حول العلاقة بين الانترنت والثورة:

حول العلاقة بين الانترنت والثورة:

الشبكات الاجتماعية والحركات الاجتماعية

بقلم:

جوني جونز

19 مايو 2011

ترجمة:

نصر عبد الرحمن

الناشر:

وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية

ثار جدل كبير في الشهور القليلة الماضية حول دور الإنترنت في الحركات االإجتماعية التي تحدث هذه الأيام. حيث سهلت وسائل الإعلام الإجتماعي عبر الشبكة العنكبوتية ، مثل الفيس بوك وتويتر واليوتيوب ، على الأفراد إبتكار وتبادل محتويات عديدة، كانت سبباً في بعض الأحداث الهامة، مثل الاحتجاجات الطلابية في بريطانيا في نهاية عام 2010، وكذلك في اندلاع الثورات في العالم العربي.

شهد العالم مؤخراً، اهتماماً متزايداً بأساليب التكنولوجيا الحديثة لعدد من الأسباب . فالبنسبة لشخص مثل توماس فريدمان، أحد المدافعين عن العولمة، يجعل الانترنت العالم قرية صغيرة تزدهر فيها الديمقراطية وآليات السوق الحر.

ويلخص الإقتصادي الحائز على جائزة نوبل بول كيرجمان مقولة فريدمان قائلاً ” نحن نتجه نحو عالم ديمقراطي بالأساس، لأنك لا تستطيع عزل الفلاحين في المزارع طالما يستطيعون الدخول إلى الإنترنت. ” و يرى جوردون بروان أن إمكانيات الانترنت سوف تؤدي إلى إعادة صياغة مفهوم التدخل الإنساني . ولقد صرح لصحيفة الجارديان إن ما حدث في رواندا لا يمكن أن يتكرر، لأن تدفق المعلومات سوف يأتي مباشرة من مكان الحدث، وسوف يضغط الرأي العام في الاتجاه الصحيح.

كما أظهرت ويكيلكس بعض المشاكل التي قد تواجهها الطبقات الحاكمة بسبب تعاظم دور الانترنت. ويكيليكس مؤسسة تسعى إلى نشر وثائق سرية للغاية، جذبت الانتباه أول مرة حين نشرت أخباراً عن مذبحة قامت بها القوات الأمريكية في العراق قتل فيها العديد من الصحفيين والمدنيين. وفي نهاية عام 2010، سربت عشرات الآلاف من وثائق الدبلوماسية الأمريكية، وأظهرت آليات عمل الخارجية الأمريكية. ومنذ ذلك الوقت بدأت مطاردة دولية لمؤسس ويكيلكس : جوليان آسانج.

لقد تزايد الاهتمام بدور الانترنت أثناء الحراك السياسي مع حملة أوباما الرئاسية عام 2008. وتمرد ( التويتر) في إيران عام 2009. وشيئاً فشيئاً لعبت التكنولوجيا الحديثة دوراً في تكوين ما يسمى سكان يوتوبيا العالم الافتراضي، الذين يناطحون ديناصورات المؤسسات البالية.

ومع بزوغ الحركة الطلابية في بريطانيا، شهدنا حملات على النت لتحريك الاحتجاجات في الشارع. بالإضافة إلى هذا، تجدد الاهتمام بفكرة ” الشبكات ” عند الحديث عن التنظيمات السياسية. كتب الصحفي والناشط السياسي لوري بيني في صحيفة الجارديان عن السياسات القديمة التي أصبحت غير ملائمة ” الشباب في بريطانيا لا يحتاجون إلى قادة، كما أن النشطاء الجدد غير مهتمين بالبيروقراطية الأيدولوجية لليسار القديم، حيث يظهر نشاطهم عبر الشبكات الإجتماعية أفضل من المؤسسات التقليدية. كما لا يصبر الشباب حتى تتخذ الأحزاب موقفاً ما “

ولقد شكك لوري في أن جرائد مثل العامل الاشتراكي مازالت توزع في كل مظاهرات نشطاء النت الذين أصبحوا يرون الجرائد شيئاً من الماضي، بالضبط كفكرة الوحدة الأيدولوجية كأداة للعمل. وبعد أكثر من شهر من نشر هذه المقالة سقط بن علي واندلعت الثورة المصرية. مما فجر نقاشات حول قدرة الإعلام الإجتماعي على إحياء فكرة الثورة من جديد: فلقد أظهر محرك البحث جوجل 203.000 نتيجة في شهرمارس 2011 عن( ثورة التويتر)

لقد منح الاعلام الإجتماعي فرصاُ هائلة للهواة والمحترفين لصنع مدوناتهم وجرائدهم، وأثر في حياتهم تأثيراً كثيراً، ولكي ندرك حجم هذا التأثير علينا تتبع التغير في طبيعة الانترنت، وأثر تطبيقاته على الحركات الاجتماعية.

التكنولوجيا هي الإجابة، ولكن أين السؤال؟

شهد العقد الماضي تزايداً رهيباً في الدخول إلى الانترنت. إذ يقدر أحد المواقع أن استخدام الانترنت منذ عام 2000 حتى 2010 قد تزايد من 360 مليون شخص إلى ما يقارب 2 مليار شخص وهم ثلث البشرية تقريباً. وأكثر مناطق النمو السريع تقع في أفريقيا ( ارتفع من أربعة ملايين إلى مائة وعشرة ملايين شخص ) ثم الشرق الأوسط ( ارتفع من ثلاثة ملايين إلى ثلاثة وستين مليون شخص ). كما أن عدد مستخدمي الانترنت في الصين أكبر من عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية.

إن نمو الإعلام الإجتماعي مثير للإعجاب فلقد ارتفع عدد مستخدمي الفيس بوك من 150 مليون عام 2009 إلى أكثر من 500 مليون مستخدم اليوم. وفي مارس الماضي أعلن موقع الفيس بوك أن عدد مستخدميه في بريطانيا وصل إلى 30 مليون .. تقريباً نصف عدد السكان.

ويمكن أن نؤرخ لهذا التوسع الهائل للانترنت وتطور الاعلام الاجتماعي بعام 1996 حيث تكونت مؤسسة تسمى (تحالف المواطنين الداعمين للانترنت). وكان هذا التحالف يناهض بنود مرسوم أصدرته الحكومة الأمريكية (مرسوم آداب التواصل) ولقد وصف هذا التحالف نفسه بأنه مجموعة من دعاة الحرية المدنية، ومزودي خدمة على النت وكتب ومجلات وجرائد. كانوا حوالي 56 ألف شخص الذين كونوا النواة الأولى لمجتمع الانترنت.

كان مرسوم آداب التواصل يهدف إلى منع نشر ما يسيء للآداب العامة من أجل حماية الأطفال في المنتديات العامة على الانترنت، ولكن هذا يعني أيضاً عدم نشر مقاطع من روايات ( بها ألفاظ خارجة ). ولقد رأى التحالف أن المرسوم الحكومي خطر يهدد الانترنت نفسه، حيث أنه حر وغير مركزي.

وفي دفاعهم أمام دائرة العدل الأمريكية، المنشور كبيان عبر أحد مجلات الانترنت، قال أعضاء التحالف أنه ” خلال هذا القرن تميزت وسائل الإعلام خاصة الإذاعة والتليفزيون، بأن عدداً قليلاً من المتحدثين يخاطب جمهوراً سلبياً، لكن هذه الطريقة تتغير الآن عبر الشبكة العنكبوتية، التي سوف تسمح لمئات الملايين من الأفراد بالتعامل على مستوى قومي وعالمي غير مسبوق. لقد استبدل الانترنت الميادين العامة واللافتات والبيانات والجدال، ومكن المواطنين من المشاركة في الحوارات الوطنية، ونشر الجرائد وتوزيع بيانات الكترونية على العالم أجمع. وأتاح لهم التواصل مع جمهور أوسع بشكل غير مسبوق. كما يمكن المواطن العادي من الوصول إلى المعلومات من جميع أنحاء العالم.”

ولقد اعتبرت المحكمة العليا المرسوم الحكومي غير دستوري ، وهو انتصار مبكر لحملات الانترنت. ولقد أشار بيان التحالف بشكل مبكر إلى تحول الانترنت إلى حلبة صراع سياسي بديلاً عن الميادين العامة. فبعد أن كان الانترنت مرادفاً للصور العارية والموسيقى واللغو، تحول إلى مقدمة لما عرف بالويب.

ويعرف جوس هاندز الخبير في شئون التواصل ويب 2.0على أنه مصطلح يشير إلى تزايد استخدام المواد التي ابتكرها المستخدمون والمواقع المخصصة كإطار تبادل للمعلومات والشبكات الإجتماعية التي تستخدم للتعبير عن الذات مثل المدونات.

ويعتبر هاندز عام 2006 عام الانجاز العظيم لويب 2.0 والإعلام الإجتماعي. عندما قررت مجلة تايم أن تكون شخصية العام (أنت) وبداخل العدد مقال للكاتب ليف جروسمان. الذي يعتبر فيه عام 2006.” قصة عن المجتمع والتعاون بشكل غير مسبوق. انه خلاصة المعرفة ويكيبديا، والمليون قناة على اليوتيوب ،إنه قصة عن القوة الكبيرة الناجمة عن القلة ، عن مساندة الآخر دون مقابل، بطريقة لن تغير العالم فقط ، بل ستغير الطريقة التي يتغير بها العالم. “

يعتبر جروسمان الانترنت أداة تجمع المساهمات الصغيرة لملايين البشر وتجعلها تعني الكثير.” إنه ثورة حقيقية.، فرصة لبناء نوع جديد من التفاهم الدولي ليس عبر علاقة السياسيين والعظماء، بل عبر المواطنين البسطاء.”

ويرى هاندز أن العصر الرقمي يمكن أن يكون مدخلاً إلى فعل تواصل واسع ، يمنح نفسه آفاقاً جديدة من المعارضة والمقاومة والتمرد.. إنه مملكة “الجماهير” التي أظهر ويب 2.0 قوتها.

أما جيمس جلاسمان وهو مسئول حكومي أمريكي سابق، فقد تحدث في مؤتمر عقدته جوجل وفيس بوك، ورأى أن الاعلام الاجتماعي سوف يمنح الولايات المتحدة ميزة كبيرة في حربها على الإرهاب مضيفاً ” لقد قلت منذ زمن أن تنظيم القاعدة يأكل غذائنا على الانترنت ” لكن الوضع تغير الآن، فتنظيم القاعدة مازال عالقاً في ويب 1.0 بينما يعتمد الانترنت الآن على التفاعل والحوار.

هل يمكن أن يلعب الإعلام الإجتماعي الدور الفعلي الذي يطمح إليه المحتجون؟ يرى البعض أن الويب2.0 يعتبر حاجزاً يحول دون ممارسة نشاط فعلي ، حيث أنه طريق مختصر لنشاط كسول تعرفه إيفنجي موروزوف على أنه ” شعور بالإرتياح لممارسة نشاط افتراضي ، ليس له تأثير سياسي أو إجتماعي. حيث يمنح المشاركين في الحملات وهم التأثير في مجريات الأحداث في العالم بمجرد الانضمام إلى مجموعة على الفيس بوك.”

إيفنجي متخصصة في الإعلام الإجتماعي وتسعى لتقديم نصائح لصناع السياسات حول نشر الديمقراطية، وهي ترى أن النشاط الكسول هو نوع من النشاط لجيل يتسم بالكسل، يقول أحدهم : لماذا نعتصم ونتعرض للقبض علينا ونتعرض لوحشية البوليس والتعذيب إذا كان بإمكاننا أن نطلق حملة في الفضاء الافتراضي؟ وتضيف جودي دين أن الناس غالباً يعتقدون أنهم نشطاء بمجرد أن يضغطون على أزرار أو يضيفون اسمائهم إلى مجموعة أو يكتبون تعليقاً على مدونة. وهو نوع من التفاعل السلبي ، الذي قد يمنع شيئاً حقيقياً من الحدوث. ثم تضيف في نفس السياق ” إن دائرة التواصل مبتورة ليس لأن الناس لا يريدون المشاركة، بل لأننا نحن لا نريد.”

ويعتبر الكاتب الكندي مالكوم جلادويل أفضل مثال على الجدل الدائر حول هذا الموضوع ، ففي مقاله” تغير صغير : لماذا لن تنتشر الثورات على التويتر” يرى أن الإعلام الإجتماعي أنتج شبكات ضعيفة الترابط، بينما تعتمد الحركة الحقيقية على روابط قوية. ويفرق جلادويل بين الأصدقاء المقربين والأصدقاء عن بعد. ثم يستدعى ما قاله دوج ماك آدم في عام 1964 عن حملة صيف الحرية، حيث لاحظ أن النشطاء الذين اشتركوا في الفاعلية كانوا مجموعة من الأصدقاء. ثم يضيف جلادويل: يظهر هذا النمط مرة أخرى في دراسة حول الألوية الحمراء وهي مجموعة إرهابية إيطالية من السبعينيات.

أظهرت هذه الدراسة أن سبعين في المائة من المجندين لديهم أصدقاء داخل التنظيم. وينطبق نفس الكلام على المجاهدين في أفغانستان. وينطبق حتى على الأحداث الثورية التي تبدو تلقائية، مثل المظاهرات في ألمانيا الشرقية التي أدت إلى سقوط جدار برلين. كل هذه الأشكال تميزت بقلب صلب ذو روابط قوية.

وبشكل ما، لا تعتبر نتائج هذه الدراسة مفاجئة، حيث أن الاحتجاجات التي تنطلق بعيداً عن أماكن العمل، لن تنضم إليها إلا عبر الأصدقاء الذين يشاركونك نفس الاهتمامات.

وما يهم جلادويل في هذه المرحلة هو التناقض بين نوع النشاط ، وبين ارتباطه بالإعلام الإجتماعي. فهو يعتبر أن الفيس بوك أداة فعالة للتعامل مع معارفك ، و للتواصل مع أصدقاء يصعب عليك الإلتقاء بهم.

ويعتمد جلادويل في هذه النقطة على كلام عالم الإجتماع مارك جرانفوتر ” أن أصدقائنا هم المصدر الأساسي لحصولنا على الأفكار والمعلومات الجديدة.” ثم يختلف معه حول قدرة الإعلام الإجتماعي في إثارة الاحتجاجات ، لأن الروابط الضعيفة لن تؤدى إلى نشاط تكتنفه خطورة.

لكن المفيد في الأمر أنك قد تحصل على توقيعات كثيرة على أحد الحملات دون مجهود كبير في النقاش ومقابلة الناس. ويرفض جلادويل المزاعم التي تقول أن الإعلام الإجتماعي قادر على زيادة عملية التحفيز، ويرى أنه يزيد عملية المشاركة عن طريق تقليل مستوى التحفيز الذي تحتاجه المشاركة.

ويرى ميكا وايت، وهو محرر في أحد المجلات، أن ما يحدث ليس نتيجة التطور التكنولوجي ولكن بسبب قوى السوق. ويعتقد وايت أن هناك معركة مشتعلة حول معنى (نشطاء) ويفرق بين النشطاء الرقميون الذين يتبنون منطق السوق الحر، وبين المعارضين لمنطق السوق في التغير الإجتماعي.

تكمن المشكلة ، في وجهة نظر وايت ، في النشطاء الذين يتقبلون أفكار التسويق المستخدمة في بيع ورق التوليت لبناء حركات إجتماعية. ويرى خطورة في استبدال النقد السياسي بمنطق الإعلانات.

وإذا كان وايت محقاً، فإن تزايد الحملات على الانترنت سوف يمثل خطراً على اليسار. ولكى نحكم على كل هذه الآراء عن قوة أو خطر الإعلام الإجتماعى ، علينا أن ندرس بعض الأمثلة لاستخدامه في السنوات القليلة الماضية.

هل استخدام تويتر يشعل ثورة؟!

كانت حملة باراك أوباما عام 2008 محاولة سياسية على نطاق واسع لاختبار الإعلام الإجتماعي. لقد صرح ديفيد بلوف مدير حملة أوباما أن الحملة خلقت تأثير الدومينو الذي استخدم الانترنت والرسائل النصية وأشكال التواصل الأخرى في تكوين شبكة ضخمة من المنظمين والمتطوعين. ولقد تحول موقع أوباما إلى مركز للحملة الانتخابية، حيث صنع المتطوعون أكثر من مليوني بروفايل ومائتي ألف دعوة (event) وشكلوا 35 ألف مجموعة و400 ألف مدونة وحصلوا على 30 مليون دولار عبر سبعين ألف صفحة على النت.

الحملة لم تكن مجرد نجاح على الانترنت فقط، ولكن طريق الانترنت تم تنظيم حملات الشوارع بالاتصال بالمتطوعين المسجلين على الموقع. لقد استخدم الانترنت كغيره من الوسائل لتنظيم النشطاء ولم يتركهم نشطاء أمام الكمبيوتر فقط. ولقد صرح توماس جينسمر، أحد واضعي استرتيجية حملة أوباما على النت، أن هدف الحملة كان إعطاء الناس مهام حقيقية لينفذوها في أحيائهم. كما صرح بلوف بعد الانتخابات” لقد أردنا التحكم في الإعلانات والتحكم في مجال العمليات ولم نرد إهدار إمكانيات الملايين من الناس، ومئات الآلاف من المتطوعين بشكل كامل.”

لقد أظهر النجاح الكامل لحملة أوباما أن الإعلام الإجتماعي قادر على لعب دور مركزي في التنظيم. ولكن هناك جانب أخر، هو انتشار حملة أوباما بين شعب غاضب من بوش ومن التعامل الحكومي مع الأزمات الاقتصادية. لقد تفائل الشعب الأمريكى برسالة التغيير التي قدمها أوباما حتى وإن لم تحدد ملامح هذا التغيير.

لقد كان حوالى 61% من الديمقراطيين متحمسون لمرشحهم مقابل 35% فقط من الجمهوريين المتحمسين لمرشحهم. وبالإضافة إلى الإيمان الحزبى به، توجه أوباما إلى مساحة عريضة من النشطاء في المجتمع وحاول ضمهم إلى حملته خاصة من السود، وذوى الأصول اللاتينية. لذلك أظهرت هذه الحملة قدرة الإعلام الإجتماعى على إثارة حراك سياسي فعال. وأظهرت أيضاً فائدة الإعلام الإجتماعي للاشتراكيين ونشطاء الطبقة العاملة الذين لا يملكون موارد كبيرة، ولا يحصلون على دعم الشركات، وليس لديهم موظفين متفرغين . ويجب أن ندرك أن هدف هذه الحملة على النت لم يكن تكوين قاعدة تنظيمية ولكن تنظيم حملة انتخابية.

أما في بريطانيا، فنذكر المظاهرة التي نظمت في لندن في أبريل 2009 احتجاجاً على اجتماع رؤساء دول العشرين الكبار، بعد شهور من دعم البنوك في أواخر 2008. ويذكر هذا الاحتجاج بالأساليب القمعية للشرطة ومقتل إيان توملسون بعد ضربه على يد ضابط شرطة. وفي ذلك اليوم احتجزت الشرطة آلاف المحتجين ومعظمهم من الشباب، في الشوارع حول بنك انجلترا.

ويرى هاندز التنظيم لاعداد هذه المظاهرة اتبع اسلوب عمل الشبكات، حيث نظم الانترنت القوى المختلفة ووزع المعلومات. ولقد عرف من وقفوا خلف المظاهرة أنفسهم بأنهم مجموعة مرتبطة بأحداث بنك انجلترا في الأول من أبريل.

وأبرز هاندز أن التيار الإعلامى العام ركز على دور كريس نايت وهو أستاذ أنثروبولوجيا في جامعة شرق لندن، في تنظيم الاحتجاجات وقدمه على أنه قائد المظاهرة. كما قدم هاندز تحليلاً لعدد كبير من المقالات التى ظهرت في نطاق واسع من الجرائد من الديلى ميل حتى الجارديان، ولقد قدمت هذه المقالات وصفاً محدوداً للحدث على أنه ” احتجاج قد يتم بواسطة الفوضويين والمرتبطين بهم “.

كما استنتج هاندز أن كل المقالات لم تقدم دوافع المحتجين، واكتفت بذكر غضبهم وقدرتهم على العنف، وتعامل الشرطة معهم.

في الحقيقة إن تعامل الإعلام البرجوازي مع الاحتجاج كان أحد أسباب نجاحه بسبب كثافة تناوله في التليفزيون والجرائد لأسابيع قبل حدوثه. إنه لمن الخطأ تصور أن المحتجين يذهبون إلى المظاهرات بسبب مجموعة من المطالب فقط وهو نفس الخطأ الذي يقع فيه من يتصورون ضرورة وجود برنامج كامل من أجل بناء حركة، أو هؤلاء الذين يؤكدون على ضرورة ( تعليم ) الناس عن القضايا الحقيقية حتى يتزايد عدد النشطاء الواعين اجتماعياً.

وفيما يتعلق بمظاهرة بنك انجلترا، هناك تداخل وتفاعل بين الانترنت، والزعماء مثل كريس نايت والإعلام البرجوازي، هذا التفاعل وضع المحتجين في المكان الصحيح. وهذا درس لليسار، فعليه أن يستخدم كل الوسائل الممكنة لبناء حركة. ولقد ظهر هذا بوضوح- في ظروف مختلفة- خلال احتجاجات نهاية 2010.

كان احتلال برج ميل بنك في العاشر من نوفمبر 2010 نقطة تحول فارقة في المعركة ضد التحالف الذى يقوده المحافظين في بريطانيا. كما مثلت الاحتجاجات الجذرية للطلاب تغيراً في طبيعة النقاش حول مقاومة الخصومات والرسوم. والمثير للاهتمام في هذا السياق هو فشل اتحاد الطلاب الرسمي في دعم هذه الفاعلية، وما تبعه من تظاهرات نظمت بعيداً عن الاتحاد. لقد تم الإعداد لهذه التظاهرات قبل أسابيع من انطلاقها في اجتماع للحملة القومية لمناهضة الخصومات والرسوم. كما حصل على دعم من خلال التصويت في مؤتمر شبكات نشطاء التعليم في 31 أكتوبر، ثم انتشرت أخباره عن طريق الرسائل الالكترونية والفيس بوك، لكنه لم يحصل على قوة دفع حقيقية إلا بعد مظاهرة 10 نوفمبر.

إن احتجاجات الطلاب تكشف بوضوح عن امكانيات الاعلام الاجتماعى في زيادة الثقة في امكانيات المحتجين، حيث لا توجد مرتكزات قوية لليسار . لكن التحدى المفروض على النشطاء المناهضين للرأسمالية ليس في استبدال التنظيمات اليسارية بل في البحث عن طرق لتقويتها وإعادة بناءها. وهذا ما نلمحه بوضوح عندما نرى الدور الذى لعبه الإعلام الإجتماعي في الثورات العربية.

ومن الضرورى في هذا السياق تذكر الاحتجاجات الإيرانية والحركة الخضراء. فلقد تم استخدام الاعلام الاجتماعى خاصة تويتر أثناء الاحتجاجات التى اندلعت بعد انتخابات 2009. وعلقت مستشارة وزير الخارجية الأمريكي أليس روس قائلة: لعب الإعلام الإجتماعى دوراً جوهرياً في تنظيم الاحتجاجات. لكن مهدى يحيى نجاد، مدير موقع إخبارى باللغة الفارسية في لوس أنجلوس يرى أن تأثير تويتر داخل إيران كان صفراً. ثم يضيف قائلاً:” هناك ارتباك كبير ولكن بمجرد أن تدقق في الأمر سوف تكتشف أن معظم الذين استخدموا تويتر كانوا أمريكان ، يرسلون الرسائل لبعضهم البعض.”

يبدو أن استخدام تويتر والإعلام الإجتماعى كان محدوداً في تنظيم الاحتجاجات ولقد اكتشفت شركة سيسموس، وهي شركة تحليل للإعلام الإجتماعى أن عدد المسجلين في إيران على التويتر عشية انتخابات 2009 كان فقط 19.235 أى بنسبة 0.027 من السكان. واكتشفت أيضاً أن الكثير من المتعاطفين مع الحركة الخضراء غيروا موقعهم على التويتر إلى طهران لكي يربكوا السلطات الإيرانية. وكان من المستحيل أن تحدد هل رسائل التويتر تأتى من طهران أم لوس أنجلوس مثلاً.

القوة الحقيقية لتويتر في ذلك الوقت كانت في أن عدداً قليلاً من الناس كان قادراً على الحصول على المعلومات من إيران ونشرها شرقاً وغرباً. ومن الغريب أن تتجاهل الصحف دور الإعلام الإجتماعى في تفجير الثورات الشعبية. حيث أن هذه الصحف ترى أن عصر الثورات قد ولى وأن دور الطبقة العاملة قد انتهى كمحرك للتغيير الإجتماعى. وعندما لعبت الطبقة العاملة المصرية دوراً حاسماً في إسقاط مبارك ، سقطت هذه الادعاءات.

في مقال له بعنوان ” التويتر لا يستطيع إسقاط الديكتاتوريات” يناقش جاى كوهين الطريقة التى اختزل فيها الحوار حول دور الإعلام الإجتماعى في الثورات العربية إلى جمل من قبيل ” تويتر يسقط الديكتاتوريات، أو أدخل على الانترنت لتصنع ثورة. وهذا التبسيط يخفي السؤال الجوهرى حول كيفية تأثير الانترنت على توازن القوى أثناء الاحتجاجات بين الدولة، والشعب الذى سأم هذه الدولة .

وهناك مبالغة حول دور الإعلام الإجتماعى في تنسيق فعاليات الاحتجاج، حيث ترى الناشطة السياسية المصرية جيهان إبراهيم أن التنسيق كان يتم في إجتماعات مباشرة. لقد استخدم الفيس بوك والرسائل الالكترونية للدعوة من أجل التظاهر في مصر لمدة سنوات لكن هذه الاحتجاجات كانت محدودة. كما أن الحراك الكبير في الشارع بعد يوم 25 يناير لم يكن بسبب زيادة ارتباط المصريين بالإعلام الإجتماعى، بل بالثقة التى اكتسبها الناس من أحداث تونس، وآلية عمل النشطاء في توزيع المنشورات ورفع الشعارات في المناطق الشعبية التى يقل فيها التواصل عبر الانترنت. لقد كان هذا عملاً خطيراً يعرض النشطاء للإعتقال والضرب، لكنه كان ضرورياًَ للحراك الجماهيرى في التحرير وفي كل مكان في مصر.

وسوف أقتبس مقطعاً مما كتب سلطان القاسمى وهو كاتب إماراتى غطى الأحداث في المنطقة بشكل موسع، وهو يقول ” لعب الإعلام الإجتماعى دوراً هاماً في ربيع الثورات العربية، لكن هناك مبالغة في تأثيره. فلقد قطع الانترنت عن مصر لعدة أيام لكن الحركة لم تتوقف.

وتعانى ليبيا الآن من قطع للانترنت، ومع ذلك نرى الحركة مستمرة بخطى واسعة. لقد كان التأثير الأكبر للإعلام الإجتماعى في نقل الأخبار إلى الخارج، حيث لم تصل هذه الأخبار إلى الإعلام العادى إلا من خلال تويتر والمدونات. وكان لهذه المعلومات والأخبار أثراً كبيراً في جذب اهتمام المواطنين في جميع أنحاء العالم الذين تضامنوا مع الشعوب المظلومة، وحاولوا الضغط على حكوماتهم لتتخذ رد فعل حيال ما يجرى.”

إن سرعة انتقال المعلومات من قارة إلى قارة بواسطة النشطاء الذين يستخدمون الانترنت، جعلتنا نرى المحتجين في قلب ميدان التحرير، يرفعون الأعلام المصرية ويرفعون يافطة كتب عليها ” مصر تساند عمال وسكنسون ” ويراها العالم أجمع، وفي وسكنسون نفسها، حيث شكل العمال احتجاجات ضخمة ضد خفض حقوق اتحاد التجارة. يقول جون ستافليز ، وهو واحد ضمن 50 ألف شخص اشتركوا في الاحتجاج الأول ” أن الإلهام جاء من مظاهرات الطلاب في بريطانيا والاحتجاجات في تونس ومصر. “

وتشير هذه التجارب أن الاعلام الاجتماعى مفيد في أنواع النشاط السياسي التى يهتم بها اليسار بشكل تقليدى. لكن الأمر يتطلب الحذر لأن البعض يرى أن طبيعة المحتجين سريعة الانفعال، وكفاءة الانترنت تؤدي إلى الاعتقاد بأن التنظيم ليس ضرورياً. وهذا الاعتقاد يغفل قضية البناء الطبقى التى يتم تجاهلها عن مناقشة موضوع الانترنت.

الطبقة 2.0

في 25 يناير قام النظام بتصرف مدهش. فعلت مصر ما لم يخطر على بال أحد بالنسبة لأى دولة يعتمد إقتصادها بشكل كبير على الانترنت. قام النظام بقطع الانترنت كلياً ليسكت صوت الاحتجاجات، لكن هذا لم يأتي بالنتيجة المطلوبة، فلقد تزايدت قوة المحتجين. و ما فعلته تلك المقامرة الخاسرة، أنها أظهرت الطبيعة الطبقية للانترنت.

من يظن أن الانترنت فضاء محايد، تتنافس فيه كل الأطراف، فهو حالم. ففى مقال حديث عن الرأسمالية والانترنت يرى كل من بيلامى فوستر وماك شسنى ” التكنولوجيا لا تتقدم بسلاسة عبر التاريخ، فإنها تتطور في سياق إجتماعي و إقتصادي وسياسي. ولقد حدد لها هذا السياق مسارها وشكلها في عصر ثورة المعلومات. فقبل كل شيء يجب عليك أن تدفع لمزود الخدمة حتى تدخل على الانترنت. ومزودات الخدمة قادرة على منعك من الدخول. على سبيل المثال، في مصر قامت فودافون وشركات الاتصالات الأخرى بقطع الخدمة بأوامر من النظام ، لمنع تواصل المحتجين. وأعادت الخدمة لترسل رسائل داعمة لمبارك.

وعلى مستوى الاعلام الاجتماعى، فإن الفيس بوك وشبكات التواصل الاجتماعى، هي شركات يمكن أن تمنع المستخدمين إذا رغبت في ذلك، ويمكن أن تفرض قيوداً على المجموعات التى تتجاوز قواعد تلك الشركات. والفيس بوك مملوك جزئياً لبنك جولدمان ساشز وجى بى مورجان اللذان يسعيان حالياً لشراء 10% من تويتر. كما قفزت القيمة السوقية لأسهم فيس بوك من 50 مليار إلى 75 مليار دولار ما بين يناير ومارس.2011 لقد أثبتت الرأسمالية مهارتها في استغلال مواقع جديدة لتراكم رأس المال وبالطبع الانترنت ليس استثناءاً.

إن الطبيعة الطبقية للانترنت تتجاوز هذا السطح الظاهرى بل تمتد لمجال البرمجيات.(oss) البرامج المتاحة التى يتم تطويرها بشكل مفتوح، وتوزع مجاناً. يمكن اعتبارها شكل من أشكال ديمقراطية البرامج. ولكن حدود السوق لا تكتفى فقط بعالم الانترنت، كما يشرح جوزيف كونارا في نقاشه حول لينكس أكثر الأمثلة نجاحاً للبرامج المتاحة. إذ يقول” أن التطوير يعتمد على فريق تطوير مركزى تصل إليه كل اقتراحات التغيير. وطبقاً لأحد المحللين، هناك ألف شخص فقط يساهمون في التغيرات التى تتم في لينكس، وهناك مجموعة أضغر مكونة من مائة شخص أسهموا في37 ألف من 38 ألف تغيير. والمائة شخص يعملون بأجر من تشغيل النظام. وهناك شركات عملاقة مثل إنتل وأى بى إم وغيرها تدفع بموظفيها للعمل على تطوير لينكس، لأن لديهم رغبة في منافسة نظام التشغيل ويندوز حيث أنهم راكموا أموالاً طائلة، تسمح لهم بالهيمنة على السوق العالمى.”

ويستنتج جوزيف أن نجاح مشروعات البرامج المتاحة تم امتصاصه بسرعة إلى السوق الرأسمالى وتحول إلى مصدر للربح. وهذه النقطة تتوافق مع ملاحظات نيكولاس كار حول أن الرأسماليون ليس لديهم خوف كبير من دخول المتطوعين في هذا المجال ، حيث أن الابتكارات المجانية على الويب تخلق أرضية لمشروعات تجارية.

يجب أن نضع الطبقة في اعتبارنا ونحن نفكر في العواقب التنظيمية للنقاش الذى تفرضه علينا ضخامة امكانيات الانترنت. فعندما ترى لورى بينى أنه على المتمردين أن يعيدوا تنظيم المقاومة لكى يكونوا أكثر تأثيراً، فإنها بذلك تقبل أفكار الليبرالية الجديدة عن الطبقة العاملة والتى ترى أن قوة العمل المنظمة قد تدنت على مستوى العالم بسبب البطالة وانخفاض الأجور، وتشتت العمال، بسبب الاعتماد على عالمية المصادر والانتاج بينما يبقى العمال في مجتمعات منقسمة و مغلقة.

هناك خطورة حقيقية أن يقبل اليساريون هذه الآراء، وأن يتحولوا إلى جناح يسارى في كورس نيوليبرالى ، بدلاً من محاولة استيعاب التغيير في نمط التوظيف في الأعوام الماضية.

ويرد أليكس كالينوس على لورى قائلاً ” إن جريدة العامل الإشتراكى تتيح لنا تنظيم حوار أسبوعى مع آلاف النشطاء. وأحد مميزاتها هو أنها لا تتواجد فقط على الانترنت، ولكنها منتج ملموس يمكن أن يباع في وقت معين ومكان معين. في محيط السكن وأماكن العمل و أمام شباك التذاكر وفي المظاهرات وتثير تفاعل مباشر وجهاً لوجه مع المشترى. ويسمح لنا هذا بتطويرعلاقات دائماً مع النشطاء، وبهذه الطريقة نقوى أنفسنا ونوسع نطاق كفاحنا.”

وعندما تقول لورى أن المجموعات على الانترنت تتبادل المعلومات والخطط عبر تويتر والرسائل النصية في المظاهرات فإنها تواجه مشكلة النطاق. قد يكون هذا مفيداً على نطاق ضيق، ولكن لا يمكن تنفيذه أثناء مسيرة مكونة من مئات الآلاف، أو أثناء إضراب كما أنها تواجه مشكلة التفكير الاستراتيجى على المدى الطويل.

إن موجة الاحتجاجات الحالية نجحت بشكل فعال في إدراج مشكلة تحاشى ضرائب الشركات إلى دائرة الاهتمام لدى جمهور عريض. وتعقد الحملة اجتماعاتها عبر تويتر، ولكن عندما حاول أحد الأعضاء أن يدعوا إلى أحد الفاعليات، ثار جدل كبير، لم يحسم إلا على نطاق ضيق بين مجموعة من الناس ، لديها الوقت لمناقشة القضايا عبر الانترنت.

إن قضية عدم وجود هيكل تنظيمى لاتخاذ القرار على النت يمكن أن يبدو ديمقراطى ، ولكنه في الحقيقة ليس كذلك، وقد يظهر هذا على نطاق أوسع عندما ينضم عدد أكبر من الناس في الحملة. أو عندما تفشل الحملة في تحقيق أهدافها.

يقول بول مانسون المحرر الاقتصادى بجريدة الجارديان أن الحقيقة تنتشر أسرع من الأكاذيب على الفيس بوك. والسؤال المطروح: لماذا تنتشر الحقيقة أسرع من الأكاذيب في عالم يمزقه الانقسام الطبقى، والانترنت ليس استثناءاً من هذا الانقسام؟ كيف يمثل الدخول إلى وسائل الإعلام الإجتماعى فلتر فعال لمنع الأكاذيب.

بالنسبة لمانسون الأفكار تظهر ثم تختبر بسرعة قبل أن تدخل في السياق الثقافى العام إذا كانت جيدة أو تختفىٍ إذا كانت سيئة. ولكن ماذا يقصد مانسون بجيد أو سييء؟! وما مدى تأثيره في التغيرات الإجتماعية؟ أنا مثل ملايين غيرى ، مغرم بمشاهدة التليفزيون أثناء تناول العشاء، وليس لدى أى وهم في أن هذا قد يؤدى إلى حرب ضد سياسة التقشف الحكومى. وهناك نقطة هامة ، وهى خطر الانغماس في التكتيكات، وانتظار ما قد تسفر عنه نشاطات قصيرة الأمد ، على حساب التفكير الاستراتيجى في أهداف طويلة الأجل.

إن الكثير من الأفكار التى طرحتها التحركات الأخيرة ليست جديدة. ففى عام 1998 قال عالم الإجتماع الفرنسى أندريه جروز ” إن المستقبل المنظور لا يحمل أى أزمات للرأسمالية الأوروبية قد يدفع العمال إلى إضرابات عامة ثورية ” وفي خلال شهور شهدت فرنسا أكبر إضراب عام في العالم ، وهزت الأزمات الرأسمالية المتوالية قارة أوروبا في السنوات التالية لكلامه.

ولقد ألمح كريس هارمن في حديثه عن الحركات التى هزت الولايات المتحدة في الستينيات إن العفوية وعدم وجود هيكل تنظيمى قد تناسب المواقف المفاجئة، أو الانفجار العفوى لعدد كبير من الطلاب.. حيث يخرجون إلى الشوارع ويحتلون المبانى، ولا يقلقون بشأن الاستراتيجية والتكتيك والتنظيم. ولكن عندما تجبر الحركات على التقهقر، فجأة يشعر الناس أنهم بحاجة لهياكل تنظيمية وبحاجة أيضاً لبعض الفهم للقوى التى تعمل في المجتمع. بحاجة إلى أيدولوجيا.

في تلك الأيام كما هو الحال الآن، نحن نعيش في ظل نظام رأسمالى فيه العمال هم مصدر الربح، ومن ثم لدى العمال القدرة على وقف الاستغلال ، وتغيير العالم بشكل جذرى ، لكن الوعى بين العمال متفاوت.

إن التنظيم السياسي هو ببساطة إدراك لحقيقة أن بعض الناس ينفصلون عن الأفكار المهيمنة على المجتمع أسرع من غيرهم. إن من ينفصلون أولاً، يحتاجون إلى تنظيم أنفسهم لكى يكسبوا الآخرين على أفكارهم ، ولكى يواجهوا مناورات الدولة والطبقة الحاكمة. وإذا تخيلنا أن الانترنت يعتبر طريقاً مختصراً لتحقيق ذلك، نكون قد أخطأنا وآمنا بالحتمية التكنولوجية. أما إذا استوعبنا هذا، يمكن أن نفكر بشكل مثمر في كيفية دمج الانترنت ووسائل الاعلام الاجتماعى في مشروع سياسي لتغيير العالم.

*نُشر المقال في مجلة الاشتراكية الأممية، العدد 130، أبريل 2011، المجلة يصدرها حزب العمال الاشتراكي البريطاني

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر, حول العالم وكلماته الدلالية , , , , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s