ائتلاف اليسار السوري – مهماتنا في الثورة الراهنة

مقدمة:

على ضوء الانتفاضة الشعبية التي بدأت منذ 15 آذار في سورية، تبلور ائتلاف بين مجموعات وأفراد من اليسار المشارك في الانتفاضة، بهدف تنسيق النشاط فيما بينهم، ومن أجل تطوير الحراك، وتفعيل دور العمّال والفلاحين وذوي الدخل المحدود المشاركين في هذه الانتفاضة، وأصدر الوثيقة التالية:

انتفضت قطاعات واسعة من الطبقات الشعبية من أجل التغيير، بعد قهر استمر خمسة عقود، فلم يسمح لها بالتنظم كقوة مستقلة عن السلطة، انتفضت بعد أن بلغ النهب الذي يمارسه “رجال الأعمال الجدد” والقدامى حداً أفقر كتلة كبيرة من هذه الطبقات.

لقد تحكمت فئة ضئيلة بمفاصل الاقتصاد وحوّلته من اقتصاد منتج (في الزراعة والصناعة بحدود معينة) إلى اقتصاد ريعي يقوم على الخدمات والاستيراد والعقار والسياحة والبنوك. هذه العملية التي حققتها سياسة اللبرلة التي نفّذت خصوصاً في السنوات العشر الماضية، في ظل الحديث عن سياسات “التحديث والتطوير”، والتي أفضت إلى زيادة كبيرة في نسبة العاطلين عن العمل، ونشوء اختلال كبير في الوضع المعيشي للطبقات الشعبية، التي لم ترتفع أجور العاملين منها سوى بنسب ضئيلة مقابل الارتفاع الهائل في أسعار السلع والخدمات والتعليم والصحة بعد اكتمال الانفتاح الاقتصادي وتحرير السوق، رغم أنه بات محتكراً لفئة ضئيلة من “رجال الأعمال الجدد”.

ولقد كان الطابع الاستبدادي للسلطة، الذي تشكّل منذ خمسة عقود تقريباً، وتحكم الأجهزة الأمنية، مع غياب المؤسسات والقانون، هو الغطاء الذي سمح بنهب منظم ومريع لمجهودات الطبقات الشعبية حين كانت الدولة هي “رب العمل”، ومن ثم سمح لتحقيق التحول الليبرالي دون مقدرة على المقاومة بعد انهيار الحركة المعارضة بفعل قسوة الاستبداد، وأزماتها هي بالذات.

لهذا كان من الطبيعي أن تثور هذه الطبقات، وأن تبدأ انتفاضة عارمة بهدف تحقيق التغيير، وانتزاع الحريات السياسية، على أمل أن تحقق وضعاً أفضل يسمح لها بعيش كريم وحياة مستقرة.

الثورة إذن، هي ثورة الطبقات الشعبية، وإنْ لم تتخذ طابعاً طبقياً واضحاً بعد. لكننا نلمس اندفاع العاطلين عن العمل، وتحرّك الريف الذي أدت سياسات إخضاع الاقتصاد المحلي لتقلبات الأسعار العالمية، بعد تحقيق الانفتاح الكامل، إلى انهياره بعد رفع أسعار المشتقات النفطية والتقاوي والأسمدة. وسنلمس تحرّك العمال الذين يعيشون أبأس حياة نتيجة الأجور المنخفضة، في “القطاع العام” وأسوأ في القطاع الخاص، وكذلك موظفي الدولة الذين لا تسمح أجورهم بأدنى ممكنات العيش.

ولأن الأفق بات مسدوداً بفعل قسوة السلطة، وبات العيش أصعب مما يمكن احتماله، كان لا بد من التحرر من كل عقد الخوف والتخوف، ومن ميول التكيف والالتفاف على الأزمة العميقة التي باتت تعيشها، أزمة الفقر والجوع، والبطالة والتهميش والقمع والتدخل الأمني لمنع كل تعبير بسيط عن الأزمة. ولهذا خرجت تطالب بالخبز والحرية معاً.

لا بد إذن، من أن نحدد دورنا في الثورة الراهنة، كماركسيين ثوريين، يلتصقون بالطبقات الشعبية ويدافعون عنها، ويسعون لأن تصبح هي القوة الحاكمة، من أجل تأسيس دولة مدنية حديثة تقررها الإرادة الشعبية، إرادتهم هم، بما يقود إلى حل الأزمات العميقة التي نشأت، في الاقتصاد والتعليم والصحة، وفي بنية الدولة التي تكرست كسلطة مستبدة.

سوريا التي نريد:

تشكلت الدولة بعد الاستقلال كتعبير عن حاجة الإقطاع المتحوّل إلى التجارة. كما تشكلت بعد الانقلابات كسلطة دكتاتورية أبوية تتحلى بأساطير القرون الوسطى عن الحاكم. ورغم كل الأشكال “القانونية” و”المؤسسية” و”الدستورية” التي تمظهرت من خلالها. فقد ظلت سلطة حاكم فرد. لهذا لا بد من تأسيس دولة مدنية حديثة، ديمقراطية وعلمانية، وبرلمانية. تقوم على أساس المواطنة، وبأن الشعب وحده هو مصدر السلطات، وتقرر الحريات العامة كلها، حرية التنظم وحق الأحزاب في النشاط من خلال الإخطار فقط، حرية الرأي والتعبير والمعتقد، وحرية الصحافة بمختلف أشكالها (الورقية والمرئية والمسموعة) وفق ضوابط تقرر في الدستور. وحرية الإضراب والتظاهر وكل أشكال الاحتجاج من خلال الإخطار فقط. وحريات النقابات والاتحادات وكل أشكال التجمعات التي تعبّر عن طبقة أو فئة اجتماعية أو جنسية أو عمرية. على أن ينتظم كل ذلك في دستور يقرر فصل السلطات وتداول السلطة، يقر من قبل الشعب ذاته.

ولما كان الأساس في كل الحراك الثوري الحالي هو الوضع المزري الذي وُضعت فيه الطبقات الشعبية، ولحل مجمل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، لا بد من تغيير النمط الاقتصادي الذي تشكل خلال العقود الماضية، والذي هو أساس التبعية للإمبريالية، بحيث نعيد التأكيد على أن وجودنا وتطورنا يعتمدان على أن لا يجري الاعتماد على الاستيراد في كل ما نحتاج، بل أن نؤسس اقتصاداً منتجاً، يوفر احتياجاتنا ويوجد فائض قيمة يسمح بزيادة مضطردة في الأجور وفي تحسين الخدمات.

لهذا لا بد من حل المسألة الزراعية، بالعودة إلى الاهتمام بالأرض، ودعم الدولة لتطوير الزراعة ومساعدة الفلاحين بعد الأزمة التي أحلت بهم، ودعم كل مستلزمات الزراعة، وتسويق المنتوج. وبالأساس الحفاظ على الملكيات وتعزيز التعاون بين الفلاحين. حيث يجب أن نأكل ما ننتج. لهذا لا بد من ضمان أسعار المشتقات النفطية والتقاوي والأسمدة، ودعم كل ما يؤدي إلى مكننة الزراعة.

كما لا بد من العمل على تجديد الصناعات القائمة والتوسع في البناء الصناعي، حيث لا يمكن لمجتمع أن يعيش في هذا العصر دون أن تكون الصناعة هي قوة الإنتاج الأساسية فيه. وإن استيعاب العمالة الوافدة كل عام لن تكون ممكنة دون هذا التوسع الصناعي. وكذلك إن بناء دولة مدنية حديثة لن يتحقق على اقتصاد ريعي طفيلي، ومافياوي، ويخضع لتقلبات الأسواق العالمية، ولشره الطغم المالية الإمبريالية.

والحاجة لكل ذلك تفرض تطوير البنية التحتية لكي تستوعب هذا التطور الاقتصادي، وتؤسس لرفاه الناس. كما تفرض إعادة بناء التعليم لكي يؤسس لأجيال تعرف ما ستشتغل به، وتتقن العمل، وليس حملة شهادات لا قيمة لها سوى الإتيان بموظفين لا معرفة لديهم. فالبناء الصناعي لن يكون ممكناً دون المعرفة والعلم، والدولة المدنية ليست ممكنة في مجتمع يسوده وعي القرون الوسطى.

ولهذا لا بد من أن تلعب الدولة دوراً أساسياً في تحقيق كل ذلك، من خلال ضبط العلاقة بين السوق المحلي والسوق الرأسمالي الإمبريالي لكي لا يهرب الفائض إلى المراكز التي تجهد من أجل نهب كل الرأسمال المتراكم في الأطراف. إن ضعف ميل الرأسمال إلى النشاط المنتج (بغض النظر عن كل القوانين التي يمكن أن تصاغ) يفرض أن تقوم الدولة بكل ذلك، لكن دون منع الرأسمال الخاص من النشاط، وإنما مع كبح ميوله للتوظيف في ما هو غير منتج، ودفعه للنشاط في القطاعات المنتجة بالتحديد. فدون ذلك سوف يتكرر إنتاج النمط الريعي وسيطرة المافيا، ويزداد التفاوت في الدخول، فتدخل الديمقراطية الوليدة في أزمة قد تؤدي لعودة الطابع المستبد للسلطة، لأنه الطابع الضروري للحفاظ على التفاوت الاقتصادي، والتهميش للقطاعات الأوسع في المجتمع.

لهذا يناضل ائتلاف اليسار السوري من اجل:

من أجل اقتصاد منتج يستوعب البطالة والعمالة التي تدخل السوق سنوياً.

من أجل اقتصاد يحقق عيشاً كريماً للعاملين، من خلال أجور متوازنة مع الأسعار، وتحقق وضعاً مريحاً.

من أجل حق العمل، وأجر للعاطلين يمثّل الحد الأدنى للأجور.

من أجل تعليم مجاني وعلمي.

من أجل ضمان صحي حقيقي.

من أجل ضمان اجتماعي شامل.

من أجل سكن لائق.

التوزيع العادل للتنمية الاقتصادية في مختلف أقاليم الدولة ومناطقها.

هذا ما تريده الطبقات الشعبية، وتثور من أجله. وهذا ما يجب أن يكون في أساس مبادئ النظام الجديد. ولكي يكون ديمقراطياً،يناضل ائتلاف اليسار السوري من اجل:

من أجل دستور يقرر كل الحريات وينطلق من فصل السلطات وفصل الدين عن الدولة.

من أجل حرية تأسيس النقابات والاتحادات التي تدافع عن منتسبيها، من العمال ومن المهنيين، ومن كل الفئات الاجتماعية التي لديها مطالب محددة.

من أجل رقابة شعبية على نشاط الدولة السياسي والاقتصادي.

من أجل قانون مدني للأحوال الشخصية.

من أجل دور متساوٍ للرجل والمرأة.

ونحن إذ نركز على الثورة الراهنة لا بد من أن نؤكد على أن صراعنا من أجل التغيير الآن يتأسس على رؤيتنا العامة للصراع ضد الإمبريالية:

نحن مع المقاومة، ومع تطوير الصراع إلى حرب حقيقية من أجل تحرير الأرض.

ومع الاستقلال الكامل عن الإمبريالية وعن النمط الرأسمالي، حيث لا استقلال في ظل التبعية الاقتصادية التي تفرضها حتماً السياسات الليبرالية.

ونحن مع الصراع ضد الدولة الصهيونية من أجل فلسطين محررة.

ومع الترابط مع كل الثورات العربية من أجل استنهاض مشروع ثوري تحرري جديد في الوطن العربي، ينطلق من الاستقلال ويهدف إلى الوحدة وتحقيق التطور والحداثة، في أفق تحقيق الاشتراكية.

فلا إمكانية لتطور داخلي، ولا إمكانية لبناء صناعة حقيقية أو تطوير الزراعة، في ظل التحاق بالرأسمالية. ولا إمكانية لتجاوز الاقتصاد الريعي المافياوي إلا بالقطع مع الرأسمالية والسعي لتجاوزها.

المسألة هنا هي مسألة مصير وليست مسألة خيار فقط، حيث لا يمكن تحقيق التطور دون صراع حقيقي مع الإمبريالية، ولا يتوهم أحد بأن بإمكانه ذلك لأنه سوف يعيد إنتاج النمط الريعي المستبد القائم.

مهماتنا في الثورة:

على ضوء ذلك، يجب التعبير عن العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين، وهو الأمر الذي يعني تطوير الانتفاضة للوصول إلى تحقيق الشعار الذي طرحته، أي شعار الشعب يريد إسقاط النظام. فلا إمكانية لاستمرارية نظام خرج الشعب من أجل تغييره، ولا إمكانية لقوى جذرية أن تطرح ما هو دون سقف المطالب الشعبية. هذا الأمر يفرض التفكير في كل السبل التي تسمح بتطوير الانتفاضة، بتنظيم آليات نشاطها، وبتحديد الشعارات التي تعبّر عن مطالب الطبقات الشعبية حقيقة، وكذلك بالأهداف التي تطرحها.

لم تخرج الطبقات الشعبية من أجل إصلاح أو تحسين وضع فقط بل خرجت من أجل مطالب أجبرتها على أن تكسر حالة الخوف من السلطة، ودفعتها إلى ميدان الصراع من أجل تحقيقها. ولم تعرّض ذاتها للموت إلا لأنها توصلت إلى أن ما من حل سوى في إسقاط السلطة، وتحقيق التغيير الذي يؤدي إلى أن تحقق مطالبها. وعلينا أن نعمل معها على ذلك، علينا أن نبلور مطالبها، وأن نسهم في تفعيل حراكها، وأن ندفعها إلى الأمام لكي تصل إلى الانتصار.

وفي كل الأحوال لن تتوقف الثورة قبل أن تحقق الحل الذي يتضمن مطالب هذه الطبقات، حتى وإنْ كان التغيير سيتحقق على مراحل وصولاً إلى أن تفرض مطالبها. لكن لا بد الآن من العمل على تفعيل الحراك الثوري ومأسسته وتحديد المطالب الأساسية التي يمكن أن تُفرض. فالسلطة ستعجز عن وقف الانتفاضة، لكن ضعف القوى الثورية سوف يفتح المجال لمحاولة تهدف إلى تحقيق تغيير شكلي في بنية السلطة دون لمس سيطرة الرأسمالية المافياوية، أو بتقليم أظافرها لمصلحة رأسمالية أخرى. وهي المحاولة التي تقوم على رفض مطالب الطبقات الشعبية بتغيير النمط الاقتصادي، وإن كان يمكن أن تحقق مطلباً ديمقراطياً إلى هذا الحد أو ذاك.

ولهذا لا بد من أن تحدد قوى الانتفاضة البرنامج الذي يطرح مطالبها كلها لكي يكون الحد الواضح لكل من يريد اللعب على أكتافها. ولقد أشرنا للتو إلى المطالب الأساسية التي هي الحد الأدنى الآن، والتي دون حلها لن يكون ممكناً وقف الانتفاضة، حتى وإنْ توقفت مؤقتاً بعد تغيير النظام. فهي المطالب التي تحقق استقراراً فعلياً من خلال إعادة صياغة العلاقة بين الطبقات لمصلحة

الطبقات الشعبية، وترسي بنية اقتصادية منتجة ودولة مدنية حقيقة.

وإذا كانت هناك قوى متعددة طبقياً تسهم في الثورة، بعضها عمالي وبعضها فلاحي وبعضها يمثل الفئات الوسطى، بعضها يساري وبعضها ليبرالي، فإن الأساس الآن هو تحقيق المطلب العام الذي يوحدها جميعاً، لكن ذلك لا يعني التركيز على شكل السلطة كما يرغب الليبراليون فقط، بل يعني أيضاً فهم أن الطبقات الشعبية التي هي الفاعل الأساس في الثورة لديها مطالب لا بد من أن تتحقق. وما طرحناه يعبّر عن ذلك حصراً، لأننا لا نرى بأن موعد الثورة الاشتراكية قد حان، بل نرى بأن تحقيق المطالب الشعبية الآن هو الذي سيفتح الأفق للوصول إلى الاشتراكية بقوة ونشاط العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين الذين هم قوة الثورة الراهنة.

مهمتنا الآن تتمثل في الفعل في الثورة من أجل دفعها إلى الأمام. وهذا هو هدف الائتلاف اليساري، الذي يجب أن يضم كل الماركسيين المنخرطين في الثورة، من أجل الثورة، ومن أجل المستقبل الذي لن يكون مزدهراً دون فعل هؤلاء.

المطلوب هو نظام ديمقراطي يعبّر عن مصالح الطبقات الشعبية بالتحديد.

فالصراع طبقي بامتياز ولن يتوقف عند تغيير شكل سلطوي بآخر مهما كانت “ديمقراطيته”، لأنها دون تغيير النمط الاقتصادي لن تكون حقيقية بل ستخدم مافيا جديدة، وبالتالي لن تؤسس لدولة ديمقراطية بالفعل.

والمطلوب هو دورنا من أجل تفعيل الصراع وتطوير الثورة لكي تشمل كل الطبقات الشعبية، ولكي يصبح شعار إسقاط النظام ذو معنى واضح، هو المعنى الذي تحفره قوة الجرأة والبسالة لدى شباب الطبقات الشعبية، والذي رسمه دم الشهداء الذين سقطوا من أجل الخبز والحرية. من أجل دولة مدنية توفّر حياة فعلية للطبقات الشعبية.

هذه هي مهماتنا في الثورة الآن.

SLC.Mar18@gmail.com

Advertisements
نُشِرت في حول العالم | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

التناقضان الرئيسي والثانوي-الحزب الشيوعي اللبناني-الأحداث في سوريا

التناقضان الرئيسي والثانوي-الحزب الشيوعي اللبناني-الأحداث في سوريا

william-

الاخضر القرمطي

ساحاول في هذه المقالة إعادة قراءة الموقف الذي يتخذه الحزب الشيوعي اللبناني بخصوص الاحداث الراهنة في سوريا. إن الاطروحة التي ادافع عنها هنا تتلخص فيما يلي: بفعل هيمنة المقولة القائلة بثنائية التناقضين الثانوي والرئيسي وهي المقولة التي سيطرت على رؤية الحزب الشيوعي اللبناني وما زالت، بفعل هذه الهيمنة كان لا بد لهذا الحزب أن يقف من الاحداث الراهنة في سوريا موقفًا أقل ما يقال فيه إنه هلامي مشوش.

ما هو التناقض الرئيسي وما هو التناقض الثانوي؟

يمكن تعريف التناقض الرئيسي بشكل مبسط بإعتباره التناقض مع العدو الوطني والقومي، مع الامبريالية والرأسمالية العالمية (بالدرجة الاولى اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية). إن هذا العداء للإمبريالية ينطلق من مصلحة طبقية هي في نهاية المطاف مصلحة ما يُسمّى الرأسمالية الوطنية او البرجوازية الوطنية المحلية، وهي الفئات التي كثيرًا ما وُصفت في ادبيات اليسار الستاليني بأنها تقدمية وحتى ثورية.تحاول هذه الفئات الانفكاك عن هيمنة الرأسمال العالمي محاولةً خلق سوقها الخاص وإدارة مصالحها الذاتية بشكل مستقل بدون اي منافسة او مزاحمة من قوى أخرى.وبالطبع فإن الانفكاك من السيطرة الامبرايالية يصب في نهاية المطاف في مصلحة الطبقة العاملة والكادحين والفلاحين وكافة الفئات المتضررة من الهجمة العسكرية او الاقتصادية للرأسمالية العالمية؛ ذلك ان الطبقة العاملة في هذه الحالة تكون قد تحررت على الأقل من الهجمة الشرسة للرأسمال العالمي ولم يبقى امامها سوى النضال للتخلص ممّا تبقى من الرأسمال اي ذلك المحلي او الوطني.

أما التناقض الثانوي فهو التناقض القائم والمستمر بين الطبقة العاملة والفئات الشعبية الكادحة من جهة والرأسمالية من جهة أخرى. وهذه الرأسمالية الأخيرة هي في خاتمة الامر تلك الرأسمالية الوطنية المحلية، ذلك ان التحرر من الاستعمار والامبريالية لن يقضي على هذه الرأسمالية بل سيطلق يدها في عملية نهب فائض القيمة وإستغلال كافة الفئات العاملة المستغَلة.

إذًا، فالتناقض تناقضين: إنه التناقض مع العدو الخارجي، عدو الوطن والامة وكافة فئات الشعب المتضررة من هذا العدو، وهو التناقض مع العدو الداخلي ، عدو الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والحرية والديموقراطية.

يقف الفكر القومي والاسلامي اليوم عند التناقض الأول، ويرى ان معركته الوحيدة هي معركة التحرر الوطني القومي، معركة “الشرق” ضد “الغرب”، صراع “الأمة” و”الوطن” مع الاستعمار واعداء هذه الأمة. “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” هي المقولة المفضلة على قلب القوميين والاسلاميين المعادين للامبريالية. يرى هؤلاء ان استحالة تحقيق الديموقراطية والوحدة الوطنية الناجزة والعدالة الاجتماعية، هذه الاستحالة منبعها بقاء هذا العدو الخارجي متربصًا بالأمة ومستعدًا للقضاء عليها..هذا النمط من التفكير هو الذي سوّغ استمراية ألأنظمة “التقدمية” العربية من الناصرية الى الأسدية البعثية والصدامية مرورًا بالقذافية وجبهة التحرير الجزائرية….في سبيل انهاء هذا التناقض وإنجاز معركة التحرر القومي وُضِعت كل إمكانيات “الامة” بالتصرف، صناعةً،زراعةً، وسلاحًا؛ عُقِدت التحالفات التكتيكية والاستراتيجية، حُيِّدَت الاحزاب ومن ثم تم القضاء عليها، زُجّ بأعداء “القضية والأمة” في السجون شيوعيين ملاحدة واسلاميين رجعيين وليبراليين عملاء! شُكِّلت الجبهات التقدمية المملوكة من الحزب القائد، قائد الامة والشعب وعلى رأسه روح هذه الامة وزعيم تحررها القومي الخالد! عشرات السنين كانت تمضي، والمعركة المستمرة دومًا، وحتى هذه اللحظة لا الارض تحررت ولا فلسطين استُرجِعَت ولا الامبريالية هُزِمت، لا بل ما حصل هو الاسوأ: عبد الناصر انجب السادات، صدام اجتاح الكويت، حافظ الاسد حارب صدّام وقبله منظمة التحرير الفلسطينية وورّث سعيًا حثيثًا للسلام مع اسرائيل الى ابنه الفذّ، وجبهة التحرير الجزائرية دخلت صراعًا مع المغرب، والقذافي مد يد التعاون والصلح مع الغرب الامبريالي الصليبي الفاسد! وقد “تكللت” هذه الانتصارات التكتيكية مع انتصارات أخرى: فقرٌ وجوعٌ وأميةٌ، مجتمعات تنهشها القبلية والطائفية والبيروقراطيات التي تنهب وتخصخص وتُصادر مستقبل الملايين من الشعوب البائسة والجائعة والمقموعة. الاسلحة لم تعد صالحة لتتوجه صوب عدو “الامة”، إن هذه الاسلحة لا تطلق نيرانها كما يبدو الا على هذه “الامة”…..

هذا ما انتجته الممارسة السياسية القومية العربية، ممارسات تلك البرجوازية التقدمية الوطنية والديموقراطية، هذا ما تتابع عمله اليوم قومجية من نمط آخر، عنينا بها تلك القوى الاسلامية المعادية للامبريالية (حزب الله وحماس بالدرجة الاولى) وهي قوى لم تستطع بعد استلام السلطة السياسية والهيمنة عليها فعليًا، ولكنها ما زالت تتخبط في صراعها من اجل استلام هذه السلطة، وما زالت تعاني اعاقةً في ممارستها السياسية وانفصامًا بين ايديولوجيتها الرجعية السلفية وموقعها الاقتصادي الاجتماعي كممثلة للفئات المتوسطة ولشرائح من البرجوازية المحلية الساعية لتوسيع سوقها الداخلي وتطوير قواها الانتاجية وتحسين موقعها الطبقي عبر عملية نهب فائض القيمة في مزاحمتها للفئات البرجوازية العليا والكبيرة. هو إنفصام بين الكفاح ضد الكيان الصهيوني والامبريالية وبين الحفاظ على المكتسبات الاقتصادية والسياسية التي حققتها هذه الفئات، وهي المكتسبات التي لن تجد في نهاية المطاف الا في الاستقرار والسلام (أيًا كان شكله) مع العدو ضمانة لاستمرارها هي بالذات.(يبدو ان هذه القوى المقاومة تتبع المسار نفسه الذي اتبعته حركة فتح –من الثورة والقضاء على “اسرائيل” الى “تكنيز” المال وانشاء الشركات والمصالح المالية وركوب السيارات الفخمة وصولاً الى الهدنة والتساوم ومن ثم الصلح). هنا نستعيد ونستعين بالشهيد المفكر مهدي عامل، فهو ابرز من رسم وبرهن صيرورة تحول هذه البرجوازية الصغيرة “التقدمية والوطنية” الى برجوازية تبعية بعد ان تهيمن بالقوة والعنف الامني والبيروقراطي على المجتمع عبر الدولة المتماهية مع الجسم الحزبي الاوحد.

الآن أين موقع اليسار الماركسي الرسمي هنا؟

أعني باليسار الرسمي تلك الاحزاب والقوى الشيوعية واليسارية عمومًا التي نالت اعترافًا من تلك السلطات “التقدمية” الحاكمة، لا بل سارعت كل تلك الاحزاب والقوى الى الدخول في تحالفات “استراتيجية” مع تلك السلطات (بالاخص في سوريا والعراق في بداية عهد البائد صدام حسين وقبلهما في مصر عبد الناصر). هذا في حين بقي اليسار غير الرسمي قابعٌ في السجون حينًا او في المنفى حينًا آخر.

بالنسبة للحزب الشيوعي اللبناني، أضعه في خانة هذا اليسار الرسمي ايضًا. فرغم اختلاف الوضع في لبنان عن غيره من الدول العربية، الا ان الحزب الشيوعي اللبناني قد نال اعترافًا من النظام القائم في لبنان وهو يعمل في كل الاحوال ضمن ومن خلال آلية هذا النظام في ما يسمّى النضال الديموقراطي السلمي (الانتخابات النيابية على اساس طائفي مثلاً)…كما اضعه في خانة اليسار الرسمي لموقفه من تلك الجبهات الحاكمة في تلك الانظمة “التقدمية” العربية ، وبالاخص في ما يتعلق الآن وفي العشرين سنة الماضية بالنظام البعثي السوري.

بشكلٍ عام، نظّر هذا اليسار الرسمي لمقولة التناقضين، وما ميّزه عن الرؤية القومية العربية والاسلامية القومية اليوم، هو محاولة اضافة التناقض الثانوي الى التناقض الرئيسي، ولكن ما يجعله متماهيًا مع الرؤية القومية-الاسلامية راهنًا كما ماضيًا هو اعطاء الاولية في الصراع للتناقض الرئيسي. وهنا مكمن المشكلة-الازمة كما نراها. مرةً أخرى، لن يكن بالامكان حل التناقض الثانوي بدون حل التناقض الرئيسي: ذلك انه كيف بالامكان القضاء على العدو الطبقي الداخلي،عدو العدالة الاجتماعية والديموقراطية والحرية، إن لم يتم القضاء على العدو الخارجي أولاً،هذا العدو الذي اعاق وسيعيق دومًا السعي الى هذه القيم السياسية والاجتماعية.؟ كما يمكن بالامكان طرح اشكالية أخرى: كيف يمكن القضاء على هذا العدو الخارجي إن لم يكن بالامكان التحالف ولو تكتيكيًا مع العدو الداخلي المستقبلي، هذا في الوقت الذي برهن فيه هذا الأخير عن عدم جدارته في قيادة عملية التحرر الوطني التي ستفتح المجال امام التحرر الاجتماعي؟ وهل بالامكان مجابهة عدّوين قويين في الآن نفسه: الامبريالية والبرجوازية المحلية؟ كيف يمكن الانتقال والتحول من التحالف التكتيكي مع البرجوازية الوطنية الى الصراع مع هذه البرجوازية، في وقت لن يخدم فيه هذا التحالف ولو المؤقت سوى هذه البرجوازية ولن يزيد الا من قوتها ومن بطشها كما بيّنت التجربة التاريخية والوقائع؟ نحن ندور هنا في حلقة مفرغة: لا يمكن مواجهة الامبريالية وحل التناقض الرئيسي واتمام مرحلة التحرر الوطني الا بالتحالف مع القوى المتضررة من الامبريالية، ولكن هذه القوى (كعدوّ مؤجّل) لن يكون باستطاعتها اتمام مهام التحرر الوطني لعلة في مصالحها الطبقية التي تستلزم استمرارية عملية نهب فائض القيمة عبر اجهزة القمع المتعددة عسكريةً كانت ام ايديولوجية ام غيرها، ونحن لا يمكننا القضاء على الهذه القوى الحليفة ومواجهتها تكتيكيًا والا سنكون امام مهمة شبه مستحيلة اذ نواجه فيها عدو داخلي و عدو خارجي في الآن عينه.

للخروج من هذه المعضلة ظهرت وجهات من النظر اهمها وجهة نظر مهدي عامل الذي شدد على اهمية ولزوم ان تكون قيادة عملية التحرر الوطني المتلازمة حتمًا مع التحرر الاجتماعي، أن تكون هذه العملية بقيادة الطبقة العاملة. ولكن هذا يطرح اشكالية اخرى كما نرى: فأن تتولى الطبقة العاملة قيادة حركة التحرر الوطني يستوجب مسبقًا خوض صراع مع الحليف التكتيكي وهو صراع هيمنة لتسلّم زمام قيادة حركة التحرر الوطني، وهو صراع لن يكون ابدًا صراعًا ديموقراطيًا حيث ان شروط الديموقراطية الحقيقية بحدودها الدنيا لن تكون متحققة باعتبار ان الوجه الآخر للصراع (اي مع العدو الامبريالي) لم يُحسَم بعد. ثمّ ان هذا الصراع مع الحليف التكتيكي قد يتحوّل صراعًا دمويًا عنفيًا (كما حصل في العراق ولبنان مثلاً) لن يخدم في نهاية المطاف سوى العدو المشترك! وهنا نستذكر تجربة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية كمشروع تحرير وطني وتغيير ديموقراطي، فسرعان ما أُدخِلت هذه التجربة الفريدة في خضم صراعات مع ما يُفترَض بهم حلفاء (حركة أمل مثلاً) وأعاق عملها ما يُفترَض به ان يكون حليفًا استراتيجيًا حينها (النظام البعثي السوري)، فيما لم يُشارك الحليف “اليساري” التقدمي الاشتراكي (الحزب الجنبلاطي) في هذه التجربة النضالية الواسعة الافق.

في مؤتمره الأخير، شدد الحزب الشيوعي اللبناني على تلازم مساري التحرير الوطني والتغيير الديموقراطي، تحرير الارض وتحرير الانسان. وهو طالب مرارًا وتكرارًا تلك القوى التي تحمل لواء التحرير الوطني المسلح اليوم (أي حزب الله) بضرورة الاتجاه نحو اصلاحات جذرية في النظام اللبناني القائم. ولكن ما يشكل أزمةً في هذه الرؤية-المطلبية ان هذا الطرف المُطالَب بالدفع نحو اصلاحات جذرية في النظام القائم، لن يكون بامكانه على ما يبدو القيام بهذه الاصلاحات لعدة اسباب، أهمها: موقعه الطبقي كممثل لشرائح من الفئات المتوسطة والتي تقترب من الفئات الاجتماعية العليا والتي تجد مصلحة طبقية في استمرار آلية النظام اللبناني بعلاقاته السياسية الخدماتية الاجتماعية المموّهة بالطابع المذهبي، ذلك ان استمرار هذه العلاقات هو استمرار لوجودها كقوى تتلبس الرداء الديني الطائفي الزبائني.

الموقف من الاحداث السورية الراهنة

يمكن إيجاز الموقف لرسمي للحزب الشيوعي اللبناني من الاحداث السورية الراهنة بالتالي: إن المطالب التي يرفعها الشعب السوري محقة وهي مطالب ديموقراطية الطابع ترتكز على مبادىء العدالة والحرية والمساواة، إلاّ ان القوى الامبريالية وبسبب موقع سوريا الداعم للقوى المقاومة في المنطقة، وفي محاولة منها لاستيعاب “الثورات العربية المستمرة”،هذه القوى الامبريالية تدفع بإتجاه تحويل الصراع في سوريا الى صراع طائفي مذهبي تفتيتي لن يخدم في نهاية المطاف الا “اسرائيل”، وهذه القوى تعيق من جهة اخرى اي محاولة للنظام السوري للقيام بأي اصلاحات تستجيب لمطالب الشعب السوري، وعلى هذا الاساس يرى الحزب الشيوعي اللبناني ان السلطة السورية مدعوّة لإتخاذ خطوات اصلاحية جدية على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي بما يخدم المطالب الشعبية، ومن ناحية اخرى على الشعب السوري المحق في مطالبه ان يكون واعيًا لما يُحاك ضد وحدته الوطنية وموقف نظامه الممانع من مؤامرة خارجية وداخلية ادواتها القوى الارهابية الممولة من السعودية والولايات المتحدة.

إن احسنّا وصف موقف الحزب الشيوعي اللبناني كان علينا ان نتفحص هذا الموقف بعين الناقد المتسائل ولنصل به الى نتائجه المنطقية:

– اولاً، ان الموافقة على مطالب الشعب السوري المحقة تعني ان النظام السوري لم يقم بأي خطوات حقيقية من أجل تحقيق حد ادنى من الديموقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية السياسية والاعلامية على مدى سنين حكمه، اي ان النظام السوري ليس ديموقراطيًا وبالتالي قائم على اساس الديكتاتورية والاستبداد والقمع (وفي ذلك لا يشذ عن القاعدة الذهبية لكل الانظمة العربية من المحيط الى الخليج).

– ثانيًا،إن الاعتراف بوجود تدخلات خارجية امبريالية قادرة على تحريك جماعات مسلحة تقوم بالقتل والتدمير وتنشر العنف والارهاب والتحريض المذهبي للاستفادة من التحرك الشعبي المحق القائم، تعني بما معناه ان النظام السوري قد فشل في تحصين وحدته الوطنية على الاقل، وفي تأمين شروط الصراع الديموقراطي المدني الطابع وغير العنصري. ثم أن هذا النظام قد فشل امنيًا ايضًا (وهنا الغرابة وما يدعو الى التعجب حيث ان النظام الامني السوري موصوف عادةً بقوته وقدرته الشديدة، هذا على الاقل ما نعرفه وما لمسناه في لبنان) اذًا، فقد فشل هذا النظام في تامين شروط الاستقرار الامني وشروط الامن الاجتماعي، وهذه نقطة اخرى لا تُسجّل لصالح هذا النظام، وتبيّن مدى ضعفه المسبق على الصعيد الامني.

– ثالثًا، ان مطالبة نظام الاسد بالقيام باصلاحات سريعة تبدو على قدر كبير من التوهم (حتى لا نستعمل صيغة اخرى). وكأن آلية النظام السوري الماضية والحالية تقوم على اساس ارادوي شخصي قائم على النوايا الحسنة او السيّئة! وكأن آلية النظام السوري في قمعه وبطشه لا تستند الى مجموعة من المصالح والعلاقات المالية والاقتصادية والسياسية المتشابكة، وكأن بنية النظام السوري لا تستند الىفئات اقتصادية اجتماعية تجد ضمان ديمومتها في ممارسة القمع السياسي والامني والاقتصادي كصيرورة بقاء (وما بعض الاصلاحات الهزلية التي قام بها بشّار الاسد عند تسلمه الحكم سوى محاولة أخرى لاستمرار بقاء الفئة الاجتماعية الاقتصادية الحاكمة).إن مطالبة النظام القائم في سوريا بالقيام باصلاحات تكون كمن يدعو هذا النظام الى حفر قبره بنفسه، هي وصفة لإنتحار إرادي يُقدِم عليه النظام وفي ذلك استحالة تاريخية على ما نعتقد.

نكتفي بهذا الحد من النقد الذي يكفي برأينا للتدليل على مدى التخبط في النظر الى الاحداث في سوريا، هو تخبّط ينبع برأينا من استمرار هيمنة مفهوم التناقضين (الثانوي والرئيسي) على آلية تفكير القيادة الشيوعية اللبنانية. الدوران في الحلقة المفرغة هي سمة لهذه الآلية من التفكير، إنها برأينا تعبير عن عجز فكري مستمر يعكس عجزًا في الممارسة السياسية القائمة، وهو عجز ممارساتي يسم كل استحقاق يدخل الحزب الشيوعي طرفًا فيه (نستعيد الأمثلة من الانتخابات النيابية اللبنانية، ومن التحركات الشعبية التي انطلقت في لبنان في الىونة الأخيرة في غفلة عن الحزب على ما بدا لنا..)

في الختام، لا بد لنا أن نشير الى أن مقالتنا هذه جاءت كنتيجة لبعض النقاشات القيّمة التي دارت مع عدد من الرفاق والاصدقاء ومع عدد من حلفاء النظام السوري واعدائه،كما انها أغفلت-كما سيتساءل الكثيرون-المسوؤلية الملقاة حتمًا على الامبريالية وحلفائها في المنطقة، وهي مسؤولية لا ننفيها وحضور لا يمكن التغاضي عنه، ولكن هذه المقالة كُتِبت على عجل في محاولة منّا لفتح باب النقاش والنقد البنّاء لتلمّس الحقيقة، وإن “الحقيقة دائمًا ثورية”…..

الاخضر القرمطي

redblackwill@gmail.com

نُشِرت في فن/أدب/وجهة نظر | أضف تعليق

الحراك الشبابي في لبنان مقدمة للتغيير أم مراهقة سياسية

الحراك الشبابي في لبنان مقدمة للتغيير أم مراهقة سياسية

حسن عماشا

الحوار المتمدن – العدد: 3407 – 2011 / 6 / 25

الحراك الشبابي في لبنان

مقدمة للتغيير أم مراهقة سياسية

بداية، لا بد من الاشارة إلى أن الحراك الشبابي في لبنان، ليس مجرد صدى للحراك العربي العام, وإن كانت إنتفاضتا تونس ومصرقد شكلتا حافزا كبيرا للشباب والشيب على حد سواء في التحرك.

إن وراء هذا الحراك دوافع وطنيىة حقيقية، تنطلق من حالة الاستعصاء في الأوضاع اللبنانية والتي تطاول كل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والوطنية. وإذا كان الشعار الأبرز المرفوع في طليعة التحرك هو: “إلغاء الطائفية”أو”إسقاط النظام الطائفي”، فإنه إنعكاس للراسخ في الوعي السائد لدى جميع الشرائح الاجتماعية بإعتبار الطائفية هي علة النظام السياسي. وفيها تكمن كل شرور هذا النظام؟.

بعد وصول الحراك “الشبابي” في لبنان إلى حالة من الاحباط، نتيجة عدم تنامي التحرك وإتساعه، فضلا عن الشروخ والافتراقات التي برزت في صفوف الداعين والمنظمينش له من جهة والتعقيدات التي تكشفت في مجمل الدول العربية بداية من تونس ومصر حيث لم تكن النتائج على مستوى الأحلام والآمال. وصولا إلى ليبيا و اليمن اللتين دخلتا في حرب أهلية, من جهة أخرى.

عادت الدعوة للتحرك اليوم بدافع خفيَ يكمن بما يجري في سوريا. حيث يعتقد الداعون إلى إحياء التحرك، بأن امكانية جديدة فتحت لهم بسبب إنشغال سوريا بأوضاعها الداخلية ما يضعف حلفائها في لبنان الذين بحسب إعتقاد هؤلاء، كان لهم اليد الطولى في إجهاض التحركات السابقة. إلا أن شريحة أخرى ممن ساهموا بالحراك الشبابي اللبناني لا زالت تشعر بإحباط كبير نتيجة إعتقاد هذه الأخيرة بأن الشعب في لبنان لم ينضج لتحقيق الديمقراطية وأن الغالبية العظمى من الناس هي طائفية؟.

لم تكن السرعة التي هرب فيها الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، أو التي خلع بها حسني مبارك في مصر، تعبيرا عن ضعف النظام نفسه بما يعنيه من آليات حكم وخيارات إستراتيجية على الصعد كافة. بقدر ما كان بحسب النتائج إعادة تجديد للنظام وإن قدم بعض التنازلات التي تمكنه من الاستمرار بوجوه جديدة. أما في ليبيا واليمن اللتان تشهدان حرب أهلية حقيقية تبين أن النظام الذي يتمتع بالقوة اللازمة في مواجهة القوى الداخلية نجح حتى الآن في الصمود بوجه قوى التغيير والنتيجة المرة والطبيعية في مؤدى هذا الحراك هي أن تتحول “الثورة” من قوة تغيير لأجل المزيد من الحرية والاستقلال إلى قوة إضعاف المناعة الوطنية وزيادة التبيعة الخارجية في النظام نفسه تأمينا لديمومته. نسارع بالقول: أن هذا لا يعني البته أننا ندعوا إلى عدم التحرك على العكس. إنما ما ندعوا إليه هو عدم السقوط في فخ الدعم الدولي ومنح الاستعمار المتجدد فرص جديدة للتحكم بمستقبلنا. وأيا كانت قوة بطش النظام- أي نظام – لا تبرر بحال من الأحوال توفير الفرص للخارج في التحكم بمصائرنا. اما الذين يبررون ذلك فأقصى ما يطمحون إليه هو المشاركة في الواقع القائم على حساب دماء وتضحيات الناس، والمحصلة مزيدا من التبعية والتفريط بالحقوق الوطنية.

أما في سوريا: فيتبرع العديد من الكتاب و”المثقفين” اللبنانيين بتقديم النصح للقيادة السورية حول السبل الواجب إتباعها لتتجاوز أزمتها. سواء من جهة الحريصين على سوريا في موقعها الوطني- القومي، أو من جهة الذين يجدون في الأزمة السورية فرصة للتشفي من قيادتها. فلو أستبعدنا كل الاملاءات الإقليمية والدولية التي تحاول أن تفرض على سوريا خيارات محددة تجاه سياستها الخارجية بالدرجة الأولى وتجاه القضية الفلسطينية على وجه الخصوص. نقول بلا مواربة وبمعزل عن النوايا، أن آخر من يمكنه تقديم النصح للسوريين هم اللبنانيين. سواء كانت النصائح للقيادة السورية أو بالعكس لما يسمى المعارضة السورية. لأن اللبنانيين بلا إستثناء هم أعجز من أن يفهموا واقعهم أو على الأقل يفتقرون إلى الحد الأدنى من القدرة على فعل شيء ينقذ بلدهم من المستنقع الضحل الذي يتخبطون فيه.

حتى كاتب هذه السطور لا يزعم أنه في موقع تقديم النصح للسوريين.

لا شك أن سوريا بحاجة إلى تغيير جذري يتوائم مع تطلعات شعبها ويعزز مكانتها في المنطقة ويتيح المجال لتوظيف أوسع لطاقاتها على مختلف الصعد. وخصوصا في ما خص الدور المركزي لمواجهة الاستعمار الصهيوني. وأخر ما تحتاج إليه سوريا هو الفكرة الساذجة عن الديمقراطية والسائدة في أوساط المثقفين عندنا. لأن في سوريا دروس تاريخية إنبثقت من تجاربها وهي بنت ديمقراطيتها الحقيقية التي منحتها الأمن والاستقرار والنمو في كافة المياديين. سواء أعجب هذا الغرب وأصداءه في بلادنا أم لا.

نعم يجري في سوريا حراك أكبر مما كان يتوقعه أحد، وليس هذا الحراك مجرد مؤامرة خارجية. غير أن الهجمة التي تستهدف سوريا اليوم تتجاوز مطالب هذه الشريحة أو تلك وأثبت الشعب السوري رغم كل ما يعانية، أنه الأكثر وعيا من أي شعب آخر في المنطقة. فهو لم تجرفه الدعاية الغربية – والمستعربة، نحو الفوضى القاتلة بإسم: الحرية، وحقوق الانسان، والتعددية السياسية. وحدهم من يجهلون تاريخ سوريا السياسي والاجتماعي يعيشون وهم أن تتحول سوريا عن خياراتها الوطنية- القومية. أو أن تنحو نحو نظام مشرع الأبواب على الغزو الثقافي والسياسي والاقتصادي الاجتماعي. وهذا شيء يعرفه الغرب تماما، لذا هو يسعى إلى دفع سوريا نحو الفوضى. عبر توفير الدعم المادي والسياسي والاعلامي لكل من يعمل على إثارة القلاقل والبلبلة في سوريا وحولها.

وإلى المتشدقين بالديمقراطية، والمطالبين بالتعددية السياسية في سوريا. نقول: أن الديمقراطية التي تجعل الخيانة الوطنية وجهة نظر هي تشريع للخيانة، لا يمكن لوطني ان يقبل بها إلا أذا كان ساذجا وهو بالنتيجة لا يختلف عن الخائن لقضايا شعبه وامته. كما أن الديمقراطية الغربية بصورتها السائدة والتي يدعوا البعض إلى إعتمادها لا تعني سوى تأمين الاختراق للثقافة والحماية للخيانة في محصلتها النهائية.

أما الديمقراطية التي تلبي تطلعات الشعب السوري وتحفظ قوة سوريا في مواجهة التحديات الوطنية والقومية. هي التي صاغ أسسها الرئيس الراحل حافظ الأسد ووضع حجر الزاوية لبنائها بمعزل عن الشكليات الكرتونية التي تتلطى خلفها الانحرافات الفكرية والسياسية والاقتصادية الاجتماعية.

في خطاب القسم الدستوري عام 1992 يقول الرئيس السوري حافظ الاسد:

” إن صيغة الديمقراطية ليست سلعة جاهزة, تستورد من هذا البلد أو ذاك, وإنما هي الإطار الذي يمارس فيه المواطنون حقوقهم و واجباتهم وفق ظروفهم المرحلية.

وكل مرحلة من مراحل التقدم, والتطور والبناء, نحققها, تقدم معطيات جديدة, في مجالات الحياة المختلفة لا بد من تحقيق توازن دقيق جدا بين الصيغة اعني الهيكلية والقوانين وبين محصلة المعطيات الثقافية والتراثية, والسياسية, والاقتصادية والاجتماعية التي يملكها أو يتمتع بها هذا الشعب . وأي خلل في هذه الموازنة, يحتم أن يعيش الشعب حياة لا ديمقراطية وتبدأ المعاناة مع بداية الخلل و بقدر اتساع الخلل تتسع, لا ديمقراطية الحياة, سواء تقدمت الصيغة على المعطيات أو تقدمت المعطيات على الصيغة.”

(راجع جريدة السفير اللبنانية تاريخ 13/3/1992 )

وفي كلام آخر حول نفس الموضوع قال الرئيس السوري في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية وفي نفس الفترة؛ ردا على سؤال: “إن الديمقراطية بما تعنيه من صيغة و قوانين. يجب أن تتلاءم مع حاجات الشعب, وظروفه التاريخية. فان تقدمت الصيغة على ظروف الشعب وحاجاته, أدت إلى الفوضى. أما إذا تخلفت الصيغة وعاندت في مواجهة تطلعات الشعب تؤدي إلى الثورة” (بتصرف) ونترك للقارئ أن يقيم المقارنة بين هذا الكلام للرئيس السوري؛(البعثي). وبين ما يتشدق به مدعي الثقافة في لبنان والمنطقة العربية وضحالة ما يدعون إليه.

نعود إلى الحراك الشبابي في لبنان:

مم لا شك فيه أن الطائفية هي علة من علل النظام السياسي اللبناني. وهي أيضا إحدى أخطر العلل على مستقبل الاجيال والمعطلة لطموحاتهم.

لكن هذه العلة ترتبط بعلة نشوء الكيان اللبناني. بل مبرر وجوده ككيان سياسي منفصل عن محيطه الطبيعي. وهي حال كل الكيانات العربية التي تمت تجزئتها بفعل التقاسم المصلحي بين قوى اللاستعمار التي حمكت المنطقة إثر إنهيار الامبراطورية العثمانية. (لسنا بصدد تقديم درس في التاريخ؛ أردنا فقط من خلال هذه الاشارة أن نبين جذور التكوين السياسي الاجتماعي للكيان اللبناني). وإن تجاوز النظام السياسي الطائفي في لبنان له شروط مادية ليست متوفرة في لبنان، على عكس الوهم الشائع الذي يصور المسألة الطائفية كأنها مسالة ذهنية تكمن في عقول الناس. فيكفي أن تطلق بعض الشعارات والمحاضرات للتخلص منها.

فالطائفية هي الحصن المنيع حتى الآن لتأمين مصالح الشرائح الاجتماعية المكونة للشعب اللبناني. وإذا كان أحد مظاهر الحماية لهذه المصالح يبرز في حماية الفاسدين في البنية السياسية للطوائف. فهذا لا يعني أنه المظهر الوحيد بل أن كل الموسسات الطائفية: التربوية، الاجتماعية، الدينية. فضلا عن المؤسسات السياسية للطوائف كافة، تجد ديمومتها في إطار النظام الطائفي. ونظرة سريعة على القاعدة الاجتماعية لتلك المؤسسات تكشف أن غالبية ساحقة من الشعب اللبناني تنضوي في منظوماتها. أما الخارجين عليها، تكشف الوقائع تاريخيا إنهم بمجرد إتاحة المجال لهم لإحتلال موقع ما في تلك المنظومات كانوا يسارعون إليه. ولنا في الرموز الحالية خير دليل ومثال. على سبيل الذكر لا الحصر: نهاد المشنوق، سمير فرنجية…

كما أنه من المفيد بهذا الاطار الاشارة إلى تجربة حديثة، عايشها هذا الجيل (الشباب)، وإن لم تكتمل فصولها, لكنها تعطي صورة واضحة عن ما يختزنه النظام الطائفي من قوة قاهرة وقادرة على سحق من يقف بوجهها في إطار منظومة المفاهيم والأدوات التي أنتجها هذا النظام نفسه.

بمعزل عن المواقف المسبقة والأراء السياسية المختلفة أو المتفقة مع الرئيس السابق إميل لحود، لا يمكن لأحد أن ينكر لاطائفية هذا الرجل، وأن فريقه الذي تكون من خارج البنى الطائفية ومن ضباط لم يخضعوا للزعامات الطائفية. إلى ان إنقلبت الموازين وفقدوا الحصانة التي وفرتها الوصاية السورية لهم بوجه زعماء الطوائف. فجردوا من مناصبهم دون أن يكون عليهم مأخذ وحتى التهمة التي وجهت إليهم بقتل الحريري الأب ثبت بطلانها. وإذا كانت المصادفة أنهم من طوائف متعددة فإن طوائفهم لم تحرك ساكنا لحمايتهم. في حين أن ضابط آخر إرتكب الخيانة العظمي في مواجهة العدو الصهيوني لم يجرؤا أن يحاسبه أحد. وأخر قررت الحكومة أن تعزله تعسفيا رفض ولم يجرؤ أحد أن ينفذ القرار لأن طائفته حمته. وآخر الوقائع في هذا المجال كان تصرف اللواء أشرف ليفي بتجاوز وزير الداخلية الذي يرأسه لحماية مصالح فريقه الطائفي. وهنا بالمناسبة تنكشف أيضا هشاشة وعجز من يزعمون أنهم آتون من المجتمع المدني ويتوهمون أن السياسة والسلطة يمكن ممارستها بقفازات بيضاء. وعند الاستحقاق الذي يتطلب موقفا حازما يفرون من المواجهة.

إن تجاوز هذه الحقائق لا يعدو مجرد مراهقة سياسية لن ترتقي إلى أكثر من تجول على ضفاف المستنقع. أن العمل على بناء قوة تغيير حقيقية يبدأ أساسا من خلال مواجهة التحديات الوطنية وفي مقدمتها التحدي الصهيوني. تأمينا للسلامة الوطنية التي بدونها يصبح كل نشاط بنيوي مجرد عبث. وإذا كان هذا تحقق جزءا كبيرا منه في إنتصار المقاومة. يبقى مواجهة الاختراقات الثقافية وتكوين البيئات الحامية للأدوات الاستعمارية بإسم العلاقة مع المجتمع الدولي المرتزقة على أبواب السفارات.

إن المهمة الحقيقة امام الشباب هي تكوين الحد الأدنى من المعارف الضرورية لفهم طبيعة المرحلة وما تحمله من تحديات. وعدم الخضوع للمنطق التعميمي الذي يساوي بين جميع القوى السياسية ولا يجد جوهر الانقسام السياسي القائم بين فريق يتماهى مع متطلبات القوى الاستعمارية وآخر يقاوم هذه الميول وإن كان قاصرا عن لعب الدور المناط به على مستوى تأمين أفضل الظروف للبناء الوطني وتجاوز آثار الحرب الأهلية على مختلف الصعد الوطنية والسياسية والانمائية.

لا يمكن إلغاء الطوائف بل يضمحل تأثيرها بقدر ما تتوفر الشروط التاريخية لتجاوزها.

لقد إنطلق في ثمانينات القرن الماضي شعار ومطلب “تكوين طائفة اللاطئفيين”. رغم تواضعه أمام الشعار الحالي والذي هو بالمناسبة شعارا قديما. لم يتحقق وأبرز الرموز الذين دعوا إليه نجدهم اليوم موظفين برتب مختلفة عند زعماء الطوائف. حتى المحاولة البائسة من الرئيس الراحل إلياس الهراوي لوضع قانون للزواج المدني. فكان كلمة رفض من المفتي كافية لطي المشروع.

إن المهمة الممكنة في المرحلة الراهنة هي في طرح مطلب إعتماد قانون جديد للآنتخابات حتى ولو كان على اساس المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، إنما على قاعدة النسبية وإعتبار لبنان دائرة إنتخابية واحدة. ما يوفر إمكانية كبرى لتغيير ملحوظ في البنية السياسية قد تتجاوز نصف أعضاء البرلمان. وتفتح الطريق نحو مزيد من الاصلاحات السياسية والاجتماعية.

وإعتقادنا أنه يمكن تحقيق هذا المطلب في هذه المرحلة ينبع من أن الغالبية النيابية الجديدة والقوى السياسية التي تمثلها صاحبة مصلحة حقيقية بهكذا قانون فضلا عن قوى أخرى كبيرة إذا ما إجتمعت لأن القانون الحالي والأكثري أبعدها عن قبة البرلمان. لكن هذا يتطلب تحرك متواصل لخلق مناخ عام مؤيد وضاغط يحد من الاعتبارات التي تمنع النواب من المبادرة في هكذا قانون. بذلك يكون الحراك ذو معنى ويمكن له أن يحقق نتائج.

نُشِرت في فن/أدب/وجهة نظر | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

الفكر اليساري الثوري ودوره في القضاء على النظام المجتمعي القائم .

الفكر اليساري الثوري ودوره في القضاء على النظام المجتمعي القائم .

محمد الطاهر ساسيوي

2011 / 6 / 26

من المعروف عن الطبيعة البشرية بأنها ذات نزعة فرديه وتطمح إلى تلبية وتحقيق رغباتها ومصالحها الذاتية بعيداً عن مساعدة الآخرين، حيث قيل: “بأن من يريد أن يصبح تافهاً فما عليه إلا أن يدير ظه…ره لهموم الآخرين”.هنالك عدة أسئلة وظواهر طغت على حياة الأمم وأصبحت من اكثر الظواهر التي تؤرق نفس وعقل وفكر كل إنسان يعمل جاهداً على نقل العالم بأسره من الظلمات إلى النور والقضاء على النظام المجتمعي القائم في وقتنا الحالي وتحقيق العدل والمساواة والقضاء على جميع أشكال التبعيه والبرجوازيه الرأسمالية والاضطهاد الطبقي.فلماذا أصبحت العلاقة بين الأمم والمجتمعات أي بمعنى آخر علاقة الإنسان بالإنسان لا تقوم إلا على المصلحة البحته وكيفية علاجها والعمل على محاربتها؟؟، هل أصبحنا رجالاً آليين لا نعمل إلا وفق برمجة الفردية وقانون المصلحة البحته لا العلاقة التي تبنى على خدمة الإنسانية والبشرية ونقلها إلى الأفضل؟؟، هل تكمن المشكلة في نفوس وعقول الذين يفكرون ويعملون جاهداً على خدمة البشرية والوصول بها إلى أسمى درجاتها دون مقابل؟؟، أم أن المشكلة تكمن في عقول وأنفس البشر الذين تشربوا الفكر الهدام والمتعفن القائم على المصلحه البحته والتي قامت بزرعها وترسيخها قوى الظلاميه وكذا القوى الشوفيينية الفاشية وأصحاب النفوذ ذوي النزعه الفرديه والمصالح الضيقه من أجل ضمان استمرار بقائهم وسيادتهم في العالم؟؟ . إن تركيبة نفس وعقل وفكر الإنسان الثوري الرافض لكل ما هو ظلامي شوفييني ومحاربته لهذه الأنظمة والأفكار الهدامة هي بحد ذاتها فلسفة فريده من نوعها ففلسفة الثورة ضد الطغيان وقوى الظلامية والشوفينية الرجعيتين في العالم هي الطريق التي تنير درب الثوريين في هذا العالم والتي باتت تحكمه العلاقات والتي تقوم على المصلحه التبادليه، ومن المعروف بأن الفلسفة هي معرفة العالم وطبيعة الإنسان لنتمكن من تحديد مواقفنا في الحياة بشكل دقيق وسليم وبدون الفلسفه الثورية لن تستطيع الأمم التحرر من سجنها الفكري والاقتصادي والمجتمعي والسياسي والثقافي ولن تستطيع القيام بدورها التاريخي والذي هدفه قهر البرجوازية والقضاء على الرأسمالية والمصالح التبادليه العفنه ولن تستطيع بناء المجتمع الاشتراكي وبُعدهِ الشيوعي والإنساني والتي تتحد فيه كل قوى التحرر من أجل مستقبل وحياة أفضل وليس من أجل خدمة المصالح الضيقة والبرجوازية والرأسمالية العفنه ومجتمعه العفن. لقد أصبحت مجتمعاتنا تُقسَم وتعامل بعضها البعض على أساس الصراعات والتناحرات الطبقيه وتناسوا بأن هنالك روابط كثيره أسمى وأرقى من تلك الروابط العفنه كرابطة الإنسانية والعلاقة البشرية القائمة على المحبة وخدمة الإنسان لأخيه الإنسان دون مقابل وتحقيق العدل والمساواة والتوزيع العادل والحياة الكريمة والتعايش السلمي بين كافة المجتمعات. لو عدنا إلى التاريخ القديم لوجدنا بأن المجتمعات البرجوازية الجديده قامت على أنقاض المجتمعات الإقطاعيه القديمه والتي لم تعمل على إنهاء التناحرات والنزاعات الطبقيه بل قامت بإحلال الطبقات الجديده مكان الطبقات القديمة، وعملت على تلميعها وتزيينها لضمان استمرارية بقائها وقامت بخلق حالات اضطهاد وظلم جديده في المقابل أدت إلى خلق ردة فعل لدى الفئات الثورية والتحررية في المجتمعات من أجل محاربة هذه البرجوازية والإقطاعية المقنعة لخلق أشكال جديده من النضال والكفاح ضد هذه السموم.مع العلم بأن البرجوازية كانت عبارة عن فئة مضطهدة من قبل الإقطاعين في القِدَم، حيث كانت تشكل الأداة التي كان يستغلها الإقطاعيون في توسيع نفوذهم وإطباق قبضتهم على المجتمعات المستضعفه، وكانت البرجوازية تعمل على تسييس نفسها بنفسها للإقطاع وتسليح نفسها من أجل خدمة النظام الإقطاعي والعمل على قمع كل من ينادي بإسقاط نظام الإقطاع والظلم والاستبداد والطبقية العفنه.وعندما أحكمت البرجوازية سيطرتها على النظام والسلطة قامت بتدمير كافة العلاقات الإقطاعية التي كانت تربط الإنسان بسادته لتعمل على استبدال أية رابطة إنسانية بين الإنسان والإنسان برابط واحد ألا هو “رابطة المصلحة البحته” وقامت بإغراق المجتمعات بالعواطف والأوهام الدينية وعاطفة البرجوازية الصغيرة من أجل تحقيق مصالحها الأنانية والذاتية المجردة من أية عاطفة إنسانية تقوم على العدل والمساواة والحرية والمحبه بين جميع المجتمعات وقامت بتحويل الكرامة الشخصية ” الإنسانية ” إلى قيمة تبادلية وقامت بتشريع حرية التجارة بكافة أشكالها والاستبداد المغلف بأهداف ومظاهر خداعة لتدل بشكل خارجي عن مدى نفع هذا النظام وإسهامه في تطور البشرية والعمل على الارتقاء بالإنسانية إلى ما هو أسمى ولكن العكس صحيح، حيث لم يؤدي إلا لخلق ظواهر ونمط حياة كارثي يعم على جميع المجتمعات وكان منها كسر جميع العواطف والمشاعر والعلاقات العائلية واستبدالها بعلاقات مادية ومالية قائمة على المصلحه البحته.وبتنامي البرجوازية تنامت الطبقة البروليتارية والتي ستصرع هذه الفكرة والطبقة وهذا النظام بأسلحته، والقيام بتسخير كل ما لديها من طاقات ووسائل كفاحية ونضالية من أجل خدمة الإنسانية والإرتقاء بها وتقوية العلاقات والروابط الإنسانية وتعميم مبادئ العدل والمساواة والمحبه في العالم.استنتاجاً لما ذكر سابقاً فإن اليساريين والفكر اليساري الشيوعي هم وحدهم من لا يخافون من إبداء آرائهم ومقاصدهم وينادون بملء حناجرهم وجوارحهم بأن لا سبيل وطريق آخر لتحقيق أهدافهم في خدمة البشرية لا تكون إلا بإسقاط النظام المجتمعي القائم “بالعنف الثوري”.فلترتعد الطبقات السائدة خوفاً من ثورة شيوعيه، فليس للبروليتاريين ما يفقدونه سوى أغلالهم وأمامهم عالم يكسبونه، أيها البروليتاريون في جميع البلدان إتحدوا. “كارل ماركس”وأخذاً بقول رمز الحرية الثائر الأممي إرنستو تشي جيفارا : ” إني أحس بألم كل صفعة توجه إلى مظلوم، فأينما وجد الظلم فذلك موطني “.

نُشِرت في نظريات وحركات يسارية وثورية | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

” اسقاط النظام الطائفي ” -الاحد 26 حزيران 2011

موعد جديد مع

” اسقاط النظام الطائفي “

الاحد 26 حزيران 2011 – الساعة 11 ظهرا من امام الضمان الاجتماعي – الكولا

 

 

 

 

مسيـرة الأحـد لحملـة«إسقـاط النظـام الطائفـي»

 

عقدت «حملة إسقاط النظام الطائفي ورموزه»، مؤتمراً صحافياً أمس، تحت جسر الكولا، في بيروت، ودعت إلى المشاركة في مسيرة للمطالبة بإسقاط النظام الطائفي، عند الحادية عشرة قبل ظهر الأحد المقبل، تنطلق من أمام مركز الضمان الاجتماعي في وطى المصيطبة، مروراً بوزارة التربية، وصولاً إلى المجلس النيابي، «كونه أحد رموز النظام الطائفي المقيت».

ورفض البيان الصادر عن الحملة، «أي حكومة تنجم عن هذا النظام السياسي ـ الطائفي»، معتبراً أن «الشهور الأخيرة أظهرت مجدداً عجز النظام اللبناني، بجميع مكوناته، وبغض النظر عمن يتبوأ سدة الحكم، عن حل أي من المشكلات القائمة في وطننا»، اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً.

وأكد «النضال من أجل قانون انتخابات جديد قائم على التمثيل النسبي، خارج القيد الطائفي، يضمن حق الانتخاب للمغتربين، ويخفض سن الاقتراع إلى 18 سنة، وقانون مدني موحد للأحوال الشخصية، ينظم حياة الناس على أسس لا طائفية ولا فئوية ولا عنصرية، ويضمن حقوق جميع المواطنين ومساواتهم، رجالا ونساء أمام القانون، الى ضمان صحي يشمل جميع المواطنين، وإقرار قانون لضمان شيخوخة حرة وكريمة. ونشدد خاصة على تقوية المدرسة الرسمية وإنجاز كتاب تاريخ موحد وتعزيز الجامعة اللبنانية الوطنية الموحدة

نُشِرت في نشاطات, أخبار من المناطق | الوسوم: , , , | أضف تعليق

إنقاذ الثورات العربية من الاختراق

إنقاذ الثورات العربية من الاختراق

مصطفى مجدي الجمال

2011 / 6 / 24

في الخمسينيات والستينيات ثارت الشعوب العربية من أجل التحرر الوطني، وضد الصهيونية والاستعمار.. وكانت الثورات الوطنية العربية المتزامنة والمتفاعلة دليلاً واضحًا على الوحدة الوجدانية والمصلحية بين الشعوب العربية..

ووقتذاك لم يجد الاستعمار والصهيونية حليفًا غير النظم العربية الرجعية، تلك النظم التي سخرت كل إمكاناتها المالية للتآمر على الثورات والنظم الوطنية العربية، بدءًا من الاغتيالات والحركات الانفصالية والضغوط الاقتصادية، ومرورًا بالاستدراج إلى حروب استنزافية مثلما حدث في حرب اليمن، وانتهاءً بتشجيع وتمويل والترويج للحركات الرجعية التي ترفع زورًا شعارات الإسلام كي توقف المد الوطني التحرري..

أما اليوم.. فقد أكدت الشهور الأخيرة أن وحدة الوجدان والمصالح المشتركة العربية أقوى بكثير مما يظن المتربصون سوءًا بالشعوب العربية.. فما إن انطلقت الثورة في الريف التونسي وامتدت إلى العاصمة وهرب الدكتاتور المخلوع إلى السعودية، حتى كانت كبرى الثورات الشعبية العربية الحديثة في القاهرة والأسكندرية والسويس والمنصورة وسائر المدن المصرية، واليوم ها هي السعودية نفسها تمارس ضغوطًا هائلة على المجلس العسكري المصري من أجل مساعدة مبارك وزمرته على النفاذ بجلدهم..

واتسع إشعاع الثورة المصرية ليمتد إلى ليبيا واليمن والبحرين وسوريا.. وكالعادة استخدمت السعودية قدراتها المالية والقبلية كي لا تؤدي الإطاحة الممكنة بدكتاتور اليمن إلى تغيير حقيقي في النظام السياسي والاجتماعي يشكل خطرًا على النظام السعودي الرجعي الموغل في تخلفه وعمالته للولايات المتحدة.. ونتيجة لهذا التلاعب بالمبادرات والزعامات القبلية دفع الشعب اليمني وشبابه الثائر ثمنًا باهظًا جدًا في الأرواح..

أما في البحرين فلم تجد السعودية بدًا من الزحف العسكري لقمع الثورة البحرينية، ورفع أقبح الشعارات والنعرات المذهبية لحرمان الشعب البحريني البطل من ثمار تحركه الشجاع ضد حكم فاسد ومتفسخ.. وتحت شعار محاربة التوسع الشيعي والإيراني أريقت الدماء وتم تكميم الأفواه.. بينما أدعياء الديمقراطية في الغرب الاستعماري يباركون أو يوجهون انتقادات خفيفة.

وعلى العكس من هذا تحركت الدول العربية الرجعية بكل قواها وإمكاناتها لإسقاط النظامين السوري والليبي.. وهما بالطبع نظامان مستبدان ولا يمكن الدفاع عنهما بحال من الأحوال.. ولكن عداء السعودية والنظم الرجعية العربية ، ومن ورائهم الغرب الاستعماري، لهذين النظامين ليس سببه بالطبع الرغبة في نشر الديمقراطية في سوريا وليبيا.. وإنما تقديم الخدمات للاستعمار الذي يبذل كل ما في طاقته للاستيلاء على كامل النفط الليبي الذي ذهب جزء منه للصين وروسيا وماليزيا.. أما سعي السعودية لإسقاط النظام السوري فهدفه بالتأكيد القضاء على أي تهديد للكيان الصهيوني، وخاصة من خلال الصداع الذب يمثله حزب الله في لبنان، وتصاعد النفوذ الإيراني بالمنطقة..

وهكذا لا يمكن لأي أحد على ظهر الأرض إنكار حق الشعوب في الإطاحة بالجلادين والنهابين.. ولكن في الوقت نفسه يجب على الشعوب العربية أن تدقق جيدًا فيمن يدعون أنهم حلفاء ومؤيدون حقيقيون للثورة.. فلا يمكن على الإطلاق تصور أن الولايات المتحدة وحلف الناتو والسعودية أنصار مخلصون للثورات.. وإنما هم يريدون امتطاء ظهر الثورات العربية لتحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية واقتصادية محددة..

السخرية الحقيقية أن بلدًا كالسعودية لا تتوفر فيه الحدود الدنيا من حقوق الإنسان سواء للمواطنين أم للمقيمين على أرضه (باستثناء الأمريكان والأوربيين طبعًا) يمكن أن يكون نصيرًا للثورات العربية.. فالسعودية ليس بها برلمان ولا أحزاب ولا نقابات ولا رقابة على الميزانية.. فهل هذه هي قلعة الديمقراطية التي يستند إليها الغرب الاستعماري في نشر الحريات، أم في السعي لاختطاف الثورات العربية وتحويل مسارها..

نعم.. هناك محاولات حثيثة لاختطاف الثورات العربية.. خاصة وأن هذه الثورات في معظمها قد قامت بها تحركات شعبية تلقائية وائتلافات عريضة جدًا اجتمعت على مطالب إسقاط النظام، ولكن للأسف دون برامج واضحة لبناء الدولة البديلة..

محاولة الاختطاف الأوضح تقوم بها القوى الظلامية رافعة- للمفارقة- شعارات الديمقراطية، بينما تقول الحقيقة إن أيديولوجيتها معادية لجوهر الديمقراطية، وحتى إن اضطرتها الظروف التكتيكية والملابسات المرحلية إلى رفع شعارات الديمقراطية فهي ديمقراطية “المشوار الواحد”.. أي ينتهي الغرض منها تمامًا بعدما توصل الظلاميين إلى كراسي الحكم..

وتزداد خطورة الظلاميين بكل تنويعاتهم على الثورة إذا أخذنا في الحسبان التفكير الجدي عند بعض دوائرا لبحث وصنع القرار في الولايات المتحدة لاستخدام التيارات الظلامية في مشروع حده الأدنى هو السيناريو التركي وحده الأقصى هو السيناريو الباكستاني.. وبالطبع سيختلف هذا المزيج من بلد عربي لآخر..

لن تكفي الإطاحة بالطغاة إذا ظلت نظمهم باقية على حالها، وقواعدهم الاجتماعية لم تُمس في الصميم.. ولن يكفي تغيير الدساتير إذا ظلت ثروات البلاد منهوبة للأجانب ووكلائهم من اللصوص المحليين..

أي أن الديمقراطية السياسية لن تكتمل إلا بإحداث تغييرات دستورية عميقة في بنية السلطة والمجتمع بما لا يسمح بعودة الدكتاتورية واللصوصية والزبونية السياسية، وأيضًا بإرساء عقد اجتماعي جديد لا يمكن لأي طرف كان الانقلاب عليه إذا اغتر بقوته في لحظة تاريخية معينة..

أيضًا لا بد أن تكتمل الديمقراطية السياسية بتغيير اجتماعي حقيقي.. فيتم إيقاف سياسات الخصخصة ونهب المال العام واستيلاء شلل الفاسدين على الموارد الاقتصادية.. كما يجب أن تعود الدولة للقيام بوظائفها الاقتصادية والاجتماعية لتوفير العمل والسكن والتعليم والعلاج لفئات الشعب المطحونة من الفقراء ومحدودي الدخل والمهمشين.. ولا بد أن تكون الديمقراطية سلاحًا في أيدي الجماهير من أجل العدل الاجتماعي..

إذا نجحت الثورات العربية في الربط بين المطالب الديمقراطية والمطالب الاجتماعية والاقتصادية للجماهير.. فإنها سوف تكتشف ساعتها أن من يدعون زورًا الوقوف إلى جانب الثورات العربية هم أول من سينقلبون عليها، وسيحاولون إعادتنا مرة أخرى إلى حظيرة نظم حكم عسكرية أو عائلية أو عشائرية.. أو حتى التآمر لتفتيت الأوطان بفعل صراعات عرقية أو طائفية أو قبلية..

خلاصة القول إن طوق النجاة وشرط النجاح للثورات العربية هو في الجمع بين شعارات التحول الديمقراطي والعدل الاجتماعي والحفاظ على الإرادة الوطنية المستقلة..

نُشِرت في حول العالم | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

صورة اليوم: الشهيد مهدي عامل

نُشِرت في مهدي عامل, ميديا | الوسوم: | أضف تعليق