الأنظمة “تعلّمنا” الحب؟! / بقلم روجيه عوطة

الأنظمة “تعلّمنا” الحب؟! / بقلم روجيه عوطة

 جريدة النهار اللبنانية–

السبت 30 تموز 2011 – السنة 78 – العدد 24463

 

تظن الأنظمة أنها تعلّمنا كيف نعيش، وأنها تمدّنا بأسرار الحياة كلها، من التربية والأخلاق، إلى التعاون والاحترام والتفاهم. ترفع ظنونها من مستوى قوتها وسيطرتها لتجد في كل صفة اجتماعية ركناً لها وحيّزاً تعمل على تغيير طبيعته وتفخيخه حتى يستمد صيرورته منها ومن مؤسساتها المتلاحمة في القمع والقبض على حياة الناس.

لا تتوقف الأنظمة عن تلقيننا دروساً في الحب، ذلك لأنها قادرة بمنظومة فكرية أساسها الدين والإيديولوجيا أن تتلاعب بجوهره لتفترض أنه يختفي مع اختفائها، وأن العلاقات العاطفية تندثر مع اندثارها، ومع سقوطها لن يعود هناك مجال لارتكاز الحب على أسس متينة. قلبها هو الوحيد في مقدوره محبة كل الناس، وهؤلاء ليس في استطاعتهم أن يتحابّوا إلا بالوقوع في حبّ الأنظمة أو من خلالها. الأنظمة تعلّمنا الحب وترثيه في الوقت نفسه.

كانت فيروز تُغنّي، فدعت مقدمة أحد البرامج الفنية، على التلفزيون السوري، المجتمع وأفراده إلى التحابّ بقولها: “تعالوا نحب بعضنا البعض، فالوطن يحبنا”، وتأكيداً لهذا التطلع العاطفي، هزّ ضيفها رأسه وتساءل: “لِمَ علينا أن نحقد على جيشنا، الجيش يحبّنا والأمن يسهر على راحتنا؟”. لكن، لماذا تتردد عبارة الحب في كل مرة يحاول الشارع التحرك في وجه طغاة الأنطمة؟! لم ننس بعد خطاب حسني مبارك ما قبل الأخير الذي دغدغ به عواطف المجتمع، ولا خطاب بن علي عن تفهمه حاجات الناس وتعاطفه معهم، ولا خطب القيادات السياسية في لبنان التي تذكّرنا بأننا أحباء دائماً، الأمر الذي سخر منه زياد رحباني، في مسرحية “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”، حيث يظهر مواطنان، عيّنهما النظام الأمني، أمام الكاميرا، يتبادلان القبل والتحية كلما تطرق مراسل المحطة التلفزيونية الفرنسية في حديثه إلى موضوع الحرب. عن أيِّ حب تتحدث الأنظمة، وما مغزى هذا الحديث المتكرر في أجهزتها الدعائية والإعلامية؟

الحب المأسوي

يعطي النظام مضموناً كلياً للحب فيصل به الأمر إلى تأليهه، مستفيداً من أبعاده الإيديولوجية الدينية، التي تعينه على محو تناقضات الواقع وتذريره. يكرس الصراع بشكل تضليلي في المجتمع، أي أنه صراع بين أصحاب أهواء وأفكار متضاربة، موظّفاً هذا التضليل ليشدد على أهمية دور إيديولوجيته في التعويض عن تفكك المجتمع وانفصاله عن نفسه. فالناس، بالنسبة إليه، لا يعرفون كيف يحبّون ولا كيف يشبعون حاجاتهم، لذا لا بد من إرساء قوانين تسمح لهم بالتمييز بين الحب والكراهية، الصداقة والحقد. غير أن هذه القوانين تتناقض ذاتياً، لأنها تضع الإنسان بين خيارين، خيار الحب المأسوي الهارب من مقارعة الحياة الفعلية، والباحث عن نفسه في الفكر المثالي أو في مرايا الدين الإيديولوجية، وخيار الحب الذي في إمكانه مواجهة تناقضات الواقع الفعلية على رغم الصعاب التي تعوق ظهوره بشكل ملموس. بين هذين الخيارين، يقف الإنسان ككل شخصية تراجيدية تبحث عن حقيقتها، إما في الوهم وإما في العمل. دعوة النظام إلى الحب هي دعوة إلى مسرحية مأسوية.

يمر الحب المأسوي بماكينة النظم الشمولية ويتجرد من نفسه ليحصل على شكل موضوعي ومطلق. فنحن نحب كل الناس بواسطة فكرة الحب، التي يقف النظام الإيديولوجي وراءها. تالياً، لا مناص من الحب إلا من خلال هذه الإيديولوجيا. لكنه حب فقير وفارغ، لأن الشعور به وهمٌ أولاً، ولأنه ثانياً، لا يحقق أي هدف من أهداف الحب الحقيقية، ولأنه ثالثاً لا يستطيع تأمين التوازن بين الناس، بل يكتفي بطقوس الكلام والعاطفة البحتة، ويقتصر دوره على التأمل في ما يجري من دون تحمل أي مسؤولية. يعلّمنا النظام هذا الشكل من الحب الذي يطبّقه القادة دائماً، فهم يحبّون الناس، كما يقولون، لكنهم لا يحبّون حرياتهم ورغباتهم، وقد يُخرجون المعتقلين من السجون لكنهم لا يلغون السجون، لأنهم ببساطة يلغون أنفسهم بذلك.

حبّ في وسط الجحيم

مع تشوّه مضمونه، يدفع الحب ثمن كليته المأسوية، فإما يصير أداة من أدوات النزاع والمصالح والكراهية، وإما يبتعد عن السياسة ويتجاهل القمع والاستغلال في المجتمع. في الحالتين لا ينجو من المشاركة في العنف وشرعنة سياسة القمع. لا يعلن أصحاب الحب اللامبالي وقوفهم الواضح إلى جانب القامعين ولا في صف المقموعين، ويسعون إلى إنقاذ أنفسهم فقط. يقبلون ببناء الفردوس الشخصي في وسط الجحيم، وليس ذلك سوى ترجمة مباشرة لحبهم الأناني الملوّث إيديولوجياً.

نحن في حاجة الى أكثر من الكلام كي يكتمل الحب، فهل يمكننا أن نحب الغير من دون أن ندافع عن حقوقه ونقف إلى جانبه في وجه ما يهدد حياته؟ أثبت الحب المأسوي أنه لا يحل أي مشكلة، فهو عاجز عن تغيير الواقع ومنع العنف، حتى لو مد يد المساعدة للآخرين. فالإيديولوجيا، الدينية خصوصاً، تعجز عن التوفيق بين الحب الشخصي والحب الغيري، بين ثنائية العام والخاص. يتناقض حب الذات، بالنسبة إليها، مع حب الغير، وبذلك توجه ضربة أخرى لمفهوم الحب. في الواقع، لا شيء يهدد الحب سوى تقوقعه وعدم انفتاحه على الجميع. وحده التحرر من هذه الثنائية الإيديولوجية هو الذي يكفل توفير الشروط الاجتماعية والثقافية للحب الإنساني. فالحب الناتج من الحرية يزيل مأساته، ويتخطى التعارض بين المصالح الشخصية والمصالح الغيرية.

“منحبّك” أغفر لنا حريتنا

أغنية “منحبّك” التي يبثها التلفزيون الرسمي مع بعض الصور التي تجمع بشار الأسد مع شعبه، خير مثال على عظمة قادة الأنظمة في العالم العربي. عظمة تنبع من عظمة وسائل القمع الاجتماعي المتوافرة تحت يد كل قائد يملك سلطة تتجاوز حدود الأرض لتصل إلى حدود السماء وتأخذ طابعاً إلهياً بكل صفاتها المعبودة والموجودة في تفاصيل الحياة التي لا يحميها سوى حب القائد الخالد. بواسطة هذا الحب يكفِّر المجتمع عن ذبوبه، ويُغفَر له ويتوب، تالياً يدخل الجنة بعد التضحية بحريته.

الإصلاح: حب مازوشي

“الإصلاح هو الحل”، يقول البعض مبرراً ذلك بعدم أهلية المجتمعات ديموقراطياً، التي لا تزال مقسومة عشائرياً وعائلياً وطائفياً ولا تعرف عن “المواطنية” أي شيء. لذا من المجدي أكثر الإنطلاق بمسيرة الإصلاحات بعد فصول من “الحوار” بين القادة والمعارضين. لكن، أليست الدعوة إلى الإصلاح احتفاظا بموضوع الحب المأسوي وتخلياً عن الحرية، في حين تستمر الأنظمة في توجيه ضرباتها للمجتمع ويسيل الدم في كل الاتجاهات؟ يكفي أن يكون النظام العنفي طرفاً في “الحوار” حتى يتحول التحاور فعلاً مأسوياً، يتخلى فيه المجتمع عن حقه في التحرر لصالح حب القيادات الكاريكاتورية. الإصلاح دعوة إلى الرضوخ مازوشياً للنظام الذي يمارس ساديته ويتحدث بلسان الغفران وإطلاق المعتقلين والكف عن كبت الحريات.

حب في الشارع

بو عزيزي الذي أشعل الثورة في تونس بحرق نفسه، الشباب الذين استشهدوا في سبيل تحرير المجتمع في مصر، التلامذة الذين خطّوا بداية الثورة في سوريا على جدار مدرستهم في درعا، الشاعرة التي سجنها النظام في البحرين بسبب قصيدة كتبتها ضده، الفتاة التي قادت سيارتها على الطريق في السعودية، بالإضافة إلى كل حر في العالم، كلهم أكدوا أن في إمكان المجتمعات أن تتحابّ من دون وساطة الأنظمة ومن دون النظر في مرآة الإيديولوجيا، وهم حصلوا على حبهم من جوهرهم الإنساني، وأعادوا الى الإنسان في المجتمع ما نُسب للقائد على عرشه. فلنتذكر جميعاً أن قلب الشارع لا يمكله أحد.

Advertisements

About منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني

موقع منظمة علي النهري في الحزب الشيوعي اللبناني
هذا المنشور نشر في فن/أدب/وجهة نظر وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s