الحراك الشبابي في لبنان مقدمة للتغيير أم مراهقة سياسية

الحراك الشبابي في لبنان مقدمة للتغيير أم مراهقة سياسية

حسن عماشا

الحوار المتمدن – العدد: 3407 – 2011 / 6 / 25

الحراك الشبابي في لبنان

مقدمة للتغيير أم مراهقة سياسية

بداية، لا بد من الاشارة إلى أن الحراك الشبابي في لبنان، ليس مجرد صدى للحراك العربي العام, وإن كانت إنتفاضتا تونس ومصرقد شكلتا حافزا كبيرا للشباب والشيب على حد سواء في التحرك.

إن وراء هذا الحراك دوافع وطنيىة حقيقية، تنطلق من حالة الاستعصاء في الأوضاع اللبنانية والتي تطاول كل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والوطنية. وإذا كان الشعار الأبرز المرفوع في طليعة التحرك هو: “إلغاء الطائفية”أو”إسقاط النظام الطائفي”، فإنه إنعكاس للراسخ في الوعي السائد لدى جميع الشرائح الاجتماعية بإعتبار الطائفية هي علة النظام السياسي. وفيها تكمن كل شرور هذا النظام؟.

بعد وصول الحراك “الشبابي” في لبنان إلى حالة من الاحباط، نتيجة عدم تنامي التحرك وإتساعه، فضلا عن الشروخ والافتراقات التي برزت في صفوف الداعين والمنظمينش له من جهة والتعقيدات التي تكشفت في مجمل الدول العربية بداية من تونس ومصر حيث لم تكن النتائج على مستوى الأحلام والآمال. وصولا إلى ليبيا و اليمن اللتين دخلتا في حرب أهلية, من جهة أخرى.

عادت الدعوة للتحرك اليوم بدافع خفيَ يكمن بما يجري في سوريا. حيث يعتقد الداعون إلى إحياء التحرك، بأن امكانية جديدة فتحت لهم بسبب إنشغال سوريا بأوضاعها الداخلية ما يضعف حلفائها في لبنان الذين بحسب إعتقاد هؤلاء، كان لهم اليد الطولى في إجهاض التحركات السابقة. إلا أن شريحة أخرى ممن ساهموا بالحراك الشبابي اللبناني لا زالت تشعر بإحباط كبير نتيجة إعتقاد هذه الأخيرة بأن الشعب في لبنان لم ينضج لتحقيق الديمقراطية وأن الغالبية العظمى من الناس هي طائفية؟.

لم تكن السرعة التي هرب فيها الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، أو التي خلع بها حسني مبارك في مصر، تعبيرا عن ضعف النظام نفسه بما يعنيه من آليات حكم وخيارات إستراتيجية على الصعد كافة. بقدر ما كان بحسب النتائج إعادة تجديد للنظام وإن قدم بعض التنازلات التي تمكنه من الاستمرار بوجوه جديدة. أما في ليبيا واليمن اللتان تشهدان حرب أهلية حقيقية تبين أن النظام الذي يتمتع بالقوة اللازمة في مواجهة القوى الداخلية نجح حتى الآن في الصمود بوجه قوى التغيير والنتيجة المرة والطبيعية في مؤدى هذا الحراك هي أن تتحول “الثورة” من قوة تغيير لأجل المزيد من الحرية والاستقلال إلى قوة إضعاف المناعة الوطنية وزيادة التبيعة الخارجية في النظام نفسه تأمينا لديمومته. نسارع بالقول: أن هذا لا يعني البته أننا ندعوا إلى عدم التحرك على العكس. إنما ما ندعوا إليه هو عدم السقوط في فخ الدعم الدولي ومنح الاستعمار المتجدد فرص جديدة للتحكم بمستقبلنا. وأيا كانت قوة بطش النظام- أي نظام – لا تبرر بحال من الأحوال توفير الفرص للخارج في التحكم بمصائرنا. اما الذين يبررون ذلك فأقصى ما يطمحون إليه هو المشاركة في الواقع القائم على حساب دماء وتضحيات الناس، والمحصلة مزيدا من التبعية والتفريط بالحقوق الوطنية.

أما في سوريا: فيتبرع العديد من الكتاب و”المثقفين” اللبنانيين بتقديم النصح للقيادة السورية حول السبل الواجب إتباعها لتتجاوز أزمتها. سواء من جهة الحريصين على سوريا في موقعها الوطني- القومي، أو من جهة الذين يجدون في الأزمة السورية فرصة للتشفي من قيادتها. فلو أستبعدنا كل الاملاءات الإقليمية والدولية التي تحاول أن تفرض على سوريا خيارات محددة تجاه سياستها الخارجية بالدرجة الأولى وتجاه القضية الفلسطينية على وجه الخصوص. نقول بلا مواربة وبمعزل عن النوايا، أن آخر من يمكنه تقديم النصح للسوريين هم اللبنانيين. سواء كانت النصائح للقيادة السورية أو بالعكس لما يسمى المعارضة السورية. لأن اللبنانيين بلا إستثناء هم أعجز من أن يفهموا واقعهم أو على الأقل يفتقرون إلى الحد الأدنى من القدرة على فعل شيء ينقذ بلدهم من المستنقع الضحل الذي يتخبطون فيه.

حتى كاتب هذه السطور لا يزعم أنه في موقع تقديم النصح للسوريين.

لا شك أن سوريا بحاجة إلى تغيير جذري يتوائم مع تطلعات شعبها ويعزز مكانتها في المنطقة ويتيح المجال لتوظيف أوسع لطاقاتها على مختلف الصعد. وخصوصا في ما خص الدور المركزي لمواجهة الاستعمار الصهيوني. وأخر ما تحتاج إليه سوريا هو الفكرة الساذجة عن الديمقراطية والسائدة في أوساط المثقفين عندنا. لأن في سوريا دروس تاريخية إنبثقت من تجاربها وهي بنت ديمقراطيتها الحقيقية التي منحتها الأمن والاستقرار والنمو في كافة المياديين. سواء أعجب هذا الغرب وأصداءه في بلادنا أم لا.

نعم يجري في سوريا حراك أكبر مما كان يتوقعه أحد، وليس هذا الحراك مجرد مؤامرة خارجية. غير أن الهجمة التي تستهدف سوريا اليوم تتجاوز مطالب هذه الشريحة أو تلك وأثبت الشعب السوري رغم كل ما يعانية، أنه الأكثر وعيا من أي شعب آخر في المنطقة. فهو لم تجرفه الدعاية الغربية – والمستعربة، نحو الفوضى القاتلة بإسم: الحرية، وحقوق الانسان، والتعددية السياسية. وحدهم من يجهلون تاريخ سوريا السياسي والاجتماعي يعيشون وهم أن تتحول سوريا عن خياراتها الوطنية- القومية. أو أن تنحو نحو نظام مشرع الأبواب على الغزو الثقافي والسياسي والاقتصادي الاجتماعي. وهذا شيء يعرفه الغرب تماما، لذا هو يسعى إلى دفع سوريا نحو الفوضى. عبر توفير الدعم المادي والسياسي والاعلامي لكل من يعمل على إثارة القلاقل والبلبلة في سوريا وحولها.

وإلى المتشدقين بالديمقراطية، والمطالبين بالتعددية السياسية في سوريا. نقول: أن الديمقراطية التي تجعل الخيانة الوطنية وجهة نظر هي تشريع للخيانة، لا يمكن لوطني ان يقبل بها إلا أذا كان ساذجا وهو بالنتيجة لا يختلف عن الخائن لقضايا شعبه وامته. كما أن الديمقراطية الغربية بصورتها السائدة والتي يدعوا البعض إلى إعتمادها لا تعني سوى تأمين الاختراق للثقافة والحماية للخيانة في محصلتها النهائية.

أما الديمقراطية التي تلبي تطلعات الشعب السوري وتحفظ قوة سوريا في مواجهة التحديات الوطنية والقومية. هي التي صاغ أسسها الرئيس الراحل حافظ الأسد ووضع حجر الزاوية لبنائها بمعزل عن الشكليات الكرتونية التي تتلطى خلفها الانحرافات الفكرية والسياسية والاقتصادية الاجتماعية.

في خطاب القسم الدستوري عام 1992 يقول الرئيس السوري حافظ الاسد:

” إن صيغة الديمقراطية ليست سلعة جاهزة, تستورد من هذا البلد أو ذاك, وإنما هي الإطار الذي يمارس فيه المواطنون حقوقهم و واجباتهم وفق ظروفهم المرحلية.

وكل مرحلة من مراحل التقدم, والتطور والبناء, نحققها, تقدم معطيات جديدة, في مجالات الحياة المختلفة لا بد من تحقيق توازن دقيق جدا بين الصيغة اعني الهيكلية والقوانين وبين محصلة المعطيات الثقافية والتراثية, والسياسية, والاقتصادية والاجتماعية التي يملكها أو يتمتع بها هذا الشعب . وأي خلل في هذه الموازنة, يحتم أن يعيش الشعب حياة لا ديمقراطية وتبدأ المعاناة مع بداية الخلل و بقدر اتساع الخلل تتسع, لا ديمقراطية الحياة, سواء تقدمت الصيغة على المعطيات أو تقدمت المعطيات على الصيغة.”

(راجع جريدة السفير اللبنانية تاريخ 13/3/1992 )

وفي كلام آخر حول نفس الموضوع قال الرئيس السوري في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية وفي نفس الفترة؛ ردا على سؤال: “إن الديمقراطية بما تعنيه من صيغة و قوانين. يجب أن تتلاءم مع حاجات الشعب, وظروفه التاريخية. فان تقدمت الصيغة على ظروف الشعب وحاجاته, أدت إلى الفوضى. أما إذا تخلفت الصيغة وعاندت في مواجهة تطلعات الشعب تؤدي إلى الثورة” (بتصرف) ونترك للقارئ أن يقيم المقارنة بين هذا الكلام للرئيس السوري؛(البعثي). وبين ما يتشدق به مدعي الثقافة في لبنان والمنطقة العربية وضحالة ما يدعون إليه.

نعود إلى الحراك الشبابي في لبنان:

مم لا شك فيه أن الطائفية هي علة من علل النظام السياسي اللبناني. وهي أيضا إحدى أخطر العلل على مستقبل الاجيال والمعطلة لطموحاتهم.

لكن هذه العلة ترتبط بعلة نشوء الكيان اللبناني. بل مبرر وجوده ككيان سياسي منفصل عن محيطه الطبيعي. وهي حال كل الكيانات العربية التي تمت تجزئتها بفعل التقاسم المصلحي بين قوى اللاستعمار التي حمكت المنطقة إثر إنهيار الامبراطورية العثمانية. (لسنا بصدد تقديم درس في التاريخ؛ أردنا فقط من خلال هذه الاشارة أن نبين جذور التكوين السياسي الاجتماعي للكيان اللبناني). وإن تجاوز النظام السياسي الطائفي في لبنان له شروط مادية ليست متوفرة في لبنان، على عكس الوهم الشائع الذي يصور المسألة الطائفية كأنها مسالة ذهنية تكمن في عقول الناس. فيكفي أن تطلق بعض الشعارات والمحاضرات للتخلص منها.

فالطائفية هي الحصن المنيع حتى الآن لتأمين مصالح الشرائح الاجتماعية المكونة للشعب اللبناني. وإذا كان أحد مظاهر الحماية لهذه المصالح يبرز في حماية الفاسدين في البنية السياسية للطوائف. فهذا لا يعني أنه المظهر الوحيد بل أن كل الموسسات الطائفية: التربوية، الاجتماعية، الدينية. فضلا عن المؤسسات السياسية للطوائف كافة، تجد ديمومتها في إطار النظام الطائفي. ونظرة سريعة على القاعدة الاجتماعية لتلك المؤسسات تكشف أن غالبية ساحقة من الشعب اللبناني تنضوي في منظوماتها. أما الخارجين عليها، تكشف الوقائع تاريخيا إنهم بمجرد إتاحة المجال لهم لإحتلال موقع ما في تلك المنظومات كانوا يسارعون إليه. ولنا في الرموز الحالية خير دليل ومثال. على سبيل الذكر لا الحصر: نهاد المشنوق، سمير فرنجية…

كما أنه من المفيد بهذا الاطار الاشارة إلى تجربة حديثة، عايشها هذا الجيل (الشباب)، وإن لم تكتمل فصولها, لكنها تعطي صورة واضحة عن ما يختزنه النظام الطائفي من قوة قاهرة وقادرة على سحق من يقف بوجهها في إطار منظومة المفاهيم والأدوات التي أنتجها هذا النظام نفسه.

بمعزل عن المواقف المسبقة والأراء السياسية المختلفة أو المتفقة مع الرئيس السابق إميل لحود، لا يمكن لأحد أن ينكر لاطائفية هذا الرجل، وأن فريقه الذي تكون من خارج البنى الطائفية ومن ضباط لم يخضعوا للزعامات الطائفية. إلى ان إنقلبت الموازين وفقدوا الحصانة التي وفرتها الوصاية السورية لهم بوجه زعماء الطوائف. فجردوا من مناصبهم دون أن يكون عليهم مأخذ وحتى التهمة التي وجهت إليهم بقتل الحريري الأب ثبت بطلانها. وإذا كانت المصادفة أنهم من طوائف متعددة فإن طوائفهم لم تحرك ساكنا لحمايتهم. في حين أن ضابط آخر إرتكب الخيانة العظمي في مواجهة العدو الصهيوني لم يجرؤا أن يحاسبه أحد. وأخر قررت الحكومة أن تعزله تعسفيا رفض ولم يجرؤ أحد أن ينفذ القرار لأن طائفته حمته. وآخر الوقائع في هذا المجال كان تصرف اللواء أشرف ليفي بتجاوز وزير الداخلية الذي يرأسه لحماية مصالح فريقه الطائفي. وهنا بالمناسبة تنكشف أيضا هشاشة وعجز من يزعمون أنهم آتون من المجتمع المدني ويتوهمون أن السياسة والسلطة يمكن ممارستها بقفازات بيضاء. وعند الاستحقاق الذي يتطلب موقفا حازما يفرون من المواجهة.

إن تجاوز هذه الحقائق لا يعدو مجرد مراهقة سياسية لن ترتقي إلى أكثر من تجول على ضفاف المستنقع. أن العمل على بناء قوة تغيير حقيقية يبدأ أساسا من خلال مواجهة التحديات الوطنية وفي مقدمتها التحدي الصهيوني. تأمينا للسلامة الوطنية التي بدونها يصبح كل نشاط بنيوي مجرد عبث. وإذا كان هذا تحقق جزءا كبيرا منه في إنتصار المقاومة. يبقى مواجهة الاختراقات الثقافية وتكوين البيئات الحامية للأدوات الاستعمارية بإسم العلاقة مع المجتمع الدولي المرتزقة على أبواب السفارات.

إن المهمة الحقيقة امام الشباب هي تكوين الحد الأدنى من المعارف الضرورية لفهم طبيعة المرحلة وما تحمله من تحديات. وعدم الخضوع للمنطق التعميمي الذي يساوي بين جميع القوى السياسية ولا يجد جوهر الانقسام السياسي القائم بين فريق يتماهى مع متطلبات القوى الاستعمارية وآخر يقاوم هذه الميول وإن كان قاصرا عن لعب الدور المناط به على مستوى تأمين أفضل الظروف للبناء الوطني وتجاوز آثار الحرب الأهلية على مختلف الصعد الوطنية والسياسية والانمائية.

لا يمكن إلغاء الطوائف بل يضمحل تأثيرها بقدر ما تتوفر الشروط التاريخية لتجاوزها.

لقد إنطلق في ثمانينات القرن الماضي شعار ومطلب “تكوين طائفة اللاطئفيين”. رغم تواضعه أمام الشعار الحالي والذي هو بالمناسبة شعارا قديما. لم يتحقق وأبرز الرموز الذين دعوا إليه نجدهم اليوم موظفين برتب مختلفة عند زعماء الطوائف. حتى المحاولة البائسة من الرئيس الراحل إلياس الهراوي لوضع قانون للزواج المدني. فكان كلمة رفض من المفتي كافية لطي المشروع.

إن المهمة الممكنة في المرحلة الراهنة هي في طرح مطلب إعتماد قانون جديد للآنتخابات حتى ولو كان على اساس المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، إنما على قاعدة النسبية وإعتبار لبنان دائرة إنتخابية واحدة. ما يوفر إمكانية كبرى لتغيير ملحوظ في البنية السياسية قد تتجاوز نصف أعضاء البرلمان. وتفتح الطريق نحو مزيد من الاصلاحات السياسية والاجتماعية.

وإعتقادنا أنه يمكن تحقيق هذا المطلب في هذه المرحلة ينبع من أن الغالبية النيابية الجديدة والقوى السياسية التي تمثلها صاحبة مصلحة حقيقية بهكذا قانون فضلا عن قوى أخرى كبيرة إذا ما إجتمعت لأن القانون الحالي والأكثري أبعدها عن قبة البرلمان. لكن هذا يتطلب تحرك متواصل لخلق مناخ عام مؤيد وضاغط يحد من الاعتبارات التي تمنع النواب من المبادرة في هكذا قانون. بذلك يكون الحراك ذو معنى ويمكن له أن يحقق نتائج.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s