ماركس في “الأيديولوجيا الألمانية: الفلسفة رأساً على عقب

ماركس في “الأيديولوجيا الألمانية:

 

الفلسفة رأساً على عقب

 

بقلم:

سيمون أوللي

4 يوليو 2011

ترجمة:

أحمد نور

الناشر:

وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية

هذه المقالة كتبها الرفيق سيمون أوللي (عضو منظمة “البديل الاشتراكي” بأستراليا)، كمقدمة لطبعة جديدة من كتاب الأيديولوجيا الألمانية الذي كان قد كتبه ماركس وانجلز منذ ما يزيد عن قرن ونصف، والذي كان قد أنجزا فيه تصفية حساب شاملة للفلسفة المثالية.

 

(المترجم)

 

“لقد عمل الفلاسفة حتى الآن من أجل فهم العالم، لكن الأهم من ذلك تغييره”. هكذا تكلم ماركس فى خاتمة ” أطروحات حول فيورباخ”، تلك الوثيقة الهامة التي كتبها في العام 1845. و رغم أن هذه المقولة تعد الآن من المقولات الأساسية المأثورة فى الماركسية، إلا أن ماركس و رفيقه انجلز لم يبدءا فى تعرية المغزى الحقيقي لهذه المقولة إلا فى الأعوام اللاحقة لهذا التاريخ.

 

لقد خصص ماركس وانجلز جزء كبير من كتاب “الأيديولوجيا الألمانية” لتصفية حساب ناجزة مع “عصبة الشباب الهيجليين” والتى كان ماركس نفسه منخرطا فيها إبان سنتى دراسته فى برلين. تشكلت هذه العصبة أساسا من عدد من الطلبة والمثقفين الذين سعوا –مقتفين أثر فلسفة الفيلسوف الألمانى هيجل – من أجل تغيير المجتمع، و ذلك عن طريق النقد العقلى للأطر الأخلاقية و الفلسفية والسياسية القائمة فى هذا المجتمع.

 

عقب إتمامه للدكتوراة عام 1841 و معايشتة المبدأية للجوانب الأكثر واقعية للعصر، أصبح ماركس غير راضٍ عن النهج المثالى المجرد للشبيبة الهيجلية. وقد لعبت عدة عوامل دورا مهما فى هذه الانعطافة الفكرية فى حياة ماركس؛ أهمها انتقاله إلى باريس عام 1843 حيث كان على اتصال بالحركة العمالية الصاعدة هناك، ومن خلالها تعرف على انجلز.

 

ومن خلال معايشته المريرة لرجعية السلطات الألمانية خاصة إبان عمله كمحرر لجريدة “الرينانية الجديدة”، تطور وعيه تجاه إدراك أهمية “الابعاد المادية” فى تحديد الواقع الاجتماعى للعصر، الأمر الذى دفعه للتساؤل حول جدوى الجدالات الفلسفية المجردة فى تغيير الواقع. ومن جانب آخر فإن هذا الكشف قد ترسخ داخل عقل ماركس طوال فترة مكوثه فى باريس، ومن ثم استطاع ماركس أن يدرك التناقض الصارخ بين مبادئ الثورة الفرنسية (الحرية – العدالة – المساواة) وبين ما يعانيه الجتمع الفرنسى بشكل حقيقي.

 

ومن ثم أصبحت القضية، فى ذلك الوقت، ليست فى تبني شعارات الحرية والديموقراطية المجردة و الدفاع عنها، ولكن فى مجابهة الواقع المادى والاجتماعى الذى جعل من هذه الشعارات مجرد مادة للتسامر في القاعات المغلقة.

 

أما انجلز، الذى كان قد أمضى وقتا فى مانشستر –المركز الصناعى المتقدم فى بريطانيا– و الذى كان بصدد نشر كتابه “حال الطبقة العاملة فى إنجلترا”، فقد شجع ماركس بقوة فى هذا المضمار. وقبل أن يصدر “الأيدولوجيا الالمانية” لم يكن لدى ماركس وانجلز سوى السخط على ما اعتبراه مقولات جوفاء للقوى الراديكالية الألمانية فى ذلك الوقت.

 

لكنهما أيضاً استطاعا تلخيص رؤيتهما تلك فى المثال التالى:

“ذات مرة، قفزت إلى ذهن أحد المغامرين رؤية مفاداها: أن الناس يغرقون فى الماء فقط لأن فكرة الجاذبية تتملكهم كليا. لكن إذا استطاع أحد ما أن يطرد هذه الفكرة من رأسه بأن قال مثلا أنها فكرة سطحية أو وهم دينى فسيصبح حتما محصنا ضد مخاطر الغرق. وبهذا يقضى المغامر حياته كلها مناضلا ضد وهم الجاذبية الضار والذى من الناحية الأخرى تثبت كل النتائج التجريبية والاحصاءات صحته مع الاسف.. إن الفلاسفة الثوريين الألمان هم من نفس طينة هذا المغامر”.

 

كان الهيجليون الشبان يدافعون بقوة عن (أهمية الارتقاء بوعى الطبقة العاملة) هذا الوهم الذى مازال –للأسف– يطاردنا حتى اليوم. ووفقا لهم فإن كل شرور العالم تنبع من الفهم الخاطئ (وبالتحديد الفهم الدينى) للطبيعة والتاريخ و الأخلاق والسياسة، وبهذا ظنوا أنهم لو استطاعوا تغيير فهم العامة لهذه الأمور فإن العالم سيصبح جنة.

 

ولكن هذه الأحلام النبيلة لم تجدِ نفعا أكثر من –فلنأخذ مثالا– دعوات “الوعى البيئي” كحل للتدمير الشامل للبيئة الذى أدت إليه عولمة الرأسمالية فى عصرنا. هذا الحل الذى يرضى غرور أقلية من الطبقة الوسطى بأن تسمو أخلاقيا فوق (العامة)، أما إسقاط نظام الإنتاج الذى يهيمن عليه الربح من أجل الربح، فهو أبعد ما يمكن أن يفكر هؤلاء فيه.

 

فهم جديد للتاريخ والمجتمع

 

بالنسبة للشباب الهيجليين، فإن الانعطافات التاريخية الكبرى لا يحددها سوى تطور الأفكار. إن مناهجهم فى دراسة التاريخ والمجتمع –هى كما حددها ماركس وانجلز – نازلة “من السماء للأرض”، ومن تأملات “المفكرين الكبار” أو “السياسيين والمستنيرين” نزولا إلى الحياة اليومية للمجتمع والأفراد.

 

و كما ادرك الرفيقان؛ فهذا الفهم “يضع العربة أمام الحصان”، فقبل أن يوجد ثمة عالم نقى وخالص من النمو التاريخي للأفكار والدين والفلسفة والسياسة والقانون وغيرهم، كان حتما قبل هذا وفوقه العالم الأقل مثالية من إنتاج و تطور الظروف المعيشية الرئيسية لحياة البشر. باختصار وبشكل أكثر بساطة: لا يمكن لشخص أن يتفلسف قبل أن يضمن مأكله وملبسه وغطائه (ناهيك عن الاحتياجات الاجتماعية الأخرى).

 

و بالنسبة للرفيقين يرتفع كل تاريخ البشرية فى النهاية على أساس من عمليات الحياة الرئيسية التى يتعاون فيها البشر لإنتاج احتياجاتهم المعيشية. “إن القضايا التى ننطلق منها فى استنتاجاتنا ليست قضايا دوجمائية أو مفتعلة، إنما قضايا حقيقية يمكن تجريدها فقط باستخدام التصور الذهنى، إنها الاشخاص الحقيقيون، حياتهم، نشاطهم، وفى أى ظروف مادية موجودة مسبقا أو يصنعونها بأنفسهم خلال نشاطهم يمكن أن تخضع هذه القضايا للبحث العلمى التجريبي”.

 

وبعكس الهيجليين الشبان، فإن الرفيقين صعدا “من الأرض إلى السماء”، منطلقين من الوقائع التى يعايشها البشر فى كدحهم اليومى –وفقط من هذا المنطلق– مواصلين تحليل ما سمياه (أصداء الحياة الواقعية) فى الأفكار التى نعتنقها عن أنفسنا وعن العالم. هذه القضايا (قابلة للاختبار العلمى) بمعنى أن المسألة تتعلق وحسب بالخروج من البرج العاجى ومعالجة الواقع اليومى للمجتمع.

 

ماهى إذن العناصر الرئيسية لما يسميه الرفيقان (عملية العيش) و(الظروف المادية)؟ يمكننا ببساطة تعريفها بأنها كل ما يدخل فى عملية الإنتاج التى يوفر بها البشر احتياجاتهم المعيشية. هى بمعنى آخر: المواد الخام، أدوات ووسائل الإنتاج وأيضا الجانب الهام للأنواع المختلفة من العلاقات التى يدخل فيها البشر والتى هى ضرورية بالنسبة لهذا الإنتاج.

 

هذه العوامل مجتمعة يسميها الرفيقان (نمط الإنتاج). من هنا فإن نمط الإنتاج هذا هو الذى يحدد شكل المجتمع والأفكار السائدة فيه خلال أى مرحلة محددة من التاريخ: “الأخلاق، الدين، الميتافيزيقيا وكل الأيدولوجيات وأنماط الوعى المقابلة لها، ليس لها وجود مستقل بسيط. لا تاريخ و لا تطور لها دون بشر ينخرطون فى عملية الإنتاج المادى ودون علاقات إنتاج مادية و يصنعون خلال ذلك وجودهم الحقيقى، وأفكارهم، وكل نتاجهم الفكرى. الحياة. الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي، وليس الوعي الاجتماعي هو الذي يحدد الوجود الاجتماعي”.

 

كيف تتغير الأفكار

 

النضال ضد النظام الاجتماعى ليس إذن كما رآه الهيجليين الشبان هجوما على الأيدولوجيات المهيمنة أو (الارتقاء بالوعى)، ولكن النضال الحقيقى هو الذى يسعى إلى إحداث التغيير على مستوى نمط الإنتاج الذى ترتكز عليه هذه الأيدولوجيات. إن الأفكار المهيمنة والمنسجمة مع نمط الإنتاج الاجتماعى الحالى ليس لديها جديد فى “منطق” الجدالات التى تبررها . لكن هذه الهيمنة الأيدولوجية تفرضها سيطرة الطبقة الرأسمالية الحاكمة على القوة المادية للمجتمع.

 

يقول ماركس و انجلز :

“إن افكار الطبقة الحاكمة هى الأفكار المسيطرة فى كل العصور، أى أن الطبقة المتحكمة ماديا فى المجتمع هى نفسها الطبقة المتحكمة فكريا فيه. الطبقة التى لديها وسائل الإنتاج المادى ووسائل تصريفه، لديها فى نفس الوقت السيطرة على وسائل الإنتاج العقلى. باختصار: أفكار الذين لا يمتلكون وسائل الإنتاج الفكرى تظل منحصرة فيهم وحدهم. الأفكار المسيطرة ليست أكثر من انعكاس لعلاقات السيطرة المادية فى المجتمع، ليست أكثر من هذه العلاقات متمثلة ذهنيا “.

 

من هنا يطرح السؤال التالى نفسه: هل يمكن إذن إحداث تغيير حقيقى فى هذا المجتمع على الإطلاق؟ اذا كانت الهيمنة الفكرية لرأس المال على المجتمع ترتكن على كل الوضع الحقيقى لعلاقات القوى والتى تطرح خلالها الطبقة المسيطرة أفكارا تسعى بقوة لترسيخها؛ كالملكية الخاصة، التنافسية، الدولة القومية (كأمر واقع) . أين تقع إذن نقطة الهروب التى يمكن من خلالها أن نجد رؤية أخرى؟

 

من هذه النقطة خطا الرفيقان خطوة واسعة تجاوزت منهج التحليل المادى المباشر للفيلسوف المادي الألماني لودفيج فيورباخ. والذى أسهمت أعماله فى ابتعاد ماركس عن الهيجليين الشباب من قبل.

 

رأى الرفيقان أن الطريق الوحيد الذى لا يرتد بهم إلى المثالية ثانية يبدأ من محاولة تتبع إمكانات التغيير فى المجتمع انطلاقا من دراسة الآليات الداخلية التى تحكم الإنتاج الاجتماعى نفسه. بدلا من الرجوع إلى وهم “التأثير المستقل” للأفكار على هذا المجتمع. و هنا جاء وقت الاستفادة من إسهامات هيجل التى تتلمذ عليها ماركس. فى النهج الهيغلي: تتطور الأفكار نتيجة تعارض الرؤى المتقابلة للعالم (وهكذا الأمر بالنسبة للمجتمع ككل).

 

و بالنسبة للرفيقين مثلت هذه النظرة صورة معكوسة للحقيقة. فحركة التاريخ يحكمها الصراع. لكن هذا الصراع يقع أولا وفى الأساس على جانب القوى المادية وعلاقات الإنتاج. بينما صراع الأفكار والرؤى ليس فى الحقيقة إلا انعكاسا لهذا الصراع المادى.

 

وكلما تطورت وسائل الإنتاج من آلات ووسائل وتقنية بمرور الوقت، كلما أدى ذلك إلى تغيرات فى شروط المعيشة بالنسبة للطبقات والمجموعات الاجتماعية المعينة فى نفس المجتمع. وعند مرحلة معينة تؤدى هذه الظروف الاجتماعية الجديدة إلى صراع تسعى من خلاله هذه المجموعات والطبقات إلى تغيير علاقات الإنتاج لصالح دورها الجديد فى دورات الإنتاج.

 

هكذا يشرح ماركس و انجلز المسألة:

“هذا التناقض بين تطور قوى الإنتاج من ناحية، وعلاقات الإنتاج القائمة من ناحية أخرى -و الذى كما رأينا تكرر مرات عديدية عبر التاريخ- هذا التناقض يعبر عن نفسه فى شكل انفجار ثورى، و هذا الأخير له العديد من الظواهر المصاحبة، على سبيل المثال: الصراعات الأيدولوجية، الصراعات الطبقية المختلفة، تناقضات الوعى الاجتماعى، صراع الأفكار، ناهيك عن الصراع السياسى. وهكذا فكل الصراعات فى التاريخ لها بشكل أو بآخر جذور فى هذا الصراع الأصلى بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج الاجتماعى”.

 

و قد أوضح ماركس وانجلز هذا الأمر فى كتاب “الأيدولوجيا الألمانية” آخذين فى اعتبارهما كيف نمت الطبقة البرجوازية خلال قرون فى ظل النظام الإقطاعى. وأوضحا كيف أن تطور تقنيات الصناعة من تقدم ووسائل الاتصالات وطرق النقل وغيرهما (بمعنى آخر تقدم مستوى وسائل الإنتاج) كيف كرس كل هذا الأساس لزيادة ثروات وقوة البرجوازية، وكيف أدى كل هذا إلى ثورات مثل الثورتين الانجليزية والفرنسية، حيث استطاعت البرجوازية أن تتحرر من القيود التى فرضها النظام الإقطاعى عليها (عن طريق علاقات الإنتاج التي كانت قائمة فى ذلك الوقت).

 

دور الطبقة العاملة و ضرورة الثورة

 

قبل كتابة “الأيدولوجيا الألمانية” عام 1845، كانت البرجوازية قد رسخت وجودها باعتبارها الطبقة المسيطرة سياسيا فى أوروبا. وأصبحت شعارات الحرية والمساواة و الإخاء -وهى الشعارات التى استغلتها البرجوازية لتحشد الجماهير الشعبية ورائها فى معركتها ضد الإقطاع- أصبحت طى النسيان فى خضم اللهاث وراء زيادة معدلات الربح، و (اللعبة الكبيرة) للاستعمار وخلافه.

 

من ناحية أخرى تحدث ماركس وانجلز عن نفس هذا الوقت الذى يشهد “شبح يجتاح أوروبا” على حد قولهما فى البيان الشيوعى. إن نفس التطورات التى أدت إلى صعود البرجوازية، أدت فى الجانب الآخر إلى تكوين طبقة جديدة “البروليتاريا” أو الطبقة العاملة، و هى بحق مصدر كل الثروات والقوى التى اعتمد عليها الرأسماليين والتى افتتحت بحكم ظروف وجودها عصرا جديدا من التغييرات الجذرية.

 

كما مهد بزوع البرجوازية من داخل النظام الإقطاعى للصعود العالمى لاأسلوب الإنتاج الرأسمالي، كذلك فإن بزوغ الطبقة العاملة يتيح إمكانات الانتقال إلى نظام شيوعى مغاير تماما لسابقه.

 

المهم أن نفهم أن الشيوعية ليست حلما مثاليا بمجتمع جديد. و قد أوضح ماركس وانجلز هذا جيدا: “الشيوعية التى نعنيها ليست دولة الأمانى التى علينا أن نؤسسها. ليست نموذجا على الواقع أن يكيف نفسه على مقاسه. وإنما نعنى بالشيوعية الحركة الحقيقية التى تقضى على نظام الأشياء الآنى، وشروط هذه الحركة تأتى من ممهدات مسبقة هى موجودة الآن بالفعل”.

 

ماذا كانت إذن هذه “الممهدات” للشيوعية التى استطاع الرفيقان أن يتبيناها فى واقع القرن التاسع عشر في أوروبا؟ وعلى أى أساس توصلا إلى أن نضالات العمال، التى عايشاها -وليس المستقبلية منها- فى مواجهة ظروفهم المعيشية فى ظل نمط الإنتاج الرأسمالى قادرة على “إسقاط نظام الأشياء القائم”؟

 

مرة أخرى , أدرك ماركس وانجلز أن مستويات تطور قوى الإنتاج تتطور بشكل هائل. أولا: مع التقدم الرهيب في الصناعة والتجارة التى صاحبت ظهور الرأسمالية، أصبح فى الإمكان –لأول مرة فى تاريخ البشرية– تحقيق مساواة مادية حقيقية فى المجتمع دون الوصول إلى حالة الفقر المنتشرة. ثانيا: أن التراكم السريع للثروات فى ظل النظام الرأسمالى بنى بفضل عمل العمال، الذين يستبعدهم دورهم فى هذا النظام من جني أرباحه. تماما كما حاربت البرجوازية من قبل لتحطيم القيود الإقطاعية المفروضة عليها، كذلك الطبقة العاملة تستطيع أن تجني ثمار عملها فقط إذا تضامنت للنضال ضد ظروف معيشتها فى النظام الرأسمالى.

 

و بسبب طبيعة دورها (أى الطبقة العاملة) العضوى فى النظام. يستطيع هذا النضال أن ينضج فقط من خلال نوع من التنظيم الجماعى الذى سيصبح الجنين للأشكال الجديدة التى سيدار بها المجتمع. قوة العمال تكمن فى قدرتهم على تعطيل عملهم ومن ثم وقف تدفق الأرباح للرأسماليين من مصادرها الأولية. ولكى يتحقق هذا عليهم أن يوحدوا أنفسهم بطريقة تجعلهم يتحركون كوحدة واحدة. ومنها نرى أن مع تطور الرأسمالية العمال ينظمون أنفسهم في نقابات وفى أشكال أخرى من المنظمات العمالية، التي تكون معنية بالأساس بهذا التعطيل المنظم للعمل، والتى فى ظروف ثورية يمكن لها أن تتطور إلى منظمات تدير الإنتاج لصالح العمال. هذا بالضبط ما حدث فعلا فى الثورة الروسية 1917 مع السوفيتات، ومع لجان العمال و الأشكال الشبيهة التى ظهرت فى ثورات: ألمانيا (1918 – 1923) – اسبانيا (1936) – المجر (1956) – إيران (1979) وفي الكثير من الحالات الأخرى.

 

و إذا لم تكن قوة الحركة العمالية عام 1845 كافية لتقضى على الرأسماليين فى العالم، فقد ركزا على أن الثورة هى التتويج الوحيد لهذا النضال الاجتماعي. فالتحول الشيوعي برأيهما ليس بالشئ الذى يحدث تلقائيا خلال التطور التدريجى.

 

“الثورة ضرورة.. ليس فقط لأنها الطريقة الوحيدة لإزاحة الطبقات المسيطرة، وإنما أيضا لأن الطبقة التى تقوم بها تستطيع فقط من خلالها وحدها أن تطرح عن كاهلها أثقال العصور السابقة، ومن ثم تصبح قادرة على خلق مجتمع جديد”.

 

الرأسماليون يمارسون سلطتهم بطرق عدة: أكثرها مباشرة هى أجهزة القمع المباشر للدولة (القوات المسلحة، الشرطة والمحاكم، وغيرها). أيضا يعتمدون على ثقل البناء الفوقى للمجتمع متمثلا فى: بيروقراطية الدولة، نظام التعليم و الإعلام، إلخ.. هذه الوسائل جميعا تمارس ضغطا كافيا لاقناع العمال أن الرأسمالية هى “الطريقة الوحيدة التى يمكن ان تسير بها الأمور”. الثورة إذن هى الطريق الوحيد التى يمكن للعمال خلالها تحطيم الأسس المادية والايدولوجية للطبقات المسيطرة, و فى نفس الوقت تكتسب الطبقة العاملة الثقة والخبرة اللازمتين لتمارس دورها القيادى فى التأسيس لنمط إنتاج اشتراكى جديد. فهم جديد للتاريخ و المجتمع وأفول الأفكار والبنى وإمكانات إشراق جديد لمجتمع اشتراكى يشق –عن طريق الثورة– ظلمات الرأسمالية.

 

يحمل كتاب “الأبدبولوجيا الألمانية” قدرا كبيرا من التشويق يضاهى أعمال (دان براون). بالطبع مع فارق أن الأخيرة ليست سوى شطحات مفارقة للواقع. والأهم، يعرض الكتاب المبادئ والوسائل الرئيسية للتحليل الماركسى مبرزا الأطر العامة للماركسية التى نجحت فى اختبار الزمن. الحركة الشيوعية واقعا ممكنا نراه فى كل الثورات العمالية التى اندلعت خلال القرن والنصف قرن الماضى من الرأسمالية، كما نراه فى “كل جذوة تحت الرماد” تشتعل يوميا فى نضالات العمال فى اماكن العمل و المصانع عبر العالم.

 

لم ينشر كتاب “الأيدولوجيا الألمانية” أبدا فى حياة ماركس وانجلز، وبعد أن رفضه العديد من الناشرين الألمان مرتعدين من تحريضه الصريح على الثورة، أبدى ماركس ارتياحه لصرف النظر عن الكتاب عارضا إياه “للنقد القارض من قبل الفئران”، على حد تعبيره. وبرغم أن الكثير من كتابات ماركس في الفلسفة لم تُنشر في حياته، إلا أن كتاب “الأيديولوجيا الألمانية” يستحق عناء الدراسة بشكل خاص.

 

* تم نشر المقالة لأول مرة في مجلة “البديل الاشتراكي” الأسترالية، العدد 116 – مايو 2011

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في ماركس وانجلز وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s