تأملات الرفيق فيدل :حرب حلف “الناتو” الحتمية

حرب حلف -الناتو- الحتمية

فيدل كاسترو

2011 / 5 / 18

تأملات الرفيق فيدل

حرب حلف “الناتو” الحتمية

على خلاف ما يحدث لمصر وتونس، تحتل ليبيا المكان الأول في أفريقيا من حيث التنمية البشرية، وفيها أعلى معدل لأمل الحياة في القارة. يلقى التعليم والصحة عناية خاصة من الدولة. والمستوى الثقافي لمواطنيها هو أعلى بدون شك. مشكلاتها هي من نوع آخر. لا يفتقد سكانها للغذاء والخدمات الاجتماعية الأساسية. والبلاد بحاجة لقوة عمل أجنبية كبيرة من أجل تنفيذ مشاريع واسعة للإنتاج والتنمية الاجتماعية.

ولهذا، فإنها وفرت فرص عمل لمئات الآلاف من العمال المصريين والتونسيين والصينيين ومن جنسيات أخرى. لديها دخول هائلة وكذلك احتياطات من العملة الصعبة المودعة في بنوك البلدان الغنية، وهي أموال تستخدمها في شراء المواد الاستهلاكية، بل وحتى الأسلحة المتطورة، التي تزودها بها ذات البلدان التي تريد اليوم غزوها باسم حقوق الإنسان.

حملة الافتراء الهائلة التي شنتها وسائل الإعلام تسببت بتضليل كبير للرأي العام العالمي. سيمر وقت طويل قبل أن يتم التمكن من معرفة ما حدث في ليبيا بالفعل، وتمييز وقائع الأحداث عن الزائف مما نشرته وسائل الإعلام.

بعض المحطات التلفزيونية الجادة وذات المكانة المرموقة، مثل محطة “تيلي-سور”، وجدت نفسها مضطرة لإرسال مراسلين ومصورين لتغطية نشاطات فريق أو آخر، من أجل نقل حقيقة ما يحدث في الواقع على الساحة.

الاتصالات كانت مقطوعة، وقد جازف الدبلوماسيون الشرفاء بحياتهم وهم يجوبون أحياء ويراقبون نشاطات، ليل نهار، من أجل نقل صورة ما يحدث هناك. لقد استخدمت الإمبراطورية وحلفاؤها الرئيسيون أكثر الوسائل تطوراً من أجل نشر معلومات مشوّهة عن الأحداث، يتعيّن الاستدلال عما يحمل ملامح الحقيقة بينها.

مما لا شك فيه أن أوجه الشبان الذين احتجوا في بنغازي، من رجال ونساء محجّبات أو غير محجّبات، عبّرت عن استياء حقيقي.

يمكن ملاحظة التأثير الذي ما زال يحظى به المركّب القبَلي في هذا البلد العربيّ، بالرغم من الديانة الإسلامية التي يعتنقها بصدق 95 بالمائة من السكان.

الإمبريالية وحلف “الناتو” –اللذان ينتابهما القلق الشديد جرّاء الموجة الثورية المندلعة في العالم العربي، من حيث يرد الجزء الأكبر من النفط الذي يستند إليه الاقتصاد الاستهلاكي للبلدان المتقدمة- لم يكن بوسعهما إلا أن يستغلاّ النزاع الداخلي الذي نشأ في ليبيا من أجل الترويج لتدخل عسكري. التصريحات التي صدرت منذ اللحظة الأولى عن إدارة الولايات المتحدة صبّت نصاً وروحاً في هذا الاتجاه.

ما كان للظروف أن تكون أنسب مما هي عليه. ففي انتخابات شهر تشرين الثاني/نوفمبر وجه اليمين الجمهورية ضربة ساحقة للرئيس أوباما، الخبير في فن الخطابة.

فريق “نُفّذت المهمة”، المدعوم أيديولوجياً الآن من قبل متطرفي “حزب الشاي”، قلّص الإمكانيات المتاحة أمام الرئيس الحالي ليجعلها مقتصرة على دور شكلي محض، أصبح فيه موضع خطر حتى برنامجه الاقتصادي والانتعاش الاقتصادي موضع الشك، وذلك بسبب العجز في الموازنة وارتفاع الديون العامة الخارج عن السيطرة، واللذين ضربا كل الأرقام القياسية التاريخية.

بالرغم من سيل الأكاذيب وحالة الارتباك القائمة، لم تتمكن الولايات المتحدة من جر الصين والفدرالية الروسيّة إلى موافقة مجلس الأمن على تدخل عسكري في ليبيا، مع أنها، وخلافاً لذلك، استطاعت في مجلس حقوق الإنسان انتزاع موافقة على الأهداف التي سعت إليها في تلك اللحظة. في ما يتعلّق بالتدخل العسكري، صرّحت وزيرة الخارجية بكلمات لا تقبل التأويل: “ليس هنا أي خيار مستبعَد”.

الحقيقة الواقعة هي أن ليبيا قد دخلت في حرب أهلية، كما سبق وتوقّعنا، لم تتمكن منظمة الأمم المتحدة من فعل شيء لمنع ذلك، باستثناء صب مجلس أمنها جرعة كبيرة من الزيت على النار.

المشكلة التي لم يكن يتصورها أصحاب القرار هو أن يدخل قادة التمرد أنفسهم في هذا الموضوع المعقّد ويصرّحوا أنهم يرفضون أي تدخل عسكري أجنبي.

وكالات أنباء عديدة نقلت عن المتحدث باسم اللجنة الثورة المعارضة عبد الحفيظ غوقة تصريحاً قال فيه يوم الاثنين، الموافق الثامن والعشرين، أن “’الشعب الليبي سيحرر باقي الأراضي الليبية.

[…] نعتمد على الجيش في تحرير طرابلس‘، هذا ما أكده غوقة لدى الإعلان عن قرب تشكيل ’المجلس الوطني المستقل‘ ليكون الممثل السياسي للمناطق التي يسيطر عليها المحتجون.

وأضاف خلال لقاء مع صحافيين في هذه المدينة الواقعة على مسافة ألف كيلومتر إلى الشرق من طرابلس: ’ما نريده هو المعلومات، لكن ليس بأي حال المساس بسيادتنا الجوية والبرية او البحرية‘.

ويعكس تشدد قادة المعارضة بشأن السيادة الوطنية رأي العديد من المواطنين الليبيين الذين أعربوا عن ذلك بشكل عفوي للصحافة الدولية الموجودة حتى قبل إثارة هذا الموضوع”، هذا ما جاء في برقية لوكالة الصحافة الفرنسية يوم الاثنين الماضي.

في اليوم نفسه، صرّحت أستاذة العلوم السياسية في جامعة بنغازي، عبير أم نعمة:

“’الإحساس الوطني قوي في ليبيا‘.

“’علاوة على ذلك فان ما حدث في العراق يثير الخوف لدى العالم العربي كله‘، وذلك في إشارة إلى الغزو الأمريكي عام 2003 الذي كان يفترض أن يأتي بالديمقراطية للعراق لتنتشر منه إلى باقي المنطقة وهو ما كذبه الواقع تماماً”.

وتابعت الأستاذة:

“’نعرف جيداً كيف حدث ذلك في العراق، الذي يعيش في عدم استقرار تام، وهو ما لا يعطي حقا أي رغبة في السير على هذا الطريق. لا نريد أن يأتي الأمريكيون لينتهي بنا الأمر بالتحسر على القذافي‘.

ولكن، عبير أم نعمة قالت: ’هناك أيضاً إحساس بأنها ثورتنا وأننا نحن من يجب أن يصنعها‘”.

بعد ساعات قليلة من نشر هذه البرقية، سارعت اثنتان من الوسائل الصحافية الأمريكية الرئيسية، وهما “ذي نيويورك تايمز” و”ذي واشنطن بوست” لعرض روايات جديدة عن الموضوع، قامت وكالة “د.ب.إ” بعرضها في اليوم التالي، الموافق الأول من آذار/مارس: “يمكن للمعارضة الليبية أن تطلب من الغرب أن يقصف جواً المواقع الإستراتيجية للقوات الموالية للرئيس القذافي، حسبما ذكرت الصحافة الأمريكية اليوم.

وأكدت صحيفتا ’ذي نيويورك تايمز‘ و’ذي واشنطن بوست‘ في طبعتيهما الإلكترونيتين أن هذا الموضوع يجري بحثه في المجلس الثوري الليبي.

وترى ’ذي نيويورك تايمز‘ أن هذه المناقشات تكشف مدى الإحباط الذي يعتري قادة المتمردين أمام إمكانية استعادة القذافي للسلطة.

ونقلت ’ذي نيويورك تايمز‘ عن المتحدث باسم المجلس قوله بأنه في حال القيام بالعمليات الجوية في إطار الأمم المتحدة، فإنه لا يترتب عن هذه العمليات تدخل دولي.

ويتكون المجلس من محامين وأكاديميين وقضاة وشخصيات بارزة في المجتمع الليبي”.

وتؤكد البرقية:

“ونقلت صحيفة ’ذي واشنطن بوست‘ عن متمردين اعترافهم بأنه بدون دعم الغرب يمكن للمعارك مع القوات الموالية للقذافي أن تستغرق وقتاً طويلاً وأن تكلف عدداً كبيراً من الأرواح البشرية”.

يلفت الانتباه أن لا ذكر لاحتواء هذه القائمة على عامل أو فلاّح أو بنّاء واحد، أو أحد له صلة بالإنتاج المادي، أو طالب شاب أو مقاتل من الذين يظهرون في المظاهرات. لمَ الإصرار على إظهار المتمردين على أنهم شخصيات بارزة تطلب من الولايات المتحدة ومن حلف “الناتو” القيام بعمليات قصف لقتل ليبيين؟

يوماً ما ستظهر الحقيقة من خلال أشخاص كأستاذة العلوم السياسية في جامعة بنغازي، التي تروي بقدر رفيع من البلاغة التجربة المريعة التي قتلت ودمّرت المنازل وحرمت من العمل أو حملت ملايين الأشخاص على الهجرة في العراق.

اليوم الأربعاء، الثاني من آذار/مارس، تعرض وكالة “إ.ف.إ” المتحدث المعروف باسم المتمردين وهو يدلي بتصريحات تؤكد، برأيي، أقواله يوم الاثنين وتتناقض معها في ذات الوقت: “بنغازي (ليبيا)، 2 آذار/مارس. طلبت القيادة الثورية الليبية اليوم من مجلس الأمن الدولي أن يقوم بهجوم جوي ’على مرتزقة‘ نظام معمّر القذافي.

وأكد المتحدث باسم المتمردين عبد الحفيظ غوقة خلال مؤتمر صحفي عقده في بنغازي: ’لا يستطيع جيشنا أن يشن هجوماً على المرتزقة، نظراً لدوره الدفاعي‘.

[…] الأمر مختلف بين هجوم جوي إستراتيجي وبين تدخل أجنبي، وهو ما نرفضه‘، هذا ما أكد عليه المتحدث باسم القوات المعارضة، التي عبرت في كل لحظة عن اعتراضها على أي تدخل عسكري أجنبي في النزاع الليبي”.

أي حرب تشبه هذه الحرب بين الحروب الإمبريالية الكثيرة؟

هل هي حرب إسبانيا عام 1936، أم حرب موسوليني على أثيوبيا عام 1935، أم حرب جورج دبليو بوش على العراق عام 2003 أم أي من عشرات الحروب التي وقفت الولايات المتحدة وراءها ضد شعوب القارة الأمريكية، بدءاً من غزو المكسيك عام 1846، وحتى حرب جزر المالوين عام 1982؟

وطبعاً، بدون استثناء الغزو المرتزق لشاطئ خيرون [خليج الخنازير] والحرب القذرة على وطننا وفرض الحصار عليه منذ خمسين سنة، ستكتمل في السادس عشر من نيسان/أبريل القادم.

في جميع هذه الحروب، كما في حرب فيتنام التي كلّفت ملايين الأرواح، سادت أوقح المبررات والإجراءات وأكثرها دناءة.

إلى الذين يراودهم أي شك حول حتمية التدخل العسكري الذي سيحدث في ليبيا، وزعت وكالة الصحافة الفرنسية، التي أعتبرُها مطلعة، برقية صحافية اليوم جاء فيها:

“تعد بلدان حلف ’الناتو‘ خطة طوارئ تستند إلى نموذج مناطق الحظر الجوي التي تمت إقامتها في البلقان في عقد التسعينات، حالما قرر المجتمع الدولي فرض حظر جوي على ليبيا، حسبما ذكر دبلوماسيّون”.

وتنتهي إلى القول لاحقاً أن “المسؤولين، الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم نظراً لحساسية القضية، أشاروا إلى أن منطلق الخيارات المطروحة هو منطقة الحظر الجوي التي فرضها الحلف العسكري الغربي على البوسنة عام 1993، والتي حظيت بتفويض من مجلس الأمن، وأعمال القصف التي قام بها ’الناتو‘ في كوسوفو عام 1999، ولم تحظَ بهذا التفويض”.

يُتبَع غداً.

فيدل كاسترو روز

2 آذار/مارس 2011

الساعة: 8:19 مساءً

تأملات الرفيق فيدل

حرب حلف “الناتو” الحتمية (2)

بعدما أطاح العقيد معمّر القذافي، وهو برتبة عقيد في الجيش وبإلهام من الزعيم المصري جمال عبد الناصر، بالملك إدريس السنوسي عام 1969، وهو في السابعة والعشرين فقط من عمره، طبّق إجراءات ثورية هامة، كالإصلاح الزراعي وتأميم النفط. الدخول المتزايدة للبلاد تم تخصيصها للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وخاصة منها الخدمات التعليمية والصحية لسكان ليبيا قليلي العدد، والمنتشرين في منطقة صحراوية شاسعة تندر فيها الأراضي الصالحة للزراعة.

تحت تلك الصحراء كان هناك بحر واسع وعميق من المياه المتحجرة. عندما تعرفتُ إلى مشروع تجريبي لجناية المحاصيل، تملّكني انطباع بأن من شأن تلك المياه أن تكتسب قيمة في المستقبل أعلى من قيمة النفط.

الإيمان الديني، المزروع في النفوس بالوهج الذي تتسم به الشعوب الإسلامية، ساعد إلى حد ما في التعويض عن الانتماء القبلي الذي ما يزال سيداً في هذا البلد العربي.

بلور الثوار الليبيون وطبقوا أفكارهم الخاصة في ما يتعلق بالمؤسسات القانونية والسياسية، وهي أفكار احترمتها كوبا من منطلق مبدئي.

امتنعنا كلياً عن إبداء رأينا بمفاهيم ومنطلقات القيادة الليبية.

نرى بوضوح أن القلق الرئيسي الذي يساور الولايات المتحدة وحلف “الناتو” اليوم ليس ليبيا، وإنما هي الموجة الثورية المندلعة في العالم العربي، والتي يسعون لكبحها مهما كلّف الثمن.

لا تُدحَض حقيقة أن العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها في حلف “الناتو” مع ليبيا كانت علاقات ممتازة خلال السنوات الأخيرة، قبل أن تنشأ الثورة في مصر وفي تونس.

في اللقاءات رفيعة المستوى بين ليبيا وبين مسؤولي حلف “الناتو” لم يكن عند أي من هؤلاء مشكلة مع القذافي. كان هذا البلد مصدراً أكيداً لمؤن النفط رفيع الجودة والغاز، وحتى البوتاسيوم، وذلك بعد تجاوز المشكلات التي قامت بينهما خلال العقود الأولى.

قطاعات إستراتيجية كإنتاج النفط وتوزيعه فتحت أبوابها أمام الاستثمار الأجنبي.

الخصخصة طالت شركات عامة كثيرة. وصندوق النقد الدولي مارس دوره المعهود في تنفيذ تلك العمليات.

كما هو منطقي، ذاب أزنار في الثناء على القذافي، ومن بعده جاء بلير وبرلسكوني وساركوزي وثاباتيرو، وحتى صديقي عاهل إسبانيا، توالوا أمام النظرة الساخرة من القائد الليبي. وكانوا سعداء بذلك.

مع أنني أبدو هازئاً، لكن الأمر ليس كذلك؛ وأتساءل بكل بساطة، لماذا يريدون الآن أن يغزوا ليبيا وإحالة القذافي إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي.

على مدى الساعات الأربع وعشرين من اليوم يتهمونه بإطلاق النار على مواطنين عزّل ممن يقومون بالاحتجاج. لماذا لا يشرحون للعالم بأن الأسلحة، وبشكل خاص وسائل القمع المعاصرة التي تملكها ليبيا زودتها بها الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما من المضيفين المرموقين للقذافي؟

أعترضُ على الوقاحة والأكاذيب التي يريدون أن يبرروا بها اليوم غزو ليبيا واحتلالها.

المرة الأخيرة التي زرتُ بها القذافي، في شهر أيار/مايو 2001، جاءت بعد 15 سنة من مهاجمة ريغان لمقر إقامته شديد التواضع، الذي حملني إليه لأشاهد ما أصبح عليه حاله. تعرض لإصابة مباشرة من الطيران وكان على درجة كبيرة من الدمار؛ ابنته الصغيرة في الثالثة من العمر قُتلت في ذلك الهجوم: قتلها رونالد ريغان. لم يكن هناك قرار مسبق بذلك من حلف “الناتو”، ولا من مجلس حقوق الإنسان أو مجلس الأمن الدولي.

زيارتي السابقة لهذه كنتُ قد أجريتها في عام 1977، بعد ثماني سنوات من بدء العملية الثورية في ليبيا. زرتُ طرابلس؛ وشاركتُ في مؤتمر الشعب الليبي، في سبها؛ وتجوّلت في المشاريع الزراعية التجريبية الأولى بالمياه المستخرَجة من بحر المياه المتحجرة الهائل؛ وزرتُ بنغازي، حيث وجدت استقبالاً حاراً. كان الأمر يتعلق ببلد عريق، تحوّل في الحرب العالمية الأخيرة إلى مسرح لمعارك تاريخية. لم يكن تعداده السكاني يصل إلى ستة ملايين بعد، ولا كذلك كان معروفاً الكم الهائل من النفط الخفيف والمياه المتحجرة التي تختزنها أراضيه. وكانت المستعمرات البرتغالية السابقة من أفريقيا قد تحررت.

كنّا قد قاتلنا في أنغولا على مدار 15 سنة في وجه العصابات المرتزقة التي نظمتها الولايات المتحدة على أسس قبلية، وحكومة موبوتو وجيش الأبارثيد العنصري جيّد التدريب والتسلح. هذا الجيش، وعملاً بتعليمات من الولايات المتحدة، كما هو معروف اليوم، غزا أنغولا عام 1975 من أجل منع استقلالها، ليصل بقواته المؤللة إلى تخوم لواندا. العديد من المدرّبين الكوبيين قضوا في ذلك الغزو الهمجي. وتم على وجه السرعة إرسال الموارد.

بعد طرد العنصريين من هذا البلد على يد القوات الأممية الكوبية والقوات الأنغولية حتى الحدود مع ناميبيا، موضع الاحتلال الجنوب أفريقي على مدار 13 سنة، أوعزت إليهم مهمة القضاء على العملية الثورية في أنغولا.

بدعم من الولايات المتحدة وإسرائيل، قاموا بتطوير السلاح النووي. وكان هذا السلاح قد أصبح بأيديهم عندما ألحقت القوات الكوبية والأنغولية الهزيمة بقواتهم البرية والجوية في كويتو كوانافالي؛ وتحدّت الخطر واستخدمت تكتيكات ووسائل تقليدية لتزحف إلى الحدود الناميبية، حيث سعت قوات الأبارثيد للمقاومة. مرتان في تاريخها تواجدت قواتنا تحت خطر التعرض للهجوم بهذا النوع من الأسلحة: في شهر تشرين الأول/أكتوبر 1962 وفي أنغولا، ولكن في هذه المرة الثانية، لم يكن بوسع جنوب أفريقيا أن تتمكن من منع الهزيمة التي سجلت نهاية النظام الضغين، حتى لو استخدمت تلك الأسلحة. هذه الأحداث وقعت في ظل حكومتي رونالد ريغان في الولايات المتحدة وبيتر بوثا في جنوب أفريقيا.

عن هذا، وعن مئات الآلاف من الأرواح التي كلّفتها المغامرة الإمبريالية، لا يُحكى شيء.

يؤسفني أن أضطر للتذكير بهذه الوقائع بينما يحدّق خطر كبير آخر بالشعوب العربية، لأنها لا ترضى بأن تظل ضحية النهب والاضطهاد.

الثورة في العالم العربي، التي يبلغ ما يبلغه خوف الولايات المتحدة وحلف “الناتو” منها، هي ثورة من يفتقدون لكل الحقوق في وجه من يستحوذون على كل الامتيازات، وبالتالي فهي مدعوة لأن تكون ثورة أعمق من الثورة التي اندلعت في أوروبا عام 1796 مع احتلال الباستيل.

ولا حتى لويس الرابع عشر، الذي أعلن بأنه هو الدولة، كان يحظى بالامتيازات التي يحظى بها عاهل العربية السعودية الملك عبد الله، وأقل من ذلك شأناً بالنسبة للثروة الهائلة التي تكمن تحت سطح هذا البلد شبه الصحراوي، حيث تقرِّر الشركات الأمريكية العابرة للحدود استخراج النفط، وبالتالي، سعره في العالم.

انطلاقاً من الأزمة في ليبيا، ارتفع استخراج النفط في العربية السعودية مليون برميل يومياً، بتكلفة دنيا، وبالتالي، فإن دخول هذا البلد ودخول المسيطرين عليه ترتفع من هذا المنطلق وحده إلى ألف مليون دولار يومياً.

ومع ذلك، لا يتصورنّ أحد بأن الشعب السعودي يسبح في المال. إنها تثير القشعريرة الروايات التي تُسمع عن ظروف حياة كثيرين من عمال البناء وغيره من القطاعات، ممن يضطرون للعمل 13 و14 ساعة يومياً بأجور بائسة.

فزعاً من الموجة الثورية التي تهز نظام النهب السائد، بعد ما حدث مع عمال مصر وتونس، وكذلك مع الشبان العاطلين عن العمل في الأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة واليمن، وحتى البحرين والإمارات العربية ذات الدخول الأعلى، يخضع الحكام السعوديون لأثر الأحداث.

خلافاً لأوقات أخرى، تتلقى الشعوب العربية اليوم معلومات تلقائية تقريباً عن الأحداث، مع أنها موضع درجة عالية من التحكم.

أسوأ ما في الأمر بالنسبة لوضع القطاعات صاحبة الامتيازات هو أن المستجدات العنيدة تتوافق مع ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية ومع الأثر الساحق للتغيرات المناخية؛ بينما الولايات المتحدة، وهي أكبر منتج للذُرة في العالم، تستهلك أربعين بالمائة من هذا المنتج المستفيد من معونة الدولة وجزءاً كبيراً من الصويا في إنتاج الوقود النووي، من أجل تغذية السيارات. من المؤكد أن ليستر براون، المدافع الأمريكي عن البيئة الأكثر اطلاعاً في العالم في مسائل المنتجات الزراعية، يمكنه أن يعطينا فكرة عن الوضع الغذائي الحالي.

الرئيس البوليفاري، هوغو تشافيز، يبذل جهداً شجاعاً يسعى لإيجاد حل بدون تدخل “الناتو” في ليبيا. يمكن لإمكانيات تحقيق الهدف أن ترتفع إذا تمكن من تحقيق مأثرة الحصول على حركة رأي واسعة قبل حدوث التدخل وليس بعده، وألا تشهد الشعوب تكرار تجربة العراق الوحشية في بلدان أخرى.

فيدل كاسترو روز

3 آذار/مارس 2011

الساعة: 10:32 مساءً

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في حول العالم, شخصيات ثورية وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s