي والطبقي، لذلك نشاهد عدد كبير من المشاريع الصناعية الخاصة والصغيرة والصناعات الحرفية التي يعمل فيها اللبنانيون، أما الصناعات الكبيرة فتعتبر شبه غائبة، في وقت يدير أكثرها ربحية أحد الإقطاعيين المناطقيين (على سبيل المثال معمل سبلين للترابة الذي يمتلكه وليد جنبلاط).

بعد الحرب دخل مجموعة من الإقطاعيين المحليين إلى الملعب الإقطاعي، فهؤلاء لم يرثوا زعامات عائلية، بل أتى الرضى عنهم نتيجة ولائهم للمدراء الدوليين لهذه الطوائف، وكان تعيين الحريري كبديل عن العائلات الإقطاعية السنية المعروفة، حيث سبق توليه رئاسة الحكومة إنشاء شركة سوليدير، ما يعني أن رفيق الحريري استطاع اكتساب حصة ضمن النظام التحاصصي بين الطوائف، أي صادف قبول مجموعة إقطاعيين آخرين مع قبول المدراء الدوليين لهؤلاء الإقطاعيين.

عملياً هذه المرحلة بدأت في العام 1992 (دخول إقطاعيين جدد) وفي العام نفسه انهارت الليرة بشكلٍ تام، يأتي هذا الإنهيار كانهيار لآخر رمز لوجود الدولة، وبالتالي بدا واضحاً آنذاك أن خيار الإقطاعيين المحليين الإمعان في إضعاف الدولة للإستمرار في تركيز الثروة بأيديهم، فمن خسر فعلياً هم الذين يمتلكون ثروة نسبية داخل الطوائف، فخسروا مدخراتهم وقوتهم الشرائية، ومن كسب هم المالكين لأنواع أخرى من المدخرات والنقد.

أفضل طريقة لمكافحة الطوائف، هو زيادة منسوب الدولة، وكلما ازداد منسوب الدولة وسيطرتها، كلما ضعفت هذه الإقطاعيات المحلية، ولكن رفع منسوب الدولة يحتاج إلى تراكم كمي (من الطائفيين أنفسهم) يؤدي إلى تغيّر نوعي يقوده فكرياً اليسار بمختلف أطيافه، وما لم يتحقق هذا التراكم الكمي (خصوصاً أن الطائفية تحمل جذور تأقلم مع أي تغيّر مرحلي لا يؤدي بشكلٍ من الأشكال إلى رفع حجم الدولة) لن يتحقق التغيير النوعي، والتراكم الكمي يأخذ شكل إضافة إلى رصيد الدولة من خلال مشاريع بعض الزعماء (والتي يهدفون من خلالها التضييق على خصومهم تحت سقف القانون) وبالتالي يقومون بتحسين خدمات الدولة، وتحسين آليات سير عملها، وهم يظنون أن سياساتهم تهدف إلى إرهاق خصومهم الطائفيين (داخل الطائفة ذاتها او الطائفة المنافسة على الأغلب) ويكون هؤلاء غير حاصلين في المبدأ على حصة من الفساد (التيار الوطني الحر يفتح بشكلٍ دائم ملفات الفساد المتعلقة بالأملاك البحرية وقطاع الإتصالات) وبالتالي يقومون بكشف والتضييق على فساد الآخرين لرفع رصيدهم الشعبي، لكن فعلياً هذا الإرتفاع لن يكون إلا ضمن الطائفة) والمستفيد من هذا الصراع الدولة.

وهناك شكل آخر من الإستفادة تستطيع أن تراكمه الدولة، فأقل مشروع عابر للطوائف (مشروع سكة الحديد من الشمال للجنوب قد يكون مسماراً في نعش هذا النظام، لكن يقام بأيادي هذا النظام، وتستفيد منه الإقطاعيات الطائفية عبر هدرها وفسادها وتلزيمها لنفسها) وبالتالي سرعان ما سنجد مع تراكم هذه الصراعات ودفعها باتجاه القيام بتحسينات على أداء الدولة تغييراً في شكل العلاقات الإقتصادية، يخرج رويداً رويداً اللبنانيين من التبعية الإقتصادية والإجتماعية للإقطاعيين المناطقيين، وبالتالي يصبح الإرتباط عامودي ما بين المواطن والدولة (في الشكل الإقتصادي) وهو ما يقوي في مرحلة لاحقة الصراع القائم على اساس طبقي وليس طائفي، ويجعل من سلطة هؤلاء الإقطاعيين غير مرتكزة إلى أساسٍ مادي، وبالتالي تستطيع طبقة واعية ومتبلورة فكرياً كيل الضربة الأخيرة لهذا النظام العفن، وذلك بسبب مراكمتها الدائمة في نطاق وعي اللبنانيين لمفاهيم مغايرة للمفاهيم المطروحة (بما أن المسألة خرجت من سياق التبعية الإقتصادية وأصبحت في سياق التبعية الفكرية) وهي مسألة يجب أن يتولاها اليسار بكافة أطيافه الفكرية، ويؤسس من بعدها دولة على أساس علماني مدني.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s