وظائف لمقتل بن لادن

مر الكلام: نديم علاء الدين

وظائف لمقتل بن لادن

مهما كانت الذرائع والحجج التي يسوقها اركان الطبقة السياسية في لبنان لتعطيل تأليف الحكومة، ومهما كانت التسريبات التي تبث عن المسؤولية التي يتحملها هذا الفريق او ذاك في سياق عملية التعطيل تلك، من وضع شروط وشروط مضادة، او مماطلة وتسويف كسباً للوقت اوانتظاراً لتطورات اقليمية محتملة، فإن الثابت والاكيد في هذا المجال ان البلاد ذاهبة الى مزيد من الهريان والتعفن، والى مزيد من المعاناة تضاف فوق كاهل اللبنانيين الذين ضاقت بهم الازمات من كل حدب وصوب،

يعبر عن درجة الانحطاط والسقوط لدى السلطة السياسية بكل تلاوينها ومفرداتها، مثلما يعبر عن العجز المتفاقم لدى هذا النظام بكل مرتكزاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية الى درجة بات معها غير قادر على تأمين عيش بشري للبنانيين، عيش لا يشعرون فيه انهم قطعان مهمشة تساق بالغرائز والعواطف والاشاعات عن حقوق وهمية لا يجنون منها سوى سلب الارادة والفقر والحرمان والهجرة …، حيث لا هم لأولئك القادة بعد ان حولوا النظام ومؤسساته والشأن العام الى مجموعة من المغانم والحصص يتناتشونها فيما بينهم.

مهما كانت تلك الحالة ترخي بثقلها على اللبنانيين، وتحتل الاهمية بالنسبة اليهم، وتحتاج الى متابعة، تبقى التطورات الاقليمية وما تشهده الساحات العربية من ثورات وثورات مضادة تضغط أيضاً، وتحتاج الى متابعة وتحليل، لمدى تأثيرها على وضع المنطقة وعلى مستقبلها، وعلى مستقبل لبنان بالتحديد باعتباره بنية قابلة للجذب والتفاعل، بنية آيلة للاهتزاز والسقوط امام كل عاصفة.

آخر تلك التطورات التي تحتاج الى متابعة ورصد، مقتل اسامة بن لادن، الذي طرح الاعلان عن اغتياله، توقيتاً واخفاءً، جملة من التساؤلات حول حقيقة الاغتيال نفسه، وحول الاهداف الكامنة وراءه، وارتباط ذلك بوضع الخطة الاميركية في المنطقة وجديدها.

وبغض النظر عن الطريقة الهوليودية لمجريات الاغتيال، فقد اثارت الرواية الاميركية عن العملية، والصورة الوحيدة التي تم عرضها دليلاً على ذلك، موجة من التشكيك المشروع بصحة الرواية والصورة معاً، ومما زاد في ذلك تلك السرعة الملفتة في التخلص من الجثة ورميها في البحر، دون استثمارها عبر وسائل الاعلام كما هي العادة الاميركية. مما اعتبر اخفاء لادلة كان بامكانها ان تثبت الرواية الاميركية.

فهل يعقل ان تكتفي الادارة الاميركية بهذا القدر من الاعلام عن عملية اغتيال لاسامة بن لادن الذي شاغلها عشر سنين، وهي التي اعتبرتها مهمتها الاولى في افغانستان، ثم في باكستان، التي مارست عليها، خلال العامين الماضيين، ضغوطا هائلة ومتواصلة لملاحقة بن لادن في طول البلاد وعرضها، اهدرت خلالها ثروات طائلة وسقطت بنتيجتها ارواح عديدة، وسخرت من اجلها امكانيات استخبارية وتقنية هائلة. لذا يسري اعتقاد بأن بن لادن قتل او مات منذ زمن بعيد، والآن جاء وقت الاعلان عنه.

حتى لوسلمنا بصدق الرواية، وصح اغتيال بن لادن، فإن التساؤل والتشكيك يطال التوقيت ايضاً في وظيفته ودلالاته، فهو يقع على تقاطع جملة مصالح لإدارة اوباما، منها ما هو داخلي، ومنها ما يتعلق بالانسحاب من افغانستان، ومنها ما يتعلق بمواجهة ثورة الشعوب العربية وملامستها تهديد الخطط الاميركية في المنطقة.

ففي الولايات المتحدة تظهر جلية مصلحة الرئيس الأميركي وحاجته لتحقيق نصر معنوي مع بدء حملته الانتخابية لفترة رئاسية ثانية، وهذا الانتصار المعنوي تزداد أهميته في ظل تراجع شعبية اوباما داخل الولايات المتحدة وسريان الانطباع عن تخبطه وارتباك سياسته الخارجية، بحيث يشكل الإعلان عن مقتل بن لادن مادة ضرورية لقلب هذا الانطباع في قضية شغلت الاميركيين واستنزفتهم منذ هجمات 11 أيلول.

المكان، قرب موقع عسكري محصن حيث لا يمكن ان تتم العملية من دون علم السلطات الباكستانية، يضاف الى الزمان ليعطيا إشارة واضحة إلى أن صفقة كبيرة قد حصلت بين الإدارة الأميركية والإسلام السياسي في المنطقة، على غرار صفقة الثمانينيات، تقضي بأن تسلم الولايات المتحدة بدور هذا الاسلام والاقرار بحقه في استلام السلطة حيث يستطيع، ومساعدته حيث يجب، مقابل التنسيق معها والسير في مشروعها، ووقف الحالة المتطرفة والعدائية لاميركا، هنا يصبح الاعلان عن مقتل بن لادن او القضاء عليه حاجة للطرفين وثمناً لتلك الصفقة او نتيجة حتمية لها.

يترجم ذلك نصراً للولايات في افغانستان بالقضاء على تنظيم القاعدة وزعيمه ويؤمن لها خروجاً مشرفاً، مقابل اعادة كابول الى حكم طالبان، ويترجم في المنطقة العربية تنسيقاً مشتركاً للانقضاض على الثورات الشعبية ومواجهة القوى المعترضة على الولايات المتحدة، والسير مع واشنطن في مشروعها في المنطقة وتأمين مصالحها، حيث تفضل الولايات المتحدة قيام أنظمة إسلامية متخلفة، على انقاض الانظمة المتهاوية، بدل أن تترك للثورات العربية ان تنتج أنظمتها وفق إرادة شعوبها، والاشارات لا تنفك يومياً تدل على تلك الصفقة من مصر وتونس وليبيا الى ما يجري في الخليج واليمن وصولاً الى سوريا وتركيا، بما فيه ربما الموافقة على تسوية نهائية للقضية الفلسطينية، تمهد لنقل الصراع العربي ـ الاسرائيلي الى صراع عربي ـ فارسي يكون هذا الاسلام واجهته واداته.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر, حول العالم وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s