من الحراك العربي إلى سوريا: الحوار الوطني هو الحل

من الحراك العربي إلى سوريا: الحوار الوطني هو الحل

د.خالد حدادة

بعد أشهر من بدء الحراك الشعبي العربي والتغيير الكبير الذي حصل في عدة بلدان عربية، بدا بعض المحللين وكثير من الأحزاب والقوى وكأنهم يمشون بحقل من «البلان»… بلانة تأخذهم يميناً وأخرى شمالاً وهم مع كل بلانة «ينزفون» أفكاراً تصدم بتناقضها…

وللأسف من ضمن هؤلاء كثير من محللي اليسار العربي، الذين يقفزون بسرعة «وخزة شوك البلان» من أولوية الى أخرى في أحكامهم على هذا الحراك الشعبي، فمن أولوية مطلقة مقدسة هي أولوية «المقاومة» والموقف القومي والوطني الى أولوية مقدسة أخرى هي القضية الاجتماعية وانتقال انقلابي آخر هو أولوية «مواجهة الاستبداد»، والغريب انه في كل مرة يصدمنا هؤلاء بانتقائية ليس فيها من رائحة «اليسار» إلاّّّّّّّّ كلمة التغيير ومليئة بنكهة «براغماتية» مشوهة ووليدة هي من تأثيرات مستجدة على فكر وأداء هؤلاء المحللين..

ولنقاش اكثر موضوعية، لنعد الى البدايات..

مع بدء الانتفاضة الشبابية والشعبية في تونس وبشكل خاص مع انتفاضة شباب وشعب مصر، كان واضحاً أن محرك الانتفاضة (وليس نقطة انطلاقها) هو تراكم وتكامل بين القضايا الوطنية، السياسية والاجتماعية في طبيعة النظام الرسمي العربي الذي أدت سياساته في تلازم طبيعي وموضوعي الى الخيانة الوطنية وفي أحسن الأحوال الى العجز عن تنظيم مواجهة مع مخططات الولايات المتحدة وحلفائها وبشكل خاص اسرائيل. تواطؤ وعجز اديا الى سيادة نهج الاستسلام واتفاقياته في العالم العربي.. خيانة وتواطؤ متلازمان مع التبعية للنيوليبرالية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي أديا الى الفساد والهدر والدين ورهن البلد للخارج على المستوى الاقتصادي، وتقليص الخدمات الاجتماعية الى حدها الأدنى، ونشر الجوع والفقر، ومن جهة أخرى متلازمان مع ممارسة قمعية في الداخل مهمتها تأبيد هذه الأنظمة وإخضاع الشعب الى قمع يطال حياته اليومية وحرياته الشخصية ويطال بشكل خاص الديمقراطية بكل أشكالها…

وإذ نشدد على التلازم والتكامل في هذه القضايا، فإنما لتأكيد وجودها كاملة حتى ولو كان ظاهراً فيها بحكم البلد أو الوقت جانب من جوانبها.. فالجانبان الآخران حكماً ليسا في مجال النظر المباشر، ولكنهما في موقع الفعل مما يحفظ الأهمية لأي جانب فيها وينفي صفة القدسية والأولية المطلقة عن أحدها منفصلاً…

لقد أثبتت «ثورة» تونس ومصر هذا التلازم وحرص الشعبين على إقامة حكم وطني ديمقراطي يعيد الدولتين وخاصة مصر الى قلب قضايا العرب على المستوى الوطني ومستوى قضية فلسطين بشكل خاص، وعلى المستوى الاقتصادي الاجتماعي وكذلك على مستوى الحياة الديمقراطية والحريات…

ولأنها كذلك، تأكدت حقيقتهما المستقلة والمتناقضة مع أوجه المشاريع الغربية في المنطقة وبشكل أكثر أهمية عن مشروع الشرق الأوسط الجديد بوجهيه الأميركي والأوروبي..

إن المشاريع الاميركية والأوروبية، هي مشاريع قائمة على إلغاء منطق استعادة حقوق الشعب الفلسطيني، تحت شعار قدسية «السلام» واتفاقياته، وكذلك تأبيد التبعية للاقتصاد النيوليبيرالي وبشكل خاص اعتبار السيطرة على الثروة العربية تحديداً النفط وكأنه حق للولايات المتحدة وأوروبا.. وأخيراً وليس الأهم وليس الهام حتى، تقديم الديمقراطية وكأنها سلعة خارجية يجري بيعها مقابل الجانبين الأولين: السيطرة على النفط وأولوية أمن «اسرائيل» وتفوقها.. وإلاّ فليتبرع أحد ويجيبنا عن الاحتضان المستمر لأنظمة الاستبداد في الخليج العربي، بل ولتحالف هذه الأنظمة مع مفاعيل المشروع الأميركي الأوروبي…

[[[

من أجل ذلك كله كان طبيعياً موقفنا وموقف التقدميين والديمقراطيين العرب في دعم وتأييد الحركات الشعبية العربية كلها. واعتبارنا أن هذا المد لن يستثني أية دولة، وأي نظام عربي على اختلاف تلاوين وخصائص هذه الأنظمة والدول. وبجانب آخر توقعنا أن تستفز هذه التحركات وتستنفر «الثورات المضادة» بأشكالها المختلفة الناعم منها، كما يجري في مصر وتونس والعنيف كما يجري في تدخلات ليبيا واليمن وسوريا وقبلها جميعاً في البحرين…

إن طعم التجربة العراقية هو المثال الذي تحاول الولايات المتحدة الأميركية اثباته وتعميمه على العالم العربي… تحالف الأمر الواقع مع أنظمة الحكم القمعية وتحويل التحركات بالاستفادة من التنوع القبلي والطائفي والعرقي الى مشاريع حروب اهلية تبرر جميعاً، التدخل الخارجي العسكري والسياسي والاقتصادي، وصولاً الى ضمان حالة التفتيت والتقسيم بما يضمن الهيمنتين الرئيسيتين: السيطرة على النفط وأمن وتفوق الكيان الصهيوني..

وإلا لماذا لا ينطبق شرط الاصلاح الديمقراطي على البحرين وعلى دول الخليج جميعها. ولماذا لا يشتمل حق الشعوب على حق الشعب الفلسطيني بدولته المستقلة وحق العودة وكذلك حق الشعب السوري باستعادة الجولان إضافة الى حقه بالحرية والديمقراطية… وطبيعي أن تلجأ الولايات المتحدة في هذا الاطار الى كل أدواتها الممكنة، من مجلس الأمن الدولي الى تخفيف شروط تعاونها مع القوى الاسلامية سواء «المعتدلة» منها أو حتى تلك السلفية إذا تبرعت لخدمة هذا المشروع.

وطبيعي ايضاً أن تستفيد الولايات المتحدة وحلفاؤها من طبيعة الأنظمة العربية القمعية التي تستخدم القوة بأبشع اشكالها ضد شعوبها وتستسهل تقديم التنازلات للخارج غير عابئة بكلفة هذه التنازلات، التي تفوق بعشرات المرات كلفة التنازل لشعوبها ولحقوق هذه الشعوب بالحرية والديمقراطية والأمان الاقتصادي والاجتماعي..

[[[

في ضوء هذه المقاربة، نظرنا الى احداث سوريا خاصة وأنها الأحداث الأكثر تداخلاً وتأثيراً وتفاعلاً مع الوضع اللبناني سابقاً والآن وفي المستقبل…

منذ البداية وفي كل الأطر الممكنة، في سوريا وفي لبنان، أعلنا انحيازنا الى حقوق الشعب السوري… حقه بالتحرك من أجل الحرية والديمقراطية وحقه بالتحرك من أجل محاربة الفساد المكرس بحكم تحالف قوى القمع مع قوى التبعية للنيوليبيرالية، وبشكل خاص حقه في تأمين مشاركته بالقرار السياسي على المستويات الداخلية والوطنية وصولاً الى حقه باطلاق مقاومته من أجل تحرير أرضه المحتلة…

وعلى هذا الأساس دعمنا وندعم المطالب الاصلاحية للشعب السوري وللمعارضة الوطنية الديمقراطية في سوريا، تلك المطالب التي تعهد بها وأقرها الرئيس الأسد في خطابه الأخير بدءاً من الغاء قانون الطوارئ وصولاً الى قانون الأحزاب والاعلام وقانون جديد للانتخابات وكذلك القرارات التي تلجم الفساد وفلتان مصادرة المال العام وحقوق الفقراء…

واعتبرنا طبيعياً ان يجري تحالف، غير معلن، من قبل المستفيدين من الفساد والحالة السابقة داخل النظام مع مخططات الخارج الهادفة الى تفتيت سوريا وجعلها عاجزة عن ممارسة دورها في دعم الشعب الفلسطيني واللبناني وقضاياه…

إن التدخل الأميركي وتباكي التماسيح الغربية «والعربية» وغيرها على حقوق الشعب السوري، بكاء مكشوف ينتهي مفعوله إذا نجح هذا الضغط في حمل سوريا، بنظامها الحالي أو بغيره، على الانخراط بالمشروع الأميركي وعملية السلام الأميركية في المنطقة وإلاّّّّّّّ فما هو موقع «الجولان» في بكاء التماسيح..

على قاعدة هذه الرؤية، نتوجه الى الشعب السوري، الى الدولة السورية والى المعارضة الوطنية الديمقراطية فيها، بالقول أن مسؤولية الوضع عندكم ليست هما سورياً فقط، هو هم عربي ولبناني بشكل خاص، ونتوجه لهم بالمصارحة بأن الحل الأمني المتبع حالياً من جهة، ومحاولة الاستقواء بالخارج من جهة أخرى، خياران مدمران لسوريا الوطن والشعب والدولة وأيضاً للحقوق العربية في فلسطين وفي لبنان..

وعلى قاعدة هذا الحق نجدد دعمنا وتأييدنا لدعوات الحوار الوطني المرتكز على إعلان الاصلاحات واستكمالها وعلى مواجهة التدخلات الخارجية… حوار وطني تشارك فيه كل القوى السياسية والنقابية وهيئات المجتمع المدني والنساء والشباب في الدولة وفي المعارضة الديمقراطية المستقلة… بمثل هذا الحوار فقط تستطيع سوريا تجاوز حقل الألغام المتشابك داخلياً وخارجياً..

بالتزامن مع جريدة السفير 28 نيسان 2011

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر, الحزب الشيوعي اللبناني وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s