حاجة العالم للينين مرة أخرى

حاجة العالم للينين مرة أخرى

فؤاد النمري

2011 / 5 / 24

لا يمكن إدراك حاجة العالم للينين مرة أخرى ما لم ندرك حاجته للينين المرة الأولى .

فلماذا احتاج العالم للينين المرة الأولى ؟

كان كارل ماركس قد تفرّس مليّاً في بنية النظام الرأسمالي في سنوات شبابه فرأى وجهاً بشعاً فيه بالرغم من حسنة إثرائه للبشرية وتلبية إحتياجات الإنسان المعاشية بدرجة لم تتحقق من قبل. لقد رأى أن في هذا النظام الرأسمالي الجديد وحشية لم يتصف بمثلها أي نظام سابق. رآه يعتصر المزيد من دماء بني البشر ليحولها إلى ذهب. رأى هدف النظام الأول والأخير هو الذهب وليس تلبية احتياجات الإنسان المتزايدة. إذّاك، ولم يكن قد تجاوز العقد الثالث من العمر(29 سنة)، رفع ماركس صوته مدويّاً في العالم، بالإشتراك مع رفيقه فردريك إنجلز(26 سنة)، في العام 1847 ليصرخ فيما سمّي ب “المانفيستو الشيوعي” ويقول .. نعم البشرية بحاجة لكل هذه المنتوجات الغامرة بل وأكثر منها، لكن لماذا يتوجب من أجل ذلك تحويل دماء بني البشر إلى ذهب!؟ نعم البشرية بحاجة لفيض من الإنتاج الغامر لكنها ليست بحاجة للذهب!! لذلك إقترح ماركس برنامجاً لتحرير الإنسانية من وحشية النظام الرأسمالي والإنتقال إلى الحياة الشيوعية حيث سيتضاعف الإنتاج المادي أضعاف ما يوفره النظام الرأسمالي، وينتهي هدر دماء بني البشر، وينتفي استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. نادى بصوت زلزل الكرة الأرضية نداءه الشهير” يا عمال العالم اتحدوا ! ” من أجل إنجاز ثورتهم والعبور إلى الحياة الشيوعية. ذلك النداء كان تاريخياً وقوياً بحيث عبر القرنين التاسع عشر والعشرين وما زالت أصداؤه تملأ فضاءات العالم. تلبية لذلك النداء التاريخي شكل ماركس في العام 1867 الأممية الأولى التي ضمت عمالاً من مختلف البلدان الرأسمالية، لكنه بعد سنوات قليلة أدرك أن عمال العالم لم يصلوا بعد إلى مستوىً يؤهلهم لقيادة العالم والعبور به إلى مرحلة الشيوعية، وقد ثبت ذلك عملياً في ” كومونة باريس ” في العام 1871، فقام بحل الأممية في العام 1873. في الخمس عشرة سنة التالية لاحظ إنجلز أن أحزابا اشتراكية ديموقراطية قوية قامت في مختلف البلدان الصناعية المتقدمة في أوروبا ترفع راية الماركسية فبادر في العام 1889 إلى تشكيل الأممية الثانية لتضم أحزاباً وليس أفراداً كما في الأممية الأولى. بعد تشكيل الأممية الثانية أخذت القارة الأوروبية، وكانت تشكل مركز العالم، تمور بأمواج الحركة العمالية الإشتراكية العالية. لقد برز في الأممية الثانية شخصيات مرموقة ذات وزن فكري وحضور عالمي، فعدا المؤسس فردريك إنجلز رفيق ماركس وشريكه، برز جيورجي بليخانوف، فلاديمير لينين، جوليوس مارتوف، ليون تروتسكي من روسيا. وكارل كاوتسكي، روزا لكسمبورغ، كارل ليبكنخت، وإدوارد برنشتاين من ألمانيا. مع بداية القرن العشرين غدت الثورة الاشتراكية على الأبواب بقيادة الإشتراكيين الألمان والروس. ما حال دون دخولها هو الخلافات الحادة التي قامت بين قادة الأممية حول القراءة الصحيحة لماركس وللبيان الشيوعي فعقب قرارها في مؤتمرها العام في شتوتغارت عام 1907 وقد دعا إلى تحويل أية حرب استعمارية قادمة تقوم في أوروبا إلى ثورة اشتراكية تعم العالم، عادت الأممية في مؤتمرها في بازل 1912 لتقبل بالحرب وتجيز اشتراك أحزابها فيها بحجة الدفاع عن الوطن. إثر ذلك القرار الهجين والخياني انسحب البلاشفة بقيادة لينين من الأممية الثانية وأعلنوا حزبهم المستقل ” الحزب الشيوعي البولشفي “.

منذ العام 1907 وحتى العام 1916 اشتد صراع فكري على الساحة الأوروبية لا مثيل له عبر التاريخ. تركّز الصراع بين القراءة اللينينية الثورية لماركس من جهة، والقراءة المهادنة والتصالحية مع النظام الرأسمالي للمرتد كارل كاوتسكي ومعه بليخانوف والقراءة التحريفية لإدوارد برنشتاين. بفعل القراءة اللينينية الدقيقة والحيوية للماركسية، والقوة الدافعة التي ميزت على الدوام نشاط لينين تفسخ الموقف الفكري للأممية الثانية حتى جرى حلها في العام 1916، وأعلنت أحزابها في اجتماع عقدته في العام 1921 تخليها نهائياً عن الماركسية بكل مندرجاتها، ولعل ذلك القرار جاء نتيجة لانتصار الثورة اللينينية البلشفية في روسيا في مواجهة كل قوى الرجعية في العالم التي جندت تسعة عشر جيشاً كبيراً دخلت روسيا لسحق الثورة وانهزمت أمام البلاشفة. تخلت عن الماركسية وأورثت العالم أحزاباً ليس لها من الإشتراكية إلا الإسم كما في ألمانيا وفرنسا وسائر دول أوروبا الغربية. انتصار الثورة الإشتراكية وفق القراءة اللينينية على سائر أعدائها في الداخل والخارج في العام 1921، وتطور الإتحاد السوفياتي المثير للدهشة خلال العقدين التاليين انتهاءً بالعام 1941 حين كان العدوان الهتلري، وخوض الحرب العالمية الثانية التي انتهت بالإنتصار الرائع للقوى السوفياتية على كل القوى النازية والفاشية المدعومة بكل الموارد المادية والبشرية لأوروبا، كل ذلك أرسى حقيقة لا مراء فيها وهي أن القراءة اللينينية لماركس هي القراءة الصحيحة والدقيقة بمثل ما أرادها ماركس نفسه. لقد حسم الصراع لصالح القراءة اللينينية التي تركزت في مصلحة البروليتاريا. ما يفوت الكثيرين بالرغم من أهميته الفارقة هو أن القراءة اللينينية الصحيحة لماركس قد فتحت منعرجاً جديداً للبشرية لا يمكن الرجوع عليه. تاريخ القرن العشرين ومنذ ثورة أكتوبر 1917 انحصر في الصراع بين القوى الإشتراكية بقيادة الإتحاد السوفياتي والقوى الرأسمالية الإمبريالية بما فيها الفاشية والنازية بقيادة بريطانيا العظمى بداية (1917 ــ 1933)، ثم ألمانيا النازية (1933 ــ 1945)، ثم الولايات المتحدة الأميركية (1946 ــ 1972). النصر الكبير للإتحاد السوفياتي على النازية التي سبق لها أن حطمت الإمبراطوريتين الاستعماريتين الكبريين، فرنسا وبريطانيا، وحماية حرية شعوب العالم من غول النازية البشع، انعكس كل ذلك بتعاطف عميق وواسع مع المشروع اللينيني والإشتراكية السوفياتية. ظهر ذلك جليّاً في مراكز الرأسمالية ذاتها أكثر من غيرها، في فرنسا وإيطاليا وفي بريطانيا، حين اعترف تشيرتشل نفسه لستالين في مؤتمر يالطا فبراير 1945 أن شعوب بريطانيا تحولت إلى اليسار وستعزله من الحكم في الإنتخابات الصيف التالي، كما في اليابان وحتى في الولايات المتحدة نفسها التي ورثت التركة الإمبريالية بكل ألوانها وبكل موبقاتها.

في مواجهة انقلاب ميزان القوى الدولية نتيجة للحرب العظمى لصالح المشروع اللينيني والثورة الإشتراكية استنفرت الشركات الرأسمالية الكبرى في الولايات المتحدة والتي كانت قد باعت دماء الجنود الأمريكان على الشعب الأميركي نفسه خلال الحرب وازدادت ثراء، أستنفرت مسعورة لتجند الدولة الأميركية بقضها وقضيضها لمحاربة النفوذ الشيوعي. لعل القليلين توقفوا قليلاً أمام الجهود الأميركية الهائلة في محاربة الشيوعية. لقد استنفذت الولايات المتحدة نفسها في هذه السياسة الغبية الحاقدة وهو ما عجل في انهيار الرأسمالية العالمية وأخّر بالمقابل انهيار الإتحاد السوفياتي والمعسكر الإشتراكي خلافاً لما يعتقد العامة. لم يكن للسياسة الأميركية أي دور في بروز خروشتشوف وقيادته المشروع اللينيني إلى الإنهيار وهو ما تحقق بفعل الصراع الطبقي داخل المجتمع السوفياتي بعيداً عن تأثير الولايات المتحدة. وبالمقابل كان السبب الرئيسي لإفلاس الولايات المتحدة هو تدخلها في الفيتنام من أجل قاومة الشيوعية وتكبد نفقات تفوق طاقتها مما حدا بها إلى الخروج من معاهدة بريتونوود في العام 1971 ولجوئها بالتالي في العام 1975 إلى الدول الأجنبية لتغطية عملتها الوطنية وهو ما يحدث لأول مرة في التاريخ مؤكداً إفلاس أغنى دولة في العالم وهي الولايات المتحدة الأميركية.

يتغافل المؤرخون البورجوازيون عن حقيقة كبرى قررت مصائر المواجهة بين الولايات المتحدة واليابان أواخر الحرب العالمية الثانية وهي أنه لولا قيام الجيوش السوفياتية الجرارة بسحق مجمل القوات البرية اليابانية في منشوريا ومنغوليا وكوريا خلال الأسبوع التالي لقنبلة ناغازاكي الذرية في 9 أغسطس وحتى 15 منه لما قرر امبراطور اليابان الإستسلام للولايات المتحدة بالنيابة عن الحلفاء. فالقنبلتان الذريتان في هيروشيما وناغازاكي قتلتا المدنيين ولم تقتل العسكريين؛ كانتا فعلاً جريمة حرب وليس نهاية حرب. لولا المساعدة العسكرية السوفياتية لتمكنت القوى الإمبريالية اليابانية على الأرجح من دحر الولايات المتحدة وتدمير الشركات الرأسمالية الكبرى الأميركية قبل غيرها بالتالي. وبدل أن تحافظ الولايات المتحدة على علاقات الود والصداقة مع الإتحاد السوفياتي لقاء صناعته انتصارها وحفاظه عل حريتها، سارعت قبل أن تبرد المدافع السوفياتية إلى مطالبة الدولة السوفياتية بإعادة السفن والمركبات الأميركية المعارة لها بموجب قانون الإعارة والتأجير الأميركي آنذاك، وهذا حقها دون شك، ولكن ما هو وقح وعدائي هو أن تجر الولايات المتحدة سفنها المسترجعة إلى خارج الحدود البحرية السوفياتية وتشعل بها النار لتحرقها على آخرها، وأن تسحب المركبات إلى خارج الحدود البرية وتحطمها تماماً بالحفارات. هل لعدو حاقد يتصرف بمثل هذا العمل الخسيس غير الإدارة الأميركية من صناعة الشركات الإحتكارية الكبرى !؟ الإدارات الأميركية المتعاقبة بعد الرئيس التاريخي الكبير فرانكلن روزفلت أساءت كثيراً للنظام الأميركي والشعب في ظل ذلك النظام. ما أفسد سياساتها الدولية هو حقدها المجنون على الإشتراكية واعتقادها بأنها تستطيع بإمكانياتها الذاتية القضاء على المشروع اللينيني والثورة الإشتراكية العالمية. بعد تلك الحرب الهتلرية المجنونة التي روّعت العالم وأهلكت من البشر أضعاف ما أهلكته كل الحروب في تاريخ البشرية، اعتقد ستالين أن الصراع ضد الرأسمالية العالمية سوف يجري ضمن شروط سلام دولي واحترام متبادل بين الدول الكبرى. كان ستالين خلال الحرب وبكل أهوالها الفظيعة رفيقاً صادقاً وأميناً تجاه شركائه بريطانيا وعلى رأسها ونستون تشيرتشل والولايات المتحدة وعلى رأسها فرانكلن روزفلت ــ وهو ما ينتقده بعض الشيوعيين ــ غير أن الأمور جرت عكس ما تصورها ستالين.

في العام 1946 أعلنت أميركا مشروع مارشال لتقدم بموجبه 12.5 مليار دولار لدول غرب أوروبا، التي أخذت شعوبها تميل للنظام الإشتراكي، مستهدفة بذر بذور الكراهية للشيوعية. وفي الخامس من آذار 1946 ألقى ونستون تشيرتشل خطابا معداً بعناية، يشجب فيه ما وصفه ب “الستار الحديدي” وهو الستار الذي كفّ يد الإمبريالية البريطانية عن شرق وأواسط أوروبا إذ لم ينسَ تشيرتشل بولندا وتشيكوسلوفاكيا اللتين كانتا تابعتين للإمبريالية البريطانية. وتحدث تشيرتشل في ذلك الخطاب الموتور عن مسؤولية الشعوب الناطقة بالإنجليزيية تجاه حرية الشعوب والسلم الدولي ــ وهي الشعوب التي فشلت في مواجهة النازية وانحصرت حربها في مواجهة إيطاليا المتخلفة لكن تشيرتشل يريدها مع ذلك أن تتكاتف وتتحالف في مواجهة الشيوعية. رد ستالين على خطاب تشيرتشل الموتور فوصفه بأنه خطاب تاجر حرب عنصري وهتلري. وفي ابريل 1949 أقامت الولايات المتحدة حلف شمال الأطلسي تسنده تشكيلات عسكرية بحجة الدفاع عن الغرب الرأسمالي علماً بأن الإتحاد السوفياتي كان قد أكد نواياه السلمية وصداقته لكافة شعوب أوروبا وتنازل عن حقه بالتعويضات المستحقة له على كل الدول التي أعلنت الحرب عليه وأرسلت جيوشها إلى داخل الأراضي السوفياتية وهي ألمانيا، إيطاليا، رومانيا، هنغاريا، بلغاريا وفنلنده. وبعد توقيع معاهدة شمال الأطلسي باسبوعين فقط عمل الإتحاد السوفياتي على إنشاء مجلس السلم العالمي انضوى إليه جميع الشخصيات الشهيرة والمنظمات المدنية في العالم، انعقد في باريس في 19 ابريل 1949 من أجل توطيد السلم في العالم، وقد أصدر نداءه الشهير في مؤتمره الثاني في ستوكهولم في آذار 1950 ووقعه 500 مليون إنسان وتضمن نداء ستالين القائل .. ” يصان السلم في العالم ويوطد إذا ما أخذت الشعوب قضيته بأيديها وذادت عنه حتى النهاية”. سعار الطبقة الحاكمة في واشنطن ضد الشيوعية بلغ في العام 1950 حداً برز معه السناتور جوزف مكارثي الموبوء بالحقد والكراهية، ووجه كرئيس لجنة الاستخبارات في الكونجرس اتهاماته بالشيوعية لمئات من رجال الدولة والثقافة في أميركا حتى وصل به الأمر لاتهام الرئيس نفسه، هاري ترومان، بالتعامل مع الشيوعية !! في يوليو 1950 أرسلت الولايات المتحدة قواتها إلى كوريا لمحاربة الشيوعية وكانت خسائرها هائلة بالرجال والمعدات والأموال. وفي أواسط الخمسينيات جهدت الولايات المتحدة كثيرا وأنفقت أموالاً طائلة في إقامة أحلاف عسكرية تحيط بالعالم الإشتراكي من حلف البلقان، وحلف السنتو (بغداد)، وحلف السياتو في جنوب شرق آسيا وميثاق التعاون والتحالف مع اليابان بالإضافة إلى حلف الأطلسي. أقامت الولايات المتحدة قواعد عسكرية كبيرة في جميع البلدان المطوقة للعالم الإشتراكي وهو ما حمّل ميزانية الدولة نفقات هائلة . في العام 1956 وكلت الإدارة الأميركية برئاسة ايزنهاور وجون فوستر دالاس بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في محاربة مصر وحمت العدوان الثلاثي من الخلف. وفي العام 1958 أنزلت قوات المارينز في لبنان وقوات المظليين البريطانية في الأردن توطئة للعدوان على ثورة العراق. تميّز عقد الستينيات بالإنقلابات العسكرية في الدول المستقلة حديثاً، تلك الإنقلابات التي اخترقت العالم ممولة من قبل الولايات المتحدة، بل إن حرب الأيام الستة على مصر (حزيران 67) جرت على حساب الولايات المتحدة بمساندة من فيصل ملك السعودية.

ما لم يتحسّبه المراقبون والعاملون في مراكز الدراسات الاستراتيجية هو أن الولايات المتحدة الأميركية ليست كليّة القدرة (omnipotent). لقد استنفذت نفسها وبكل قدراتها الهائلة في مقاومة الشيوعية. الأحلاف والقواعد العسكرية التي أقامتها على عرض قارتي آسيا وأوروبا والمؤامرات والإنقلابات التي دبرتها وأنفقت عليها في الدول المحيطة وفي أمريكا اللاتينية، مضافاً إليها بناؤها للصناعات التشغيلية في دول جنوب شرق آسيا والتي كانت كوريدورات للثورة الإشتراكية ووصفت فيما بعد بالنمور الأسيوية، كل ذلك جعل من الحرب في فيتنام القشة التي قصمت ظهر البعير. استخدمت الولايات المتحدة في فيتنام كل قواها العسكرية باستثناء الأسلحة الذرية نظراً لخطورة استدعائها ردّاً مماثلاً لكنها انهزمت أخيراً شر هزيمة في العام 1974. ليس هناك أدنى شك في أن استنفاذ الولايات المتحدة لنفسها في مقاومة الشيوعية لم يدحر المشروع اللينيني قيد أنملة بل العكس تماماً كانت المحصلة، فالتناقض الخارجي يعمل دائماً على لجم التناقض الداخلي الذي كان سبب انهيار الإتحاد السوفياتي عام 1991 بعد مراوحة طويلة، إذ لولا التناقض الخارجي مع الأنشطة الأميركية العادية لانهار الإتحاد السوفياتي والمعسكر اللإشتراكي في العام 1971 أو 1981.

في يناير 1965 صرح وزير الخزانة الأميركي، دوغلاس ديلون، بأن العجز في ميزان المدفوعات بلغ ثلاث مليارات دولارا للعام 64 وهو ما لم يتوقعه أحد، المبلغ الذي على الولايات المتحدة أن تخسره من احتياطها من الذهب الأمر الذي من شأنه أن يزعزع مركزها المالي في العالم. إثر ذلك قامت فرنسا بتحويل كامل إحتياطها من الدولار، 300 مليون، إلى الذهب، وتلاها اسبانيا وحولت 60 مليوناً ــ العجز بثلاثة مليارات دولار فقط كان حسب وزير الخزانة الأميركي في العام 1965 يهدد مركز أميركا المالي، أما اليوم والعجز يصل سنوياً إلى ثلاثمائة ضعف ذلك العجز لكنه مع ذلك لا يهدد مركز أميركا المالي !! ــ انهيار الثقة بنظام النقد الأميركي وأساسه، الإقتصاد الأميركي، لم يثن الرئيس الأميركي ليندون جونسون وأعضاء الكونجرس عن جموحهم في الحرب على الشيوعية في فيتنام بل قالوا بالإنسحاب من معاهدة بريتونوود 1944 التي ترغمهم على تبديل دولاراتهم بالذهب. حقدهم الأعمى على الشيوعية جعلهم يكفرون بمستقبل أميركا وحياة الشعب الأميركي كي يذهبوا للحرب وليس لإنقاذ الإقتصاد الأميركي. نفقات الحرب الباهظة في فيتنام فاقمت من الأزمة الإقتصادية وانهيار الدولار حتى وجد الرئيس نكسون نفسه أمام حائط مسدود في العام 1971 فكان أن أعلن خروج الولايات المتحدة من معاهدة بريتونوود التي تلزمها بتغطية دولاراتها بالذهب. تضعضع إثر ذلك مركز الدولار في الأسواق العالمية فكان أن أعلنت إدارة نكسون في العام 1972 تخفيضا رسمياً لقيمة الدولار (devaluation) لكن ذلك لم يجدِ بشيء فأعلنت التخفيض الثاني في السنة التالية 73 دون أن يساعد في إنقاذ الدولار. في نوفمبر 1975 اجتمع رؤساء الدول الخمسة الغنية (G5) في رامبوييه/باريس لانقاذ نظامهم الرأسمالي من الإنهيار، وبئس ما فعلوا. قرر هؤلاء إلغاء كل غطاء مادي لعملاتهم (ذهب أو معادن ثمينة أو بضائع) والتعويض عنه بغطاء معنوي لا يترجم مادياً، يفيد بأن الدول الخمسة مجتمعة تتعهد بالحفاظ على أسعار عملاتها في أسواق الصرف دون اهتزاز. هذا القرار الغريب العجيب لا يعني فقط التخلي عن النظام الرأسمالي الذي تعتمد حركة دورته الإقتصادية على النقد الثابت القيمة، بل أكثر من ذلك فهو يعني أن تتحول هذه الدول الغنية الخمسة إلى لصوص يسرقون النظام الرأسمالي نفسه الذي اجتعوا لإنقاذه. ماذا يعني انتهاء الأزمة الإقتصادية الخانقة في الولايات المتحدة في الستينيات والنصف الأول من السبعينيان ثم يتلوها انتعاش ورواج الإقتصاد الإستهلاكي فيما بعد سوى أن السماء أخذت تمطر ذهباً على الولايات المتحدة !! هو كذلك فعلاً، فقد بدأت المطابع الأميركية تطبع ليل نهار تريليونا الدولارات من الأوراق الخضراء التي لا قيمة حقيقية لها على الإطلاق باستثناء ضمانة الدول الأخرى وليس الدولة التي أصدرت النقد !! الدول الأربعة الأخرى لم تغطِ شيئاً من قيمة هذه التريليونات من الدولارات الزائفة فتعهدت بها الصين الشعبية والمملكة السعودية اللتان توفران غطاء الدولار الزائف بالبضائع الصينية وبالنفط السعودي.

عموم الشيوعيين ومعهم كل القومجيين والوطنجيين لا يوافقون على القول بأن النظام الرأسمالي قد انهار وانتهى في الستينيات والسبعينيات وما زالوا يبررون خطابهم السياسي الثورجي بالحديث عن الإمبريالية ومطامعها في بلادهم، لكنهم مع ذلك يعترفون بانسداد أفقهم السياسي وانجمادهم حيث هم دون أدنى تقدم، مع عجز فاضح في تفسير ذلك. في كلتا الحالتين، سواء صح الإستدلال على أن النظام الرأسمالي الإمبريالي قد انهار في السبعينيات وخلفه نظام الإقتصاد الإستهلاكي (consumerism) المنافي تماماً للإقتصاد الرأسمالي، أو صحت بالمقابل دعاوى الرأسمالية الإمبريالية التي ما زالت تستغل الشعوب وتتآمر عليها وما رافق مثل هذه الدعاوى من جمود في العمل الوطني والتقدمي، في كلتا الحالتين لا بدّ من لينين آخر يعالج انسداد المنعرج الذي افتتحه فلاديمير لينين في أكتوبر1917 لمسيرة جديدة للعالم وحرّم الرجوع عليه كما بات مؤكداً. العالم المسدودة آفاقه اليوم بحاجة لمن يفتح كل آفاقه نحو مسيرة الخبز والحرية، أو الأصح الإنفكاك نهائياً من قيدي الخبز والحرية في الحياة الشيوعية. العالم اليوم بحاجة للينين مرة أخرى.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في لينين, الماركسية وكلماته الدلالية , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s